في ظل واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية التي شهدها قطاع غزة، برز التحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي في مصر كركيزة أساسية وحائط صد إنساني لخفّض وطأة العدوان والمعاناة عن الأشقاء الفلسطينيين. لم تكن الجهود التي قادها التحالف مجرد استجابة عابرة، بل تحولت إلى جسر إغاثى وإنساني مُنظم، يترجم الموقف المصري الرسمي والشعبي إلى أرقام وحقائق على الأرض.
أرقام وأحجام المساعدات: الجسر البري الأضخم
منذ اندلاع الأحداث في أكتوبر 2023 وحتى منتصف عام 2024، استطاعت الدولة المصرية عبر مؤسسات المجتمع المدني المنتمية تحت مظلة التحالف الوطني، التكفل بتوفير وتجهيز ما يزيد عن 80% من إجمالي المساعدات الإنسانية والإغاثية التي دخلت قطاع غزة من مختلف دول العالم والمؤسسات الدولية.
وتترجم هذه النسبة عبر أرقام ومؤشرات إحصائية دقيقة:
إجمالي الشاحنات:
سير التحالف الوطني ومؤسساته أكثر من 18,000 شاحنة إغاثية ضخمة عبر معبر رفح البري ومن خلال النقاط اللوجستية المحددة.
الحمولة الإجمالية:
تجاوزت حجم المساعدات شحنات تزن أكثر من 300 ألف طن من المساعدات المتنوعة.
المساعدات الغذائية:
تم إدخال ما يزيد عن 150 ألف طن من المواد الغذائية الأساسية، شملت دقيق القمح، السلع الجافة، المعلبات جاهزة للأكل، بالإضافة إلى تشغيل مطابخ ميدانية داخل القطاع وعلى الحدود لتوفير آلاف الوجبات الساخنة يومياً.
الإغاثة الطبية:
أرسل التحالف أكثر من 25 ألف طن من الأدوية والمستلزمات الطبية الحرجة، والتي شملت أجهزة التنفس الصناعي، أدوية الأمراض المزمنة، أدوات الجراحة الميدانية، ومستلزمات التخدير لتعويض النقص الحاد في المستشفيات.
مستلزمات الإيواء:
تم توفير نحو 50 ألف خيمة إيواء مجهزة، وأكثر من 500 ألف بطانية ولحاف، بجانب المستلزمات المعيشية لمواجهة ظروف النزوح وبرودة الشتاء.
المياه والصحة العامة:
تم ضخ وإرسال ملايين الليترات من المياه الصالحة للشرب والخبز والمطهرات للحد من انتشار الأوبئة بين النازحين.
تلاحم مؤسسي وشعبي: آلية العمل والميدان
تكمن قوة التحالف الوطني في قدرته على صهر جهود أكثر من 36 مؤسسة وجمعية أهلية كبرى في مصر داخل قالب عمل موحد ومستدام. ومن أبرز هذه الكيانات: (مؤسسة مصر الخير، بنك الطعام المصري، جمعية الأورمان، مؤسسة صناع الحياة، جمعية رسالة، ومؤسسة أبو العينين)، إلى جانب الهلال الأحمر المصري الذي لعب دور الكيان اللوجستي والتنسيقي الميداني الأبرز.
ولم تقتصر هذه الملحمة على الموارد المالية والمادية، بل امتدت إلى العنصر البشري؛ حيث شارك أكثر من 20 ألف متطوع من شباب التحالف الوطني في عمليات تعبئة، رصف، وتجهيز القوافل على مدار الساعة. مرابطين في مستودعات ومخازن التحالف المركزية بمدينة العريش وشمال سيناء، وكذلك أمام معبر رفح لضمان سلامة وتدفق المواد الإغاثية.
دعم الجرحى والعالقين داخل الأراضي المصرية
لم يقف دور التحالف الوطني عند حدود سبل الإغاثة الموجهة إلى داخل القطاع، بل امتد ليشمل رعاية الفلسطينيين الواصلين إلى الأراضي المصرية:
المستشفيات والرعاية الطبية:
ساهم متطوعو التحالف في الاستقبال الميداني للمصابين والجرحى القادمين عبر معبر رفح، وتوزيعهم على المستشفيات المصرية في شمال سيناء والقناة والقاهرة، مع تقديم الدعم اللوجستي والنفسي الكامل للمرافقين.
إعالة العالقين:
وفر التحالف الإعالة الكاملة والسكن والمصروفات المعيشية اليومية لآلاف الفلسطينيين الذين علقوا داخل مصر ولم يستطيعوا العودة إلى غزة بسبب استمرار الحرب وإغلاق المعابر.
التحديات اللوجستية وإدارة الأزمة
واجه التحالف الوطني تحديات جثيمة أثناء تنفيذ هذه الملحمة؛ تمثلت في العراقيل والإجراءات التعقيدية من الجانب الآخر، واستمرار القصف والتهديدات الأمنية لممرات الإغاثة، بالإضافة إلى الإغلاق المتكرر للمعابر.
ولمواجهة هذه التحديات، استحدث التحالف "غرفة عمليات وإدارة أزمات" تعمل على مدار 24 ساعة، تدير مراكز لوجستية ضخمة في محافظة شمال سيناء لضمان حفظ المواد الغذائية والطبية وفق أعلى معايير الجودة العالمية لحين إذن العبور، بما يحافظ على المساعدات من التلف ويضمن وصولها إلى مستحقيها بكفاءة.
رسالة تضامن واستمرار للالتزام
يؤكد التحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي أن جهوده في دعم غزة ليست مجرد استجابة ظرفية لأزمة طارئة، بل هي جزء من استراتيجية مستدامة وممتدة تُعبر عن التزام مصر التاريخي والإنساني تجاه القضية الفلسطينية. ويستمر التحالف في تجهيز القوافل وإعداد المخزون الاستراتيجي لضمان تدفق الدعم فور فتح المعابر وتوفر الممرات الآمنة.
إن النموذج الذي قدمه التحالف الوطني المصري للعمل الأهلي يُعد تجربة ملهمة في كيفية توظيف جهود المجتمع المدني وتنظيمها للتعامل مع الأزمات الإنسانية الكبرى، ليظل شريان الحياة والأمل الأول لأهالي غزة في أحلك أوقاتهم.