كانت الساعة العاشرة من صباح يوم الثلاثاء 16 مايو 1950، حين بدأ أعضاء مجلس البلاط الملكى المجتمعين بقصر عابدين فى نظر المذكرة المرفوعة من الملك فاروق ضد أمه الملكة نازلى وأختيه فتحية وفائقة، حسبما تذكر مجلة «آخر ساعة» فى عددها رقم 812، الصادرة يوم 17 مايو 1950، واتهم فاروق فى المذكرة والدته، قائلا: «أنها اتمت زواج الأميرة فائقة فى أمريكا قبل الحصول على موافقته، وزوجت الأميرة فتحية التى لم تبلغ سن الرشد برياض غالى المسيحى الديانة».
كانت نازلى غائبة عن مصر منذ أن غادرتها إلى أوروبا بغرض العلاج ومنها إلى أمريكا، واصطحبت معها فايزة وفتحية، وفى فرنسا قدم رياض غالى الموظف بالسفارة المصرية نفسه إلى نازلى ليكون فى خدمتها، واقترب منها وأثار إعجابها فاصطحبته معها إلى أمريكا، وخلال ذلك نمت علاقته مع الأميرة فتحية، والتى توجت بزواجهما بمباركة وتأييد من نازلى ولم تبالِ بغضب ابنها فاروق وتهديده باتخاذ إجراءات عنيفة ضدهم، ومنها ما حدث فى «مجلس البلاط» يوم 16 مايو 1950 وما أعقبه من إجراءات، حسبما يكشف الكاتب الصحفى صلاح عيسى فى كتابه «البرنسيسة والأفندى».
يذكر صلاح عيسى، أن حسن يوسف باشا رئيس الديوان الملكى بالنيابة قرأ مذكرة الملك أمام مجلس البلاط، وطالب فيها «اتخاذ المجلس لإجراءاته نحو زواج فتحية من رياض غالى أفندى، ونحو والدته وفتحية وأموالهما»، وقال فاروق فى المذكرة: «من يوم سفر والدتنا وشقيقاتنا من مصر، بلغ مقدار ما صرف إليهم من النقود مبلغ 483 ألفا و381 جنيها، صرف من ذلك المبلغ 178 ألفا و667 جنيها لحساب والدتنا عن طريق نظارة خاصتنا، ومبلغ 130 ألف لحسابها أيضا عن طريق وكيلها «إلهامى حسين باشا»، و174 ألفا و741 لحساب شقيقتينا مناصفة بينهما، وعلمنا أنه من المبالغ التى صرفت إليهن أودع مبلغ 37 ألفا و750 جنيها فى البنك الأهلى بمصر لحساب رياض أفندى غالى، وبذلك أصبحت أموالهن عرضة للضياع».
استمرت مناقشات مجلس البلاط لمذكرة فاروق ثلاث ساعات بعد أن انتهى حسن يوسف من قراءتها، ثم صاغ المجلس قراراته وحملها «يوسف» إلى الملك الذى أبدى ملاحظات طفيفة، ويذكر عيسى أنه أثناء إعادة صياغة القرارات للأخذ بملاحظات الملك اقترح بعض الأعضاء عدم نشرها، لكن فضيلة الشيخ محمد إبراهيم سالم رئيس المحكمة الشرعية العليا اعترض، قائلا: «ان الشعب كله ينتظر أن تذاع عليه جميع التفاصيل والقرارات بعد أن عرف كل شىء عن الموضوع»، وبالفعل أذاع مكتب المستشار الصحفى فى المساء النص الرسمى لقرارات مجلس البلاط، ونشرتها الصحف الصادرة فى 17 مايو، مثل هذا اليوم، 1950، ومن بينها صحيفة «المصرى» التى خصصت صفحتها الأولى لاجتماع مجلس البلاط وقضية الزواج، ونشرت تكذيبا لشائعة مقتل رياض غالى، وحديثا أجرته مراسلتها فى سان فرانسيسكو مع الأميرة فتحية تدافع فيه عن قرارها بالزواج.
وقال مجلس البلاط فى قراراته: «من حيث زواج المسلمة من غير مسلم باطل بطلانا أصليا ولا يترتب عليه أى أثر من آثار الزوجية طبقا لأحكام الشريعة الإسلامية، ومن حيث أنه إذا أسلم خص فعلا وتزوج بمسلمة عريقة فى الإسلام، فإن هذا العقد إذا حصل بغير رضاء الوالى أو العاصب لا يصح، لذلك قرر المجلس التفريق فورا بين حضرة صاحب السمو الملكى الأميرة فتحية وبين رياض غالى أفندى بالحيلولة بينهما، ووضعها تحت يد حضر صاحب الجلالة الملك للمحافظة عليها إلى أن يفصل فى الدعوى، وعلى السلطات المختصة اتخاذ الإجراءات الكفيلة بتنفيذ ذلك.»
وكان القرار الثانى: «قرر المجلس منع حضرة صاحبة الجلالة الملكة نازلى من التصرف فى أموالها، وتعيين حضرة صاحب السعادة نجيب سالم «باشا» ناظر خاصة جلالة الملك مديرا مؤقتا على جميع أموالها إلى أن يفصل فى طلب الحجر»، وكان القرار الثالث: «قرر المجلس وقف حضرة صاحبة الجلالة الملكة نازلى عن أعمال الوصاية على حضرة صاحبة السمو الملكى الأميرة فتحية، وتعيين سعادة نجيب سالم باشا ناظر خاصة جلالة الملك وصيا مؤقتا لإدارة أموالها إلى أن يفصل فى طلب عزل جلالة الملكة نازلى عن الوصاية».
وفى الليلة نفسها أذاع المستشار الصحفى للديوان الملكى قرار الملك بتجريد الأميرة فتحية من لقبها، وكان نصه: «تحرم شقيقتنا «فتحية» من لقب الإمارة وما يتبع ذلك من حقوق ومزايا، ويشطب اسم شقيقتنا فتحية كشف أسماء الأميرات المدرج بملحق الوقائع المصرية بالعدد رقم 61 الصادر فى 3 يوليو سنة 1922 والإضافات التى أضيفت إليه»، ويعلق صلاح عيسى على هذا القرار قائلا: «كانت قرارات مجلس البلاط هى آخر وثيقة رسمية يذكر فيها اسم البرنسيسة فتحية، مسبوقا بلقب «صاحبة السمو الملكى»، ويضيف: «منذ ذلك الحين أصبحت الصحف تتحدث عن صاحبة السمو الملكى الأميرة «فتحية» بوصفها «فتحية هانم فؤاد».