على مدار عقود، لم تتعامل جماعة الإخوان مع الدين باعتباره مجالًا روحيًا وأخلاقيًا بعيدًا عن الصراع السياسي، وإنما جعلته أحد أهم أدوات الحشد والتعبئة والتأثير في المجتمع، عبر تقديم مشروعها السياسي في صورة دينية، واستخدام شعارات وعبارات توحي بأن الاختلاف معها هو اختلاف مع الإسلام ذاته.
ومن هنا تحولت مقولات دينية إلى أدوات في المنافسة السياسية، وأصبح شعار "الإسلام هو الحل" واحدًا من أبرز النماذج على الخلط بين المقدس والسياسي.
ومن هذا الجانب يرصد إبراهيم ربيع القيادى المنشق من جماعة الإخوان والباحث في شؤون الكيانات الإرهابية، تفكيك آليات الجماعة في توظيف الدين، بعيداً عن المزايدات، وبالعودة إلى وقائع ونماذج موثقة من أدبياتها وسلوكها.
وأكد ربيع إن الجماعة الإرهابية سرعان ما جمعت بين الدعوة والعمل الاجتماعي والنشاط السياسي منذ تأسيسها على يد حسن البنا عام 1928، وهو ما تشير إليه دراسات بحثية تناولت تاريخ الجماعة، موضحة أنها سعت إلى "أسلمة" المجتمع من خلال القيم والتشريعات الإسلامية، مع توظيف العمل الدعوي والخدمات الاجتماعية في بناء قاعدة شعبية واسعة.
"الإسلام هو الحل".. الشعار الديني في مواجهة السياسة
وقال "ربيع" كان استخدام الشعارات الدينية في الانتخابات أحد أبرز الأدلة على توظيف الجماعة للدين في المجال السياسي. ففي الانتخابات البرلمانية المصرية عام 2010، تمسكت الجماعة باستخدام شعار "الإسلام هو الحل"، رغم حظر استخدام الشعارات الدينية في الحملات الانتخابية آنذاك، هذا وفق دراسة لمؤسسة "كارنيجي للسلام الدولي".
وأكد أن الدراسة أشارة إلى أنه على الرغم من استخدام الجماعة لهذا الشعار الخاص بها إلا أن تصرفاتها تضمن في التفاصيل قضايا سياسية تتعلق بالإصلاح السياسي والحريات والعدالة والتنمية.
وهو ما يكشف عن الفارق بين الشعار ذي الحمولة الدينية وبين البرنامج السياسي الذي تقدمه الجماعة للناخبين. موضحا لم يكن الشعار مجرد عبارة انتخابية عابرة، إذ وصفته دراسة أخرى ل"كارنيجي" بأنه من الشعارات العاطفية التي احتفظت بها الجماعة، مشيرة إلى أن مضمون برنامجها السياسي كان يتناول قضايا إصلاحية وسياسية بالأساس.
احتكار الحقيقة.. من يختلف مع الجماعة يختلف مع الدين
وأوضح الباحث في شؤون الكيانات والحركات الارهابية،أن خطورة توظيف الدين سياسيًا تكمن في تحويل المنافسة السياسية من اختلاف طبيعي حول البرامج والأفكار إلى معركة تبدو وكأنها بين "الإيمان" و"الكفر"، أو بين مناصرة الدين ومعاداته.
وبذلك يصبح التنظيم في موقع المدافع عن الدين، بينما يُدفع الخصوم إلى موقع الاتهام. كاشفا، عن دراسة لمؤسسة" كارنيجي" أن جماعة الإخوان الإرهابية استطاعت الاستمرار لعقود، مستفيدة من المكانة المهمة للدين في الثقافة السياسية المصرية، إلى جانب اعتمادها على التنظيم الخلوي والعمل الاجتماعي والقدرة على التكيف مع الظروف السياسية المختلفة. مشيرا إلى أن الجماعة استخدمت شعارات دينية في انتخابات الاتحادات الطلابية والنقابات وغيرها من ساحات النشاط العام.
وحدد إبراهيم ربيع جوهر المشكلة قائلا: الدين يصبح وسيلة لمنح المشروع السياسي شرعية إضافية؛ فالبرنامج السياسي يمكن مناقشته وانتقاده، أما وضعه تحت مظلة دينية فيمنحه لدى بعض المتلقين حصانة نفسية وأخلاقية، ويجعل نقد التنظيم يبدو وكأنه نقد للدين.
من الدعوة إلى السياسة.. مشروع واحد بأدوات متعددة
وأضاف القيادى المنشق عن الجماعة، أن النشاط الدعوي والاجتماعي لم يكن منفصلًا بصورة كاملة عن المشروع السياسي للجماعة؛ حيث جمعت الجماعة تاريخيًا بين التعليم الديني والنشاط السياسي والخدمات الاجتماعية، بما ساعدها على بناء نفوذ واسع داخل المجتمع.
وأوضح أن هذا الدمج منح التنظيم قدرة على الوصول إلى قطاعات مختلفة من المواطنين؛ فالمواطن الذي يتعامل مع الجماعة من خلال نشاط اجتماعي أو دعوي قد يجد نفسه لاحقًا أمام خطاب سياسي يقدم الجماعة باعتبارها امتدادًا طبيعيًا لذلك النشاط.
التنظيم قبل الوطن.. منهج إخوانى
وشدد الباحث في شؤون الحركات الارهابية، أنه من أبرز الإشكاليات التي ارتبطت بتجربة الجماعة وضع الولاء التنظيمي في مساحة شديدة التداخل مع الانتماء الديني، فقد أظهرت أدبيات الجماعة وتاريخها اعتمادها على بناء تنظيم شديد التماسك، يقوم على العضوية والتدرج والطاعة، وهو ما منحها قدرة كبيرة على الحشد والتحرك.
وأشار إلى ارتباط تاريخ الجماعة بأفكار سيد قطب، الذي أصبح أحد أبرز منظريها، قبل أن تتطور بعض أفكاره في السجون المصرية خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي باتجاه أكثر راديكالية، منوها بأن كتابات قطب، خصوصًا "معالم في الطريق"، أصبحت لاحقًا من المراجع الفكرية التي استندت إليها جماعات جهادية متطرفة.
الدين ليس بطاقة انتخابية
وتابع، "ربيع" تاريخ جماعة الإخوان يقدم نموذجًا واضحًا لكيف يمكن تحويل الخطاب الديني إلى أداة سياسية كشعار انتخابي، خطاب تعبوي، نشاط اجتماعي، ومنظومة تنظيمية تقدم نفسها باعتبارها ممثلًا للقيم الإسلامية.
وأوضح الدين في جوهره أوسع من أي تنظيم سياسي، ولا يمكن اختزال الإسلام في جماعة أو حزب أو برنامج انتخابي. ولذلك فإن الفصل بين المقدسات والسياسي يظل ضرورة لحماية الدين من الاستغلال، وحماية السياسة في الوقت نفسه من احتكار الحديث باسم العقيدة. فحين يُطلب من المواطن أن يمنح صوته لمن يرفع شعارًا دينيًا بدلًا من تقييم برنامجه وكفاءته، تصبح المنافسة الانتخابية غير متكافئة.
واكد القيادى المنشق عن الجماعة أن تجربة الإخوان تكشف أخطر صور توظيف الدين سياسيًا ليست في الحديث عن القيم الإسلامية، وإنما في تحويل الدين إلى وسيلة لاحتكار الشرعية، وخلط الاختلاف السياسي بالخلاف الديني، وتقديم التنظيم باعتباره ممثلًا حصريًا للدين؛ وهي معادلة تضر بالدين قبل أن تخدم أي مشروع سياسي.