شارك صالون نفرتيتي الثقافي في البرنامج الثقافي للدورة الحادية والعشرين من معرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب، من خلال فعالية بعنوان "تغيرات المكان وتحولات البشر والهوية، الإسكندرية نموذجًا"، والتي أقيمت بمركز المؤتمرات التابع لمكتبة الإسكندرية، وسط حضور كبير من أبناء المدينة والمهتمين بتاريخها وتحولاتها العمرانية والثقافية.
قراءة تاريخية وثقافية لمسيرة مدينة الإسكندرية
استضاف الصالون الدكتورة فتحية جابر، رئيس قسم الآثار اليونانية والرومانية بكلية الآداب جامعة الإسكندرية، التي قدمت قراءة تاريخية وثقافية لمسيرة المدينة، باعتبارها واحدة من أهم المدن التي تشكلت هويتها عبر تعاقب الحضارات والثقافات، لتصبح نموذجا فريدا للتفاعل الإنساني في منطقة حوض البحر المتوسط.
تناول النقاش مفهوم المدينة بوصفها كائنا حيا تتشكل هويته عبر الزمن، وكشف عما شهدته الإسكندرية خلال العقود الأخيرة من تغيرات عمرانية وثقافية، ومدى انعكاسها على شخصية المدينة وسكانها، وعلى مفهوم الهوية والانتماء.
الإسكندر الأكبر لم يمهله القدر ليرى تخطيط مدينة الاسكندرية
وهو ما كشفت عنه الدكتورة فتحية جابر التي أكدت أن الإسكندر الأكبر الذي أمر ببناء مدينة الإسكندرية، لم يمهله القدر ليرى تخطيطها أو اكتمال بنائها، مشيرة إلى أن فكرته لم تكن مجرد إنشاء مدينة جديدة، وإنما تأسيس نموذج إنساني يحتضن التنوع والاختلاف.
وأوضحت أن الإسكندر، بعد اطلاعه على كتابات "هيرودوت" وما حملته من تأملات حول الصراعات بين الشعوب. سعى إلى إنشاء مدينة تستطيع استيعاب اختلاف الأجناس والثقافات، وتحويل التنوع إلى مصدر قوة وتعايش.
وأضافت أن الإسكندرية كمدينة لم تبدأ مع الإسكندر، بل قامت بالقرب من مدينة مصرية قديمة هي "راكودة" القائمة قبل تأسيس المدينة الهلنستية. الأمر الذي يؤكد أن الإسكندرية ما هي إلا امتداد لتاريخ مصري عريق. وأن هويتها تشكلت من تفاعل الموروث المصري مع الثقافات الوافدة عبر العصور.
الهوية السكندرية تمتلك خصوصية شديدة التأثير
كما أشارت إلى أن الهوية السكندرية تمتلك خصوصية شديدة التأثير في نفوس أبنائها، حتى أن الانتماء إليها بات يتجاوز حدود الإقامة القانونية. فهناك من يسكن المدينة، وهناك من ينتمي إليها وجدانا وثقافة. مؤكدة أن هويتها تكونت على قيم التسامح، وقبول الآخر، والانفتاح على العالم. وهي القيم التي جعلت من الإسكندرية مدينة كوزموبوليتانية بامتياز.
كما تتطرق النقاش إلى الموقع الجغرافي المتميز للإسكندرية على البحر المتوسط، ووقوعها على خط طول واحد مع رودس واليونان. علاوة على علاقاتها التجارية والثقافية مع مدن البحر المتوسط مما جعل بينهم حلقة وصل حضارية والتي كان لها دورا محوريا في تشكيل شخصيتها.
وللأسف، تعرضت المدينة للإهمال بعد انتهاء العصر البيزنطي ودخول الرومان. وأصبحت مصر ولاية تابعة للدولة الرومانية، ومن بعدها تعرض لحملات هدم موسعة لكل معابدها وقصورها الملكية خلال العصر القبطي على اعتبار انها آثار وثنية . كما تعرضت لنزوح عدد من سكانها بعد انتقلت عاصمة مصر إلى الفسطاط خلال العصر الإسلامي.
الإسكندرية تدخل مرحلة جديدة من الازدهار بعد عصور من الإهمال
وتطرق الحديث إلى تأثيرات نهضة مصر الحديثة التي قادها محمد علي باشا على المدينة، حيث انعكس مشروعه التحديثي بوضوح على عمارة الإسكندرية وتخطيطها العمراني. ووقتها عاشت الإسكندرية مرحلة جديدة من الازدهار بعد عصور من الإهمال.
كما استعرضت ملامح الإسكندرية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، حين أصبحت مدينة كوزموبوليتانية تعايشت فيها جنسيات وثقافات متعددة في نسيج إنساني واحد، شكل أحد أبرز ملامح شخصيتها التاريخية.
تناول النقاش التحولات التي شهدتها المدينة خلال العقود الأخيرة. خاصة في ظل موجات الهجرة الريفية إلى الإسكندرية. والتي كان لها تأثير واضح على بنيتها العمرانية والاجتماعية والثقافية، وأسهمت في إعادة تشكيل شخصيتها، دون أن تنجح في طمس هويتها الأصيلة، التي ما زالت حاضرة في وجدان أبنائها ومصدرا للفخر والانتماء.
واختتمت الندوة بالتأكيد أن تجربة الإسكندرية لم تنته بعد، فهي مدينة لا تزال تؤكد على هويتها مع كل مرحلة تاريخية. وستظل جزءا أصيلا من الدولة المصرية، وواحدة من أكثر المدن قدرة على استيعاب التنوع وصناعة التعايش. بما يجعلها نموذجا جديرا بالدراسة لفهم العلاقة بين المكان والإنسان، وبين التاريخ والهوية.
ويأتي هذا اللقاء ضمن رسالة صالون نفرتيتي الثقافي، الذي تأسس في مايو 2023 بمبادرة تطوعية مستقلة ويضم الإعلامية وفاء عبد الحميد، والكاتبات الصحفيات مشيرة موسى، وكاميليا عتريس، وأماني عبد الحميد. بهدف تعزيز الوعي بالحضارة المصرية وتراثها الإنساني، وفتح مساحات للحوار حول القضايا الثقافية والفكرية.