القاهرة - بكين .. من مواجهة كورونا إلى تصنيع اللقاحات.. كيف تحولت الشراكة المصرية الصينية إلى بوابة للأمن الصحي الأفريقي؟.. تعاون بدأ بالمساعدات الطبية وقت الجائحة وتطور إلى نقل تكنولوجيا التصنيع

الثلاثاء، 01 سبتمبر 2026 05:00 م
القاهرة - بكين .. من مواجهة كورونا إلى تصنيع اللقاحات.. كيف تحولت الشراكة المصرية الصينية إلى بوابة للأمن الصحي الأفريقي؟.. تعاون بدأ بالمساعدات الطبية وقت الجائحة وتطور إلى نقل تكنولوجيا التصنيع لقاحات كورونا

كتب وليد عبد السلام

 

لم تكن جائحة كورونا مجرد اختبار للأنظمة الصحية حول العالم، وإنما كشفت أيضًا عن أهمية امتلاك الدول قدرات محلية لتوفير الأدوية والمستلزمات واللقاحات، بعدما تحولت سلاسل الإمداد العالمية إلى أحد أبرز التحديات أمام الحكومات في مواجهة الوباء.

وفي خضم هذه الأزمة، تطورت العلاقات الصحية بين مصر والصين من تبادل المساعدات والمستلزمات الطبية إلى شراكة أوسع في مجال اللقاحات والتصنيع الدوائي، لتبدأ القاهرة مرحلة جديدة تستهدف تعزيز قدراتها في إنتاج المستحضرات الحيوية وتوطين التكنولوجيا الطبية.

القصة لم تبدأ من المصنع، وإنما من أزمة عالمية فرضت على الجميع البحث عن حلول سريعة، قبل أن تتحول التجربة إلى تعاون طويل الأمد في مجال التصنيع ونقل الخبرات.

 

من المساعدات إلى الشراكة الصناعية

مع بداية انتشار فيروس كورونا، شهدت العلاقات المصرية الصينية تنسيقًا مكثفًا في المجال الصحي، حيث تبادل البلدان المساعدات والمستلزمات الطبية في ظل النقص العالمي الحاد الذي صاحب الموجات الأولى للجائحة.

ومع تطور الأزمة، توسعت مجالات التعاون لتشمل اللقاحات، في وقت كانت فيه دول العالم تتسابق للحصول على الجرعات اللازمة لحماية مواطنيها.

وشكل التعاون في مجال اللقاحات إحدى المحطات المهمة في العلاقات الصحية بين البلدين، بعدما انتقلت مصر من مرحلة الحصول على المنتجات الطبية إلى البحث عن إمكانية توطين تصنيعها داخل الأراضي المصرية.

وهنا برز دور الشركة القابضة للمستحضرات الحيوية واللقاحات «فاكسيرا» باعتبارها إحدى المؤسسات الرئيسية في منظومة إنتاج اللقاحات بمصر.

 

فاكسيرا.. من تأمين الاحتياجات إلى نقل التكنولوجيا

لم يكن الهدف من التعاون مجرد توفير جرعات للسوق المحلية، وإنما الاستفادة من الخبرات والتكنولوجيا اللازمة لبناء قدرة إنتاجية مصرية.

وتعاونت «فاكسيرا» مع شركة «سينوفاك» الصينية في مجال تصنيع لقاح كورونا، في إطار توجه الدولة نحو توطين صناعة اللقاحات وتعزيز القدرات الوطنية في مجال المستحضرات الحيوية.

وهنا تظهر أهمية التجربة باعتبارها نموذجًا يتجاوز فكرة شراء المنتج النهائي؛ فالتصنيع المحلي يتيح تدريب الكوادر المصرية، ورفع كفاءة خطوط الإنتاج، وتطوير أنظمة الجودة والتخزين، وبناء خبرات يمكن الاستفادة منها مستقبلًا في تصنيع منتجات حيوية أخرى.

وتتطلب صناعة اللقاحات منظومة متكاملة لا تقتصر على وجود خط إنتاج، وإنما تشمل معامل مراقبة الجودة، وأنظمة التعقيم، والتخزين، وسلسلة التبريد، والتدريب، والرقابة الدوائية، بما يجعل توطين الصناعة مشروعًا طويل المدى وليس مجرد عملية تعبئة للمنتج.

 

رحلة اللقاح لا تنتهي عند المصنع

ومن أبرز الملفات المرتبطة بتوطين صناعة اللقاحات ملف سلسلة التبريد والتخزين، باعتبارها حلقة أساسية للحفاظ على جودة المنتجات البيولوجية منذ خروجها من خطوط الإنتاج وحتى وصولها إلى مراكز التطعيم.

وفي هذا الإطار، جاء تطوير البنية اللوجستية والتخزينية، بما في ذلك مجمع التبريد التابع لـ«فاكسيرا» بمدينة السادس من أكتوبر، كجزء من منظومة تستهدف رفع قدرة مصر على التعامل مع اللقاحات وإدارة مخزوناتها وفق متطلبات الجودة.

وتكشف هذه الخطوة أن التوطين الحقيقي لا يتعلق فقط بإنتاج الجرعة، وإنما ببناء منظومة متكاملة قادرة على تصنيعها وحفظها ونقلها وتوزيعها بأعلى معايير السلامة والجودة.

 

هل تكتفي مصر بالسوق المحلية؟

السؤال الأهم الذي تفرضه تجربة التعاون المصري الصيني لا يتعلق فقط بما تم إنتاجه خلال أزمة كورونا، وإنما بما يمكن أن تبنيه مصر على هذه التجربة خلال السنوات المقبلة.

فامتلاك قاعدة صناعية في مجال اللقاحات والمستحضرات الحيوية يفتح الباب أمام التوسع في الإنتاج، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، والاستفادة من الموقع الجغرافي لمصر في الوصول إلى الأسواق الأفريقية.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل الحاجة الأفريقية إلى تعزيز قدرات التصنيع المحلي والإقليمي للقاحات والأدوية، وتقليل الاعتماد على سلاسل الإمداد الممتدة خارج القارة.

ومن هنا يمكن أن تتحول مصر من مجرد سوق مستهلك للمنتجات الطبية إلى مركز إقليمي للإنتاج والتوزيع إذا نجحت في استكمال متطلبات التصنيع والاعتماد والتصدير.

 

من اللقاحات إلى الصناعات الحيوية

الشراكة المصرية الصينية لا تتوقف عند لقاح كورونا، فالتجربة تطرح مجالًا أوسع للتعاون في المستحضرات الحيوية والأبحاث والتدريب وتطوير القدرات العلمية.

وتأتي أهمية هذا المسار في ظل التحول العالمي نحو الصناعات الدوائية البيولوجية، التي تشمل اللقاحات والعلاجات الحيوية والتقنيات المتقدمة المرتبطة بمواجهة الأمراض المعدية.

كما يبرز التعاون البحثي كأحد المسارات المستقبلية، خصوصًا في مجالات رصد الأمراض المعدية، والتنبؤ بالأوبئة، وتطوير أدوات التشخيص والعلاجات واللقاحات الجديدة.

 

الدرس الأهم من كورونا: امتلاك القدرة قبل الأزمة

أثبتت الجائحة أن الأمن الصحي لا يعتمد فقط على توافر المستشفيات والأطباء، وإنما يرتبط أيضًا بقدرة الدولة على الوصول إلى الأدوية واللقاحات والمستلزمات وقت الأزمات العالمية.

ولهذا أصبح توطين الصناعات الدوائية والحيوية جزءًا من مفهوم أوسع للأمن الصحي، يقوم على تقليل مخاطر انقطاع سلاسل الإمداد، ورفع القدرة المحلية على الاستجابة للطوارئ.

وتأتي الشراكة المصرية الصينية في هذا السياق باعتبارها تجربة يمكن البناء عليها، خصوصًا إذا تحولت من إنتاج لقاحات مرتبطة بجائحة محددة إلى قاعدة مستدامة للتصنيع والبحث والتطوير.


 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة