في سنواتها الأولى، لم تتعامل جماعة الإخوان الارهابية مع الملك فاروق باعتباره مجرد رأس للنظام الملكي، وإنما حاولت تقديمه للرأي العام في صورة الحاكم الذي يمكن أن يحمل راية المشروع الإسلامي.
غير أن هذا الخطاب لم يصمد طويلًا أمام تغير الحسابات السياسية، لتتحول العلاقة تدريجيًا من رسائل التأييد والمبايعة إلى التوتر، ثم إلى صدام مفتوح مع الدولة انتهى بحل الجماعة واغتيال رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي، ثم مقتل مؤسس الإخوان حسن البنا.
كانت نقطة البداية مع اعتلاء فاروق العرش عام 1936، بعد وفاة والده الملك فؤاد الأول، حيث وجدت الجماعة في الملك الشاب فرصة لبناء علاقة وثيقة مع القصر، ومع اقتراب تسلمه سلطاته الدستورية عام 1937، كثفت الجماعة خطابها المؤيد له، وربطت بين شخصه وبين فكرة الحكم المستند إلى الإسلام.
وفي فبراير 1937، نشر حسن البنا في مجلة «الإخوان» مقالًا حمل عنوان «حامي المصحف»، استند فيه إلى واقعة خلال إحدى زيارات الملك للصعيد، عندما أظهر مصحفًا وتحدث عن مكانته لديه. وحول البنا الواقعة إلى دلالة سياسية ودينية، معتبرًا أن تمسك فاروق بالقرآن يمكن أن يجعله قائدًا للأمة الإسلامية، بل دعا إلى مبايعته على هذا الأساس.
لم يتوقف الأمر عند الكتابة الصحفية، إذ حرصت الجماعة في مناسبات مختلفة على إظهار تأييدها للملك، وارتبطت تلك المرحلة بهتافات وشعارات ذات طابع ديني، فيما عملت صحافة الإخوان على تعزيز صورة فاروق باعتباره ملكًا متدينًا، مستخدمة أوصافًا مثل «حامي المصحف» و«أمير المؤمنين» و«حامي حمى الإسلام».
لكن خلف هذا التقارب كانت الحسابات السياسية حاضرة بقوة.
القصر والإخوان.. تقاطع مؤقت للمصالح
لم يكن التقارب بين الطرفين قائمًا على رؤية سياسية متطابقة بقدر ما كان يعكس مصالح متبادلة.
فالجماعة كانت تبحث عن مساحة أوسع للحركة والانتشار، بينما كان القصر يواجه منافسة الأحزاب والقوى السياسية، وفي مقدمتها حزب الوفد، الأمر الذي جعل وجود قوة جماهيرية وتنظيمية مثل الإخوان عاملًا يمكن توظيفه في معادلة الصراع السياسي.
ومع اتساع نشاط الجماعة خلال أربعينيات القرن الماضي، بدأت العلاقة تفقد بساطتها الأولى، فحسن البنا تحرك بين مراكز القوى السياسية، محاولًا الحفاظ على نفوذ جماعته وعلاقاتها مع مختلف الأطراف، بينما لم يعد القصر ينظر إلى الإخوان باعتبارهم مجرد قوة يمكن الاستفادة منها في مواجهة الخصوم السياسيين.
وبمرور الوقت، أصبحت الجماعة نفسها قوة سياسية وتنظيمية يصعب احتواؤها، خصوصًا مع تنامي نشاطها السري وظهور «النظام الخاص»، الذي تحول إلى أحد أخطر مصادر التوتر بين الإخوان والدولة.
«النظام الخاص» يغيّر قواعد اللعبة
كان الانتقال من النشاط الدعوي والسياسي العلني إلى العمل السري والعسكري نقطة تحول حاسمة في علاقة الإخوان بالدولة، ومع تصاعد أعمال العنف والاغتيالات، اتسعت الفجوة بين الجماعة والسلطات، ولم يعد الخلاف مجرد تنافس سياسي حول النفوذ.
وفي ديسمبر 1948، بلغ التصعيد ذروته بعد مقتل اللواء سليم زكي، حكمدار شرطة القاهرة، وما تبع ذلك من إجراءات وتحقيقات. وبعد أيام، اتخذت الحكومة قرارًا بحل جماعة الإخوان المسلمين في 8 ديسمبر، مع إغلاق مقارها ومصادرة أموالها.
كان القرار بمثابة إعلان رسمي لانتهاء مرحلة طويلة من المناورة السياسية بين الجماعة والدولة، وفتح الباب أمام أخطر حلقات الصراع.
اغتيال النقراشي.. الرد الذي فجّر المواجهة
بعد عشرين يومًا فقط من قرار الحل، وقعت الجريمة التي جعلت الصدام يصل إلى نقطة اللاعودة.
في 28 ديسمبر 1948، كان رئيس الوزراء ووزير الداخلية محمود فهمي النقراشي داخل مبنى وزارة الداخلية عندما اقترب منه عبد المجيد أحمد حسن، مرتديًا زي ضابط شرطة، وأطلق عليه النار من الخلف، ليفارق النقراشي الحياة بعد دقائق.
وكشفت التحقيقات عن صلة منفذ الاغتيال بـ«النظام الخاص» داخل جماعة الإخوان، وانتهت القضية إلى الحكم عليه بالإعدام، إلى جانب أحكام أخرى بحق متهمين في القضية.
حاول حسن البنا احتواء التداعيات بإصدار بيان أعلن فيه تبرؤه من مرتكبي الجريمة، مستخدمًا عبارته الشهيرة التي قال فيها إنهم «ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمين». إلا أن البيان لم ينه الأزمة، بل فتح بدوره بابًا جديدًا من الخلاف داخل الجماعة نفسها، وفق روايات تاريخية ربطت بين موقف البنا وتصاعد التوتر مع قيادات النظام الخاص.
البنا.. المؤسس الذي انتهى به الصراع قتيلًا
في 12 فبراير 1949، وبعد أسابيع قليلة من اغتيال النقراشي، تعرض حسن البنا للاغتيال أمام جمعية الشبان المسلمين في القاهرة.
ومنذ ذلك الحين، تعددت الروايات حول دوافع الجريمة والجهات المسؤولة عنها، كما ظهرت قراءات ربطت مقتله بالصراع الذي انفجر بين قيادة الجماعة وبين جناحها السري، خصوصًا بعد قرار البنا التبرؤ من قتلة النقراشي.
وتذهب بعض الروايات إلى أن الخلاف لم يكن سياسيًا فقط، بل ارتبط أيضًا بمسألة الأسلحة والمنشآت السرية التابعة للتنظيم، وما إذا كان البنا قد اتجه إلى تسليمها للسلطات في محاولة لإنقاذ الجماعة بعد قرار الحل.
وهكذا انتهت سنة 1949 والجماعة تعيش واحدة من أكثر أزماتها قسوة: الدولة في مواجهة التنظيم، ومؤسس الجماعة نفسه أصبح ضحية لمرحلة الصدام التي ساهمت عوامل عديدة في إشعالها.
حين سقطت لغة المبايعة أمام منطق الدولة
تكشف هذه المرحلة أن العلاقة بين الملك فاروق والإخوان لم تكن خطًا مستقيمًا من التأييد إلى العداء، وإنما كانت سلسلة من التحولات فرضتها موازين القوة والمصالح السياسية.
فالرجل الذي قدمته الجماعة في بدايات حكمه باعتباره «حامي المصحف» ورفعت أمامه شعارات المبايعة، أصبح نظامه لاحقًا في مواجهة مباشرة مع التنظيم بعدما تجاوز الخلاف حدود المنافسة السياسية إلى النشاط السري والعنف والاغتيالات
وبين عامي 1937 و1949 تبدلت الصورة بالكامل: من جماعة تسعى إلى الاقتراب من القصر وتوظيف مكانة الملك الدينية، إلى تنظيم جرى حله ومصادرة مقاره وأمواله، ثم دخل في مواجهة دامية مع الدولة انتهت باغتيال رئيس وزرائها، وبعدها مقتل مؤسس الجماعة.
ولذلك، فإن قصة فاروق والإخوان لا تختصرها عبارات التأييد أو الخصومة وحدها، وإنما تكشف كيف يمكن لتحالفات السياسة أن تتبدل عندما تتغير موازين النفوذ، وكيف يمكن أن يتحول التقارب القائم على المصالح إلى صراع مفتوح عندما تتجاوز الخلافات حدود السياسة إلى قضية السلطة والأمن واحتكار الدولة لاستخدام القوة.