قال أحمد حميدة، الباحث في شؤون التنظيمات المتطرفة وأحد كوادر جماعة الإخوان المنشقين عنها، إن الإخواني إذا وُضع أمام خيار بين الدولة والجماعة، فسيختار التنظيم دون تردد، لأن التربية الإخوانية تقوم منذ البداية على ربط الولاء للجماعة بالولاء للدين نفسه.
وأوضح حميدة، في تصريحات لـ"اليوم السابع"، أن الإخواني يتربى داخل التنظيم على أن الجماعة هي الممثل الحقيقي للإسلام، ومن ثم يصبح الانتماء للتنظيم أعلى من الانتماء الوطني، مضيفًا: "لا يمكن للإخواني أن يضحي بالتنظيم من أجل الدولة، لأن الدولة الوطنية في أدبيات الجماعة تُصوَّر باعتبارها كيانًا طارئًا أو صناعة غربية".
وأشار إلى أن بعض الكيانات المرتبطة بفكر الإخوان، مثل حركة ميدان، تصف الدولة الوطنية بأنها “نظام احتلال واستعمار”، وهو ما يعكس حجم التناقض بين عقيدة التنظيم ومفهوم الدولة الحديثة القائم على المواطنة والانتماء الوطني.
حسن البنا.. من التصوف إلى العمل تأسيس التنظيم
وأكد الباحث أن جذور الأزمة الفكرية داخل جماعة الإخوان تعود إلى مؤسسها حسن البنا، الذي تأثر في بداياته بالتصوف والطريقة الحصافية الشاذلية، وهو ما انعكس على طبيعة الجماعة عند تأسيسها عام 1928، حيث بدأت كحركة دعوية وخيرية بعيدة عن السياسة.
وأوضح أن اللائحة الأولى للجماعة عام 1930 نصت صراحة على أنها "لا تتعرض للشأن السياسي"، كما أكد البنا في أكثر من مناسبة رفضه الزج بالجماعة في الصراعات الحزبية خلال السنوات الأولى.
لكن حميدة أشار إلى أن عام 1938 مثّل نقطة التحول الأخطر في تاريخ الجماعة، بعدما أعلن البنا الانتقال من العمل الدعوي إلى المجال السياسي، مهددًا خصومه بما وصفه بـ"خصومة لا سلم فيها ولا هوادة".
تعدد الأدوار صنع ارتباكًا فكريًا
ولفت الباحث إلى أن حسن البنا تسبب في حالة ارتباك داخل الجماعة بسبب تعدد تعريفاته لها، إذ وصفها في رسالة المؤتمر الخامس بأنها دعوة سلفية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية وثقافية، بينما عاد في مواضع أخرى ليؤكد أنها ليست حزبًا سياسيًا ولا جمعية خيرية.
وأوضح أن هذا التناقض خلق أزمة هوية داخل التنظيم، خاصة مع اعتماد الجماعة على السمع والطاعة والبيعة المطلقة للقيادة، بما يتناقض مع طبيعة العمل السياسي القائم على المرونة والتعددية وتبادل المصالح.
سيد قطب عمّق الصدام مع الدولة والمجتمع
وأكد حميدة أن أفكار سيد قطب ساهمت لاحقًا في تعميق الأزمة الفكرية داخل الجماعة، بعدما أعاد صياغة مفاهيم مثل “الحاكمية” و”الجاهلية” و”دار الحرب”، وهي الأفكار التي مهدت لظهور الجماعات الجهادية الأكثر تطرفًا.
وأشار إلى أن الجماعة حاولت لاحقًا التكيف سياسيًا عبر تأسيس حزب “الحرية والعدالة” عقب أحداث 2011، لكنها لم تخضع لمراجعات فكرية حقيقية تتعلق بموقفها من الدولة الوطنية أو مفهوم المواطنة، وهو ما أدى إلى استمرار الانقسامات والانشقاقات داخل التنظيم حتى الآن.