في مشهد يتكرر عامًا بعد عام، يعاني نهر الراين الألماني من انخفاض حاد في منسوب المياه جراء الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، مما يجعل الملاحة فيه شبه مستحيلة لسفن الشحن المحملة بالبضائع، لكن الأزمة لم تعد محصورة في ألمانيا، بل امتدت لتشمل معظم الأنهار الرئيسية في القارة العجوز، محذرة من أن تغير المناخ لم يعد تهديدًا مستقبليًا، بل واقعًا يعطل الاقتصاد ويُجبر الحكومات على إعادة التفكير في بنيتها التحتية.
نهر الراين السيناريو المتكرر
يعتبر نهر الراين الممر المائي الأكثر ازدحامًا في أوروبا، حيث ينقل سنويًا أكثر من 200 مليون طن من البضائع، من الحبوب والفحم إلى المواد الكيماوية وزيت التدفئة، لكن في السنوات الأخيرة، تحول هذا الشريان الحيوى إلى نقطة ضعف استراتيجية لأكبر اقتصاد في أوروبا.
في صيف عام 2018، توقف الملاحة لمدة 132 يومًا، وكبد الاقتصاد الألماني خسائر بمليارات اليورو. وفي عام 2022، تكرر السيناريو بعد موجة جفاف قياسية، حيث انخفض مستوى المياه عند مقياس كاوب - وهو أنحف نقطة في النهر - إلى أقل من 30 سم.
عند هذا المستوى، تصبح السفن عاجزة عن الإبحار، وتضطر الشركات إلى تخفيف الحمولة بنسبة تصل إلى 75%. المشكلة أن تكلفة النقل ترتفع بشكل جنوني، ففي ذروة الأزمة، قفزت أسعار شحن الوقود من فرانكفورت إلى بازل بنسبة 500%، مما اضطر مصافي التكرير إلى تخفيض الإنتاج، وكادت بعض محطات الطاقة التي تعمل بالفحم أن تتوقف.
توقف هيئة الملاحة فى ألمانيا
ما يحدث اليوم في أبريل و مايو 2026 ليس مختلفًا كثيرًا، حيث أعلنت هيئة الملاحة الألمانية أن السفن تعمل بنسبة 50% فقط فى منطقة كاوب، وبين 60% و70% في المناطق الشمالية. وقد فرض المشغلون رسومًا إضافية على الفاتورة، مما يعنى أن المستهلك الألماني سيدفع ثمن تدفئة منزله ووقود سيارته أكثر من أي وقت مضى.
نهر الدانوب أزمة تمتد لـ 10 دول
إذا كان الراين يعاني، فإن نهر الدانوب يعاني أكثر. هذا النهر الذي ينبع من ألمانيا ويمر عبر 10 دول (بما في ذلك النمسا والمجر وصربيا وبلغاريا ورومانيا) كان في صيف 2022 عند أدنى مستوى له منذ قرن تقريبًا.
وصفته صحيفة "دير شبيجل" الألمانية بأنه "نهر من الذكريات لا مياه". في المجر، توقفت السفن السياحية الكبرى، وتم نقل آلاف السياح بالحافلات، بينما في صربيا وبلغاريا، اضطرت سفن الشحن إلى العمل بحمولة لا تتجاوز 30% من طاقتها. الخطر الأكبر كان على إمدادات الحبوب الأوكرانية التي كانت تمر عبر موانئ الدانوب الرومانية، مما هدد الأمن الغذائي في أوروبا الشرقية.
نهر بو قلب إيطاليا الصناعي يجف
في جنوب أوروبا، كان مشهد نهر بو مروعًا، هذا النهر الذي يروي وادي بو الخصب، حيث ينتج 40% من غذاء إيطاليا، شهد أسوأ جفاف له منذ 70 عامًا. انحسرت المياه إلى درجة أن سفينة حربية تعود للحرب العالمية الثانية ظهرت من قاع النهر، وجزرًا رملية تشكلت في وسطه للمرة الأولى في التاريخ.
اضطرت 7 مناطق إيطالية إلى إعلان حالة الطوارئ المائية، وفقد المزارعون ما يصل إلى 40% من محاصيل القمح والذرة، بينما توقفت محطات الطاقة الكهرومائية التي تعتمد على تدفق النهر. الخسائر الاقتصادية تجاوزت 6 مليارات يورو في عام 2022 وحده.
الجفاف يعم القارة: من فرنسا إلى بريطانيا
لم تقتصر الأزمة على ألمانيا وإيطاليا ووسط أوروبا، في فرنسا، جفت أجزاء كبيرة من نهر لوار - الذي يطلق عليه "النهر الأخير البري" - بالكامل تقريبًا، مما أدى إلى نفوق ملايين الأسماك ومنع الملاحة حتى للقوارب الصغيرة.
في بريطانيا، تحرك منبع نهر التايمز لمسافة 8 كيلومترات باتجاه المصب للمرة الأولى في التاريخ المسجل، بينما في إسبانيا، انخفض منسوب نهر إبرو إلى مستويات قياسية، مما هدد الزراعة في منطقة أراجون.
كيف تواجه أوروبا الأزمة؟
المشكلة أن أوروبا بناها الاقتصادي يعتمد على الأنهار بشكل غير مسبوق. حوالي 80% من البضائع المنقولة داخليًا في ألمانيا تعتمد على الشحن النهري. عندما يتوقف الراين، تتوقف مصانع فولكس فاجن وباسف وتيسين كروب عن العمل، أو تضطر إلى تخفيض الإنتاج. وقد قدرت دراسة ألمانية أن انخفاض منسوب الراين ليوم واحد فقط يمكن أن يكلف الاقتصاد الألماني ما يصل إلى 50 مليون يورو.
وبدأت ألمانيا بالفعل في خطة طوارئ تشمل تعميق مجرى النهر في بعض المناطق، وبناء خزانات إضافية، وتطوير نظام إنذار مبكر.
لكن هذه الحلول تحتاج إلى سنوات وإلى مليارات اليورو، بينما الجفاف يأتي كل صيف بشكل أسرع وأعنف.
تحذير لم يكن منذ 500 عام
يقول العلماء إن أوروبا تشهد أسوأ موجة جفاف منذ 500 عام. ما كان يحدث مرة كل قرن أصبح يحدث كل 3 أو 4 سنوات. أنهار الراين والدانوب وبو ولوار وإبرو والتايمز لم تعد مجرد أنهار، بل أصبحت مقاييس دقيقة لحجم الكارثة المناخية. وإذا لم تتخذ الحكومات إجراءات جذرية، فسيكون المستقبل قاتمًا: صيف بلا ملاحة، وشتاء بلا تدفئة، ومحاصيل بلا ماء.