لم تكن التنظيمات الجهادية التي ظهرت في مصر عبر العقود الماضية كيانات منفصلة تمامًا عن جماعة الإخوان الإرهابية، بل خرج كثير منها من رحم التنظيم أو تحرك عبر دوائر صنعتها الجماعة فكريًا وتنظيميًا، في وقت حاولت فيه القيادات الإخوانية تقديم نفسها للرأي العام باعتبارها بعيدة عن العنف والتكفير، إلا أن شهادات قيادات سابقة، ووثائق وكتب تناولت تاريخ الجماعات المسلحة، كشفت عن مسارات معقدة تربط بين الإخوان وعدد من أخطر التنظيمات التي تبنت العنف والعمل المسلح في مصر.
وفي هذا السياق، قال ماهر فرغلي، الخبير في شؤون الجماعات المتطرفة، إن جماعة الإخوان الإرهابية تمثل الجذر الفكري والتنظيمي لمعظم التنظيمات الجهادية التي ظهرت في مصر خلال العقود الماضية، موضحًا أن الجماعة اعتمدت منذ وقت مبكر على استراتيجية إنشاء تنظيمات تحمل أسماء مختلفة لإخفاء صلتها المباشرة بها، بينما ظلت الأفكار والكوادر والمرجعيات تتحرك داخل نفس الدائرة التنظيمية.
الإخوان وازدواجية الخطاب بين العلن والتنظيمات السرية
وأضاف فرغلي أن ظهور جماعات مثل "التكفير والهجرة" و"الفنية العسكرية" لم يكن منفصلًا عن البيئة الفكرية التي صنعتها جماعة الإخوان الإرهابية، لافتًا إلى أن الجماعة حاولت في العلن تقديم نفسها باعتبارها بعيدة عن العنف عبر إصدار كتاب "دعاة لا قضاة"، بينما كانت الوقائع والشهادات تكشف وجود خيوط اتصال غير معلنة مع التنظيمات المسلحة.
وأوضح أن طلال الأنصاري، أحد المتهمين في قضية الفنية العسكرية، أكد خلال التحقيقات أن التنظيم جرى تحت إشراف المرشد الأسبق حسن الهضيبي، كما أشار أحمد الرجال في كتاب "هاتف الخلافة" إلى أن عناصر التنظيم كانوا يتلقون تدريبات بدنية ويمرون على منزل القيادي الإخواني جمعة أمين، بينما لعبت زينب الغزالي دور الوسيط بين الإخوان والتنظيم، وكانت تردد مقولة منسوبة لحسن البنا مفادها أن "الثعبان لا يُقتل إلا من رأسه"، في إشارة مباشرة لاستهداف رئيس الدولة.
نبيل البرعي.. حلقة الوصل بين الإخوان وتنظيم الجهاد
وأشار فرغلي إلى أن بدايات تنظيمات الجهاد في السبعينيات خرجت أيضًا من عباءة الإخوان، موضحًا أن نبيل البرعي، أحد مؤسسي تنظيم الجهاد المصري، كان عضوًا داخل الجماعة، وهو الذي قام بتجنيد أيمن الظواهري وسيد إمام الشريف وغيرهما من العناصر التي تحولت لاحقًا إلى قيادات بارزة في العمل المسلح.
وأكد أن البرعي كون شبكة تنظيمية داخل القاهرة، خاصة في مناطق المعادي وعابدين، بالتعاون مع إسماعيل طنطاوي وعلوي مصطفى، داخل دوائر مرتبطة بجمعية أنصار السنة، قبل أن تتطور تلك الخلايا إلى تنظيمات جهادية أكثر عنفًا.
ولفت إلى أن الجهادي السابق عبد المنعم منيب ذكر في كتابه "التنظيم والتنظير" أن البرعي ظل عنصرًا نشطًا داخل التنظيم حتى القبض عليه عقب اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات، حيث عثر داخل منزله على صناديق تحتوي قذائف "آر بي جي" مضادة للدبابات.
أيمن الظواهري وإعادة بناء تنظيم الجهاد
وتابع فرغلي أن إسماعيل طنطاوي، أحد مؤسسي تنظيم الجهاد المصري، كان أيضًا عضوًا في جماعة الإخوان خلال دراسته بكلية الهندسة جامعة الأزهر، قبل أن يشارك مع نبيل البرعي وعلوي مصطفى ورفاعي سرور ويحيى هاشم في تأسيس التنظيم عقب خلافات فقهية وتنظيمية مع صالح سرية.
وأوضح أن أيمن الظواهري، الذي أصبح لاحقًا زعيم تنظيم القاعدة، كان بدوره منتميًا للإخوان في بداياته، قبل أن يعيد ترتيب تنظيم الجهاد بالتعاون مع عصام القمري وسيد إمام وأمين الدميري، وصولًا إلى مرحلة التعاون مع تنظيم محمد عبد السلام قبيل اغتيال السادات عام 1981.
وأشار إلى أن إسماعيل طنطاوي هرب لاحقًا إلى هولندا، بينما انشق علوي مصطفى، في حين ظهر يحيى هاشم كقائد جديد للتنظيم، مستغلًا موقعه كمعاون للنيابة العامة بالإسكندرية.
مصطفى يسري ومرحلة إعادة تشكيل التنظيمات المسلحة
وأضاف فرغلي أن مصطفى يسري انشق عن إسماعيل طنطاوي وأسس مجموعة جهادية جديدة في الجيزة، وبعد القبض على تنظيم الفنية العسكرية تولى قيادة تنظيم الجهاد بما فيهم أيمن الظواهري، حتى أصدر قرارًا بحل التنظيم عام 1980، قبل أن يتجه للعمل في المجال الطبي ويغادر مصر لاحقًا.
وشدد فرغلي على أن تتبع المسارات التنظيمية والقيادات التاريخية يكشف بوضوح أن جماعة الإخوان الإرهابية لم تكن بعيدة عن إنتاج التيارات العنيفة، بل شكلت الحاضنة الفكرية والتنظيمية التي خرجت منها أغلب الجماعات الجهادية في مصر، سواء عبر الانشقاقات المباشرة أو عبر إعادة تدوير العناصر داخل كيانات تحمل أسماء مختلفة.