تحل اليوم 9 أغسطس الذكرى الثامنة عشرة لرحيل محمود درويش، الشاعر الذى ارتبط اسمه بقصائد أصبحت جزءًا من الذاكرة العربية، من "بطاقة هوية" و"أحن إلى خبز أمى" إلى "الجدارية" و"لاعب النرد"، لكن تجربة درويش تمتلك وجهًا آخر يستحق القراءة، فقد كتب النثر على امتداد حياته، وحوّل السيرة والمنفى والحرب والذاكرة إلى كتب تقع أحيانًا فى المنطقة الفاصلة بين الشعر والنثر.
وتشير موسوعة القضية الفلسطينية التابعة لمؤسسة الدراسات الفلسطينية إلى أن درويش ترك 25 مجموعة شعرية و11 عملًا نثريًا، وهو رقم يكشف أن النثر كان مكونًا أساسيًا فى تجربته الأدبية. كما كان بعض هذا النثر شديد الارتباط بحياته؛ فقد كتب عن الاعتقال والإقامة الجبرية، واستعاد حصار بيروت، وعاد فى سنواته الأخيرة لكتابة حياته وكأنه يقف أمامها ويتأملها من البداية.
يوميات الحزن العادى.. درويش يروى حياته تحت الحكم العسكرى
صدر «يوميات الحزن العادى» للمرة الأولى فى بيروت عام 1973، ويضم مجموعة من النصوص والمقالات النثرية التى تستدعى سنوات عاشها درويش فى فلسطين، بما حملته من إقامة جبرية واعتقالات واستجوابات وقيود على الحركة.
وتشير دار New York Review Books فى تقديمها للكتاب إلى أن النصوص تتناول أسئلة الهوية والوجود الفلسطينى، وتستدعى تجربة درويش الشخصية مع الاعتقال والإقامة الجبرية ومقابلاته مع المحققين، فى كتابة تتحرك بين الذاكرة والتأمل والسيرة.
ومن هنا تظهر قيمة الكتاب لمن يعرف درويش من القصائد فقط؛ فالشاعر الذى كان يحوّل التجربة الفلسطينية إلى صور واستعارات وأصوات شعرية، يقدم هنا جانبًا أكثر قربًا من حياته الشخصية، ويضع القارئ أمام الإنسان الذى عاش الوقائع التى تحولت فيما بعد إلى مادة شعرية.
ويمنح «يوميات الحزن العادى» فرصة لفهم العلاقة بين الفرد والقضية فى تجربة درويش، فالذات الموجودة فى الكتاب تحمل تاريخها الشخصى، وفى الوقت نفسه تتحرك داخل تاريخ أوسع لشعب ومكان وهوية.
ذاكرة للنسيان.. يوم واحد داخل حصار بيروت
ويأتى «ذاكرة للنسيان» بوصفه واحدًا من أهم كتب محمود درويش النثرية، ومن أكثرها قدرة على كشف الحدود المفتوحة بين الشعر والنثر فى كتابته.
ينطلق الكتاب من بيروت عام 1982، خلال الاجتياح الإسرائيلى للبنان وحصار المدينة، ويضع درويش يوم السادس من أغسطس فى قلب النص. وتصف جامعة كاليفورنيا العمل بأنه سلسلة من قصائد النثر تستعيد مدينة تحت الحصار، والطائرات فى السماء، والشوارع والحرب، بينما يتحرك الكاتب بين الحدث الخارجى وتأملاته فى الحياة والموت والذاكرة والمنفى.
ويظهر فى «ذاكرة للنسيان» تفصيل صغير أصبح واحدًا من أشهر عناصر الكتاب: إعداد فنجان القهوة أثناء القصف. يتحول الفعل اليومى داخل النص إلى محاولة لاستعادة نظام الحياة فى مدينة فقدت نظامها، وتصبح التفاصيل الصغيرة وسيلة لفهم الحرب من مستوى الإنسان الذى يعيشها.
ومن هنا أخذ الكتاب مكانته؛ فحصار بيروت حاضر فيه بتاريخ محدد ومكان محدد، بينما تتحول التجربة إلى أسئلة أوسع حول معنى النجاة والذاكرة والكتابة.
وقد كتبه درويش خلال سنوات إقامته فى باريس، مستعيدًا ما عاشه فى بيروت، حتى أصبح الكتاب من أبرز النصوص الأدبية المرتبطة بحصار المدينة عام 1982. كما وصفته دراسات وقراءات نقدية باعتباره عملًا يتحرك بين المذكرات وقصيدة النثر والتأمل السياسى والأدبى.
فى حضرة الغياب.. الكاتب يرثى نفسه
وفى السنوات الأخيرة من حياته وصل درويش إلى تجربة نثرية مختلفة مع كتاب «فى حضرة الغياب»، الذى ظهر بالعربية عام 2006، أى قبل رحيله بعامين.
يكتب درويش هنا سيرته بطريقة شديدة الخصوصية؛ يتأمل الطفولة والمنفى والأمكنة والحب والشعر والمرض والموت، ويقف الكاتب أمام ذاته كأنها شخص آخر يستطيع أن يخاطبه ويروى حكايته.
وتصف دار Archipelago Books الكتاب بأنه عمل يتحدى التصنيف، يجمع الشعر والنثر والسيرة، ويتأمل فيه درويش حياته وهو واعٍ بحضور الموت، وتتحرك صفحاته بين فلسطين والعائلة والصداقة والحب والتاريخ والعلاقة المستمرة بين الحياة والغياب.
وتكمن أهمية «فى حضرة الغياب» أيضًا فى أنه يعيد ترتيب حياة الشاعر بعد رحلة طويلة؛ فالطفل الذى خرج من البروة، والشاب الذى عرف الاعتقال، والشاعر الذى عاش فى القاهرة وبيروت وباريس ورام الله، يتحولون جميعًا إلى شخصيات داخل سيرة واحدة يكتبها صاحبها وهو ينظر إلى الطريق الذى قطعه.
لماذا نقرأ نثر محمود درويش؟
تكشف هذه الكتب أن صورة محمود درويش تصبح أكثر اكتمالًا حين نضع نثره إلى جوار شعره. فى القصيدة وجد لغته الأكثر شهرة، وفى النثر وجد مساحة أخرى للسرد والتفكير واستعادة التفاصيل.
ومن «يوميات الحزن العادى» إلى «ذاكرة للنسيان» ثم «فى حضرة الغياب»، يمكن تتبع حياته نفسها: فلسطين والاعتقال، ثم بيروت والحصار، ثم العودة إلى الذاكرة والذات والاقتراب من سؤال الموت.
ولهذا تحمل الذكرى الثامنة عشرة لرحيله فرصة لقراءة محمود درويش من باب مختلف، فخلف الشاعر الذى حفظ الملايين أبياته يوجد كاتب نثر ترك كتبًا تحمل سيرته وأسئلته وذاكرته، وتكشف جانبًا آخر من مشروع أدبى ظل يتغير حتى سنواته الأخيرة.