كيف رصد القدماء ظاهرتي الكسوف والخسوف؟ العين المجردة كانت مرصدهم الأول

الإثنين، 10 أغسطس 2026 09:00 ص
كيف رصد القدماء ظاهرتي الكسوف والخسوف؟ العين المجردة كانت مرصدهم الأول الكسوف

محمد عبد الرحمن

قبل ظهور التلسكوبات والأجهزة الفلكية الحديثة بآلاف السنين، استطاع الإنسان القديم أن يرصد ظاهرتي كسوف الشمس وخسوف القمر، وأن يلاحظ تكرارهما ويبحث عن أنماط تساعده على فهم حركة الأجرام السماوية.

سيجتاح كسوف الشمس الكلي في 12 أغسطس 2026 أجزاءً من نصف الكرة الشمالي، مُتيحًا لملايين البشر فرصة مشاهدة أحد أروع الظواهر الطبيعية، ويبدأ مسار الكسوف الكلي، حيث يُغطي القمر الشمس تمامًا، فوق المحيط المتجمد الشمالي، ثم يعبر شرق جرينلاند، وغرب أيسلندا، وشمال إسبانيا، بعد ذلك، يمر فوق جزر البليار قبل أن ينتهي فوق البحر الأبيض المتوسط.

واعتمد الفلكيون القدماء أساسًا على العين المجردة والمراقبة المستمرة للسماء، فكانوا يتابعون حركة الشمس والقمر والكواكب، ويسجلون الظواهر غير المعتادة على الألواح الطينية والبرديات والمخطوطات، إلى جانب النقوش والرسوم المرتبطة بالمعتقدات الدينية.

العين المجردة.. أول أداة لرصد السماء

لم يكن القدماء يمتلكون أدوات الرصد الحديثة، لكن ذلك لم يمنعهم من تكوين سجلات فلكية دقيقة نسبيًا. فقد اعتمدوا على مراقبة السماء بصورة منتظمة، وتحديد مواقع الشمس والقمر، وملاحظة التغيرات التي تطرأ على قرص الشمس أو شكل القمر.

ومع تكرار عمليات الرصد على مدى أجيال، بدأ الفلكيون في اكتشاف أن بعض الظواهر السماوية لا تحدث بصورة عشوائية، وإنما ترتبط بدورات زمنية يمكن تتبعها.

وكان البابليون من أبرز الحضارات التي طورت هذا النوع من الرصد، إذ حفظت الألواح المسمارية سجلات لظواهر فلكية عديدة، من بينها الكسوف والخسوف، وأسهم تراكم هذه الملاحظات في اكتشاف أنماط دورية لحركة الأجرام.

الألواح البابلية.. سجل طويل للكسوف والخسوف

استخدم علماء الفلك في بلاد الرافدين الألواح الطينية لتسجيل ملاحظاتهم عن السماء. ولم تكن هذه السجلات مجرد وصف لما حدث، بل أصبحت مع مرور الوقت قاعدة بيانات ضخمة تسمح بمقارنة الظواهر التي حدثت في سنوات مختلفة.

ومن خلال تكرار الملاحظات، تمكن البابليون من تطوير أساليب حسابية للتنبؤ ببعض ظواهر الكسوف والخسوف، وهو ما يمثل مرحلة مهمة في انتقال دراسة السماء من الملاحظة إلى التنبؤ الفلكي.

دورة ساروس.. ملاحظة التكرار

من أشهر الدورات المرتبطة بالكسوف والخسوف دورة ساروس، التي تبلغ نحو 18 عامًا و11 يومًا و8 ساعات تقريبًا. وبعد هذه الفترة تتكرر هندسة مشابهة بين الشمس والقمر والأرض، ما يجعل الكسوف أو الخسوف يعود في ظروف متقاربة، وإن كان مرئيًا من مناطق مختلفة من سطح الأرض.

وهنا يجب تصحيح معلومة شائعة: لا يصح القول إن المصريين القدماء اكتشفوا دورة ساروس. ارتبطت معرفة هذه الدورة تاريخيًا بصورة أساسية بالتقاليد الفلكية البابلية، بينما استفادت حضارات أخرى من ملاحظة دورات الكسوف والخسوف وتطور علم الفلك لديها بطرق مختلفة.

المصريون القدماء.. السماء في قلب العقيدة

احتلت الشمس والقمر والنجوم مكانة مركزية في الفكر الديني المصري القديم، ولذلك كان للظواهر السماوية حضور واضح في النصوص والأساطير والعمارة المصرية.

وعلى الرغم من وجود إشارات إلى الظلام أثناء النهار في بعض النصوص المصرية، فإن الباحثين يتحفظون في اعتبار كل وصف للظلام تسجيلًا مباشرًا لكسوف شمسي؛ فقد يكون الوصف رمزيًا أو دينيًا أو مرتبطًا بظواهر أخرى.

وتشير الدراسات إلى أن أقدم السجلات المصرية التي يمكن تحديدها بوضوح على أنها أوصاف للكسوف الشمسي تعود إلى العصر اليوناني الروماني، وهو ما يجعل الربط بين بعض النصوص المصرية الأقدم والكسوف محل نقاش بين الباحثين.

المايا.. جداول فلكية أكثر تعقيدًا

لم يقتصر الاهتمام بالكسوف والخسوف على حضارات الشرق الأدنى ومصر، فقد طور علماء الفلك لدى شعب المايا تقاويم وجداول فلكية معقدة، وسجلوا دورات القمر وحركة الأجرام السماوية.

وتعد بعض مخطوطاتهم، وعلى رأسها مخطوطة دريسدن، من أهم المصادر التي تكشف مدى تقدم الحسابات الفلكية لدى المايا، إذ تضمنت جداول مرتبطة بالدورات القمرية والكسوفات.

من الخوف إلى الحساب

لم يكن الكسوف والخسوف بالنسبة إلى الإنسان القديم مجرد ظاهرة فلكية. ففي مجتمعات كثيرة، ارتبط اختفاء الضوء المفاجئ بأساطير ومعتقدات دينية، واعتُبر أحيانًا نذيرًا أو رسالة من الآلهة.

لكن الجانب اللافت هو أن التفسير الأسطوري لم يمنع الملاحظة العلمية. فقد استطاعت الحضارات القديمة أن تجمع بين الاعتقاد الديني والرصد المنتظم للسماء، ومع مرور الوقت تحولت الملاحظات المتكررة إلى جداول ودورات وحسابات.

وهكذا، كان الطريق إلى علم الفلك الحديث طويلًا؛ بدأ بإنسان ينظر إلى السماء بالعين المجردة، ثم يسجل ما يراه، ويقارن بين ما حدث اليوم وما حدث قبل سنوات، حتى اكتشف أن الظواهر التي تبدو مفاجئة تخضع، في جانب كبير منها، إلى قوانين ودورات يمكن رصدها وحسابها والتنبؤ بها.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة