تدخل أوروبا مرحلة جديدة من التوتر الأمني مع تصاعد ما تصفه العواصم الأوروبية بـ الحرب الهجينة الروسية، في وقت لم تعد فيه المخاطر مرتبطة فقط بالحرب الدائرة في أوكرانيا، بل باتت تمتد إلى المجال الأوروبي عبر طائرات مسيّرة، وعمليات تخريب، وهجمات إلكترونية، ومحاولات استهداف للبنية التحتية والمنشآت المرتبطة بدعم كييف.
وتأتي محاولة الهجوم بطائرات مسيّرة محملة بالمتفجرات قرب مطار لايبزيج/هاله في ألمانيا في مقدمة التطورات التي رفعت مستوى القلق الأوروبي. وكانت السلطات الألمانية قد اتهمت روسيا بالوقوف وراء العملية، بعد العثور على طائرات مسيّرة تحمل متفجرات قرب طائرة شحن أوكرانية، فيما تنفي موسكو أي مسؤولية عن الحادث، حسبما قالت صحيفة لابانجورديا الإسبانية.
وتكتسب حادثة لايبزيج أهمية خاصة لأنها، وفق الرواية الألمانية، لم تكن مجرد تحليق مجهول لطائرة مسيّرة، وإنما محاولة لاستخدام طائرات مجهزة بمتفجرات لتنفيذ عمل تخريبي على الأراضي الأوروبية. وقالت برلين إن مكونات الطائرات والمتفجرات ونظام التفجير تحمل أوجه تشابه مع وسائل استخدمت في عمليات هجينة روسية سابقة.
تحرك ألمانى أكثر حدة تجاه موسكو
وأدت الحادثة إلى تحرك ألماني أكثر حدة تجاه موسكو، شمل إغلاق القنصلية الروسية في بون وإنهاء ترتيبات تشغيل «البيت الروسي» في برلين، بينما بحث الاتحاد الأوروبي فرض إجراءات إضافية ضد روسيا. واعتبرت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أن حادثة لايبزيج تحمل سمات، إرهاب ترعاه دول.
لكن لايبزيج ليست حادثة منفردة. ففي الأسابيع الأخيرة تزايدت التقارير عن نشاطات غامضة تستهدف دولًا أوروبية داعمة لأوكرانيا، من بينها عمليات إحراق وتخريب ومحاولات استهداف منشآت مرتبطة بالصناعات الدفاعية. وفي بولندا، تعرضت مواقع تابعة لشركات مرتبطة بإنتاج الطائرات المسيّرة والدفاع للحريق، بينما قالت السلطات في سلوفاكيا إنها أحبطت محاولة لإحراق منشأة تابعة لشركة مسيّرات أسستها جهات أوكرانية.
كما شهدت رومانيا حادثة أخرى لافتة في أغسطس، عندما أسقطت مقاتلات من طراز F-16 طائرة مسيّرة محملة بالمتفجرات كانت تحلق على مسافة قريبة من منصة «نيبتون ديب» للغاز الطبيعي داخل المياه الإقليمية الرومانية. واعتُبرت الواقعة الرابعة هذا العام التي تسقط فيها رومانيا طائرة مسيّرة يُشتبه في ارتباطها بروسيا.
ولا تقتصر المخاوف الأوروبية على المطارات والمنشآت العسكرية، إذ تتزايد التحذيرات من استهداف شبكات الكهرباء والطاقة والاتصالات والسكك الحديدية. وتخشى حكومات أوروبية من أن تؤدي عملية تخريب منسقة إلى تعطيل قطاعات حيوية وإحداث خسائر اقتصادية وزيادة حالة القلق بين السكان.
أزمة بنية تحتية للطاقة
وتكشف أزمة البنية التحتية للطاقة عن أحد أخطر جوانب التهديد الجديد، إذ ترى دول أوروبية أن شبكات الكهرباء أصبحت أكثر عرضة للهجمات بسبب اعتمادها المتزايد على الأنظمة الرقمية والمكونات المتصلة عن بعد. ولهذا بدأت دول مثل ليتوانيا في تعزيز حماية شبكاتها الكهربائية، بينما تكثف دول أخرى تدريبات الطوارئ وإجراءات الأمن السيبراني، وفقا لصحيفة لوموند الفرنسية.
ويحذر المسؤولون الأوروبيون من أن الهدف الأساسي للحرب الهجينة ليس بالضرورة إحداث دمار واسع، وإنما **اختبار قدرة أوروبا على اكتشاف الهجمات والرد عليها**، وقياس مدى استعداد الحكومات لاتخاذ قرارات سريعة، إلى جانب إرباك حركة الطيران والنقل وتقويض الثقة في مؤسسات الدولة.
وبحسب تحليل أمني نقلته إذاعة «آر تي إي»، وثق مركز كارنيجي أكثر من 151 حادثة تخريب وحرب ظل نُسبت علنًا إلى روسيا أو يُشتبه في ارتباطها بها منذ عام 2022، مع ارتفاع ملحوظ في وتيرة هذه العمليات خلال السنوات الأخيرة. كما أشار المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إلى رصد طائرات مسيّرة يُشتبه في ارتباطها بروسيا داخل المجال الجوي لعدد كبير من دول الناتو وأيرلندا، وهو ما أدى في بعض الحالات إلى تعطيل مطارات أوروبية.
وفي مواجهة هذا التصعيد، يحاول الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو الانتقال من مرحلة رصد التهديد إلى بناء منظومة ردع أكثر تكاملًا. وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إن أوروبا يجب أن تستعد لـ«عصر جديد من الأمن الأوروبي»، فيما أكد الأمين العام للناتو مارك روته أن الحلف بحاجة إلى امتلاك القدرات اللازمة للتعامل مع هذه التهديدات، حسبما قالت شبكة يورونيوز على نسختها الإسبانية.
كما دعت واشنطن، عبر سفيرها لدى الناتو ماثيو ويتكر، الدول الأعضاء إلى عدم التسامح مع الهجمات الهجينة، مشيرًا إلى أن حوادث ألمانيا وبولندا تكشف عن تغير في طبيعة التهديد. وشدد على ضرورة حماية البنية التحتية الحيوية، خصوصًا منشآت الطاقة والنقل والاتصالات.
وهكذا، تبدو أوروبا أمام معركة أمنية جديدة تقع في المنطقة الرمادية بين الحرب والسلام. فالهجمات لا تصل إلى مستوى الحرب التقليدية، لكنها قادرة على إحداث اضطراب واسع بأدوات منخفضة التكلفة نسبيًا، من مسيّرات صغيرة وحرائق متعمدة إلى اختراقات إلكترونية وحملات تضليل.
ويبقى التحدي الأكبر أمام العواصم الأوروبية هو كيفية الرد دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع موسكو، وفي الوقت نفسه منع روسيا، إذا ثبتت مسؤوليتها عن هذه العمليات، من تحويل الأراضي الأوروبية إلى ساحة مفتوحة للحرب الهجينة. ومع استمرار الحرب في أوكرانيا، تبدو المؤشرات الحالية وكأنها تنذر بأن الجبهة الأوروبية الجديدة قد لا تكون على خط تماس عسكري، وإنما في المطارات ومحطات الطاقة وشبكات الاتصالات والمنشآت الحيوية.