في مرجٍ نائي بمنطقة "ألجاو" البافارية، وعلى ارتفاع 1100 متر فوق سطح البحر، يقف شجر الطقسوس (التَّوْس) شامخاً منذ أكثر من 11 قرناً، ليُكتشف حديثاً كأقدم شجرة في ألمانيا، وفق تقديرات الجمعية الألمانية لعلم الأشجار (دندرولوجيا). يبلغ محيط جذع هذه المعجزة النباتية 5.1 متر، ويعود عمرها إلى حوالي 1100 عام، ما يجعلها تتجاوز الزيزفون في بلدة "أوبشتيد" بساكسونيا السفلى، الذي كان يُعتبر سابقاً الأقدم بعمر ألف عام.
أقدم شجرة معروفة فى أوروبا
ويفوق هذا الطقسوس في العمر أيضاً بلوط "إرل" الشهير في منطقة مونسترلاند، الذي يبلغ عمره 900 عام ومحيط جذعه 12 متراً، وكان يشهد تحت ظلاله محاكم "الفيمي" السرية في العصور الوسطى، حيث كانت تصدر أحكام الإعدام الفورية، مما يجعله أقدم شجرة قضائية معروفة في أوروبا، وفقا لصحيفة 20 مينوتوس الإسبانية.
لكن المفاجأة الحقيقية تكمن في موقع الشجرة الاستثنائي؛ فهي تنمو على منحدر شمالي غربي، قرب الحد الأعلى لتوزع الطقسوس في جبال الألب (الذي يبلغ 1300 متر)، حيث تتعرض لشمس ضئيلة خلال فصل الشتاء ودرجات حرارة أقسى بكثير من المنحدرات الجنوبية. ويصف الخبراء بقاءها كل هذه القرون بأنه "معجزة"، مرجحين أنها استفادت من الاحترار المناخي الحديث، رغم أنها لم تزرع بفعل بشري، بل يُعتقد أن طائراً حمل بذرتها إلى هذا الموقع النائي.
ويقول أندرياس رولوف، أستاذ بيولوجيا الأشجار في جامعة دريسدن التقنية، إن جذع الشجرة يعد "نصباً تذكارياً رائعاً" مليئاً بالشقوق، والنتوءات، والتجاويف، مكوناً من أجزاء متعددة ومتباينة، تعكس قروناً من التحديات المناخية والبيئية.
ويتصل هذا الطقسوس بجذور تاريخية أعمق، فمنذ حوالي 5000 عام، في العصر الحجري الحديث، كان خشب الطقسوس ذا قيمة خاصة لسكان جبال الألب في جنوب تيرول، إذ كان "أوتزي" - رجل الجليد الشهير الذي عُثر عليه في شق جليدي على ارتفاع 3000 متر - يحمل قوس صيد مصنوعاً من خشب الطقسوس. والطقسوس الأوروبي نفسه يُعد أقدم أنواع الأشجار المحلية في القارة، حيث يعود وجوده إلى حوالي 150 مليون سنة.
ورغم أن هذا الطقسوس يُعد الأقدم في ألمانيا، إلا أنه لا يقارن بأقدم أشجار العالم؛ ففي كاليفورنيا توجد صنوبرة "وايت ماونتنز" التي يتجاوز عمرها 5000 عام، وفي السويد تعيش شجرة "أولد تيكو" بنظام جذري يعود إلى 9550 عاماً، بينما تبلغ مستعمرة "باندو" المستنسخة في أمريكا حوالي 80 ألف عام. لكن في ألمانيا، يظل هذا الطقسوس المعزول في مرج ألغاو شاهداً حياً على أكثر من ألف عام من التاريخ الألماني والأوروبي.