منذ نشأة الإخوان على يد حسن البنا عام 1928، لم يكن مشروعها قائما فقط على فكرة التنظيم السياسي أو الدعوي، بل تأسس أيضا على بناء تصور خاص للمجتمع وتقسيمه وفق معايير الانتماء والقرب من الجماعة، هذا التصور ظهر مبكرا في رسائل البنا وخطاباته، حين رسم حدودا نفسية وفكرية بين الإخوان وغيرهم، باعتبار الجماعة النموذج الأكثر اكتمالا في الفهم الديني والالتزام الحركي.
في واحدة من رسائله الشهيرة، يطرح حسن البنا تصورا واضحا للفارق بين أعضاء الجماعة وباقي المجتمع، حين يقول إن الفرق بين الإخوان وغيرهم أن "قومهم من باقي أعضاء المجتمع عندهم إيمان مخدر نائم في النفوس، في حين أن إيمان الإخوان ملتهب مشتعل قوي"، وهي صياغة تكشف مبكرا عن رؤية هرمية للمجتمع، يتم فيها منح أعضاء التنظيم منزلة إيمانية وحركية أعلى من غيرهم، بما يعزز الإحساس بالتمايز والاصطفاء داخل البناء التنظيمي.

حسن البنا
هذا التصور لم يكن مجرد تعبير وعظي، بل تحول مع الوقت إلى جزء من فلسفة الجماعة في التعامل مع المجتمع والدولة، فالإخوان، وفق أدبياتهم المبكرة، لم يروا أنفسهم مجرد فصيل سياسي بين فصائل متعددة، بل مشروعا شاملا يحتكر "الفهم الصحيح" للدين والمجتمع والسياسة، وهو ما أسهم في خلق ثنائية حادة مفادها أن من ينتمي إلى الجماعة هو جزء من مشروع الإصلاح، ومن يعارضها أو يقف خارجها يصبح جزءا من معسكر مضاد، حتى لو كان من داخل المجتمع نفسه.
ومع صعود سيد قطب داخل الجماعة في الخمسينيات والستينيات، انتقلت هذه الثنائية إلى مستوى أكثر حدة، خاصة عبر كتاباته التي قدمت تقسيما أكثر صرامة بين "المجتمع المؤمن" و"المجتمع الجاهلي"، وهو المفهوم الذي شكل لاحقا مرجعية فكرية لعدد من التنظيمات المتشددة، ففي كتاباته، لم يعد الخلاف سياسيا أو تنظيميا فقط، بل تحول إلى صراع وجودي بين مشروعين متناقضين، أحدهما يمثل "الحاكمية" والآخر يمثل "الجاهلية"، بما عمق فكرة العزلة الشعورية والتمييز بين الجماعة والمجتمع.

سيد قطب
هذا الإرث الفكري لم يتوقف عند مرحلة التأسيس أو التنظير، بل استمر عبر أجيال الجماعة المختلفة، حيث ظلت لغة الاصطفاف حاضرة في خطاب كثير من القيادات، سواء في مراحل العمل السياسي أو في لحظات الصدام مع الدولة، وبرز ذلك بوضوح في مرحلة ما بعد 2013، خاصة خلال اعتصام رابعة العدوية، حين تصاعدت خطابات التحشيد والتعبئة داخل المنصة الرئيسية، وظهرت لغة تقوم على تقسيم المجال العام بين "مؤيد للشرعية" و"خائن" أو "متآمر"، وهو خطاب يمثل امتدادا طبيعيا للبنية الفكرية القديمة للجماعة.
خطاب صفوت حجازي: "إما أن يعود مرسي أو الدم"
اشتهر صفوت حجازي بخطابات تعبئة جماهيرية حادة خلال الاعتصام، تضمنت لغة صدامية وتصعيدية، وربطت بين "استعادة الشرعية" واستمرار المواجهة، وهو ما يمثل تحريضا مباشرا على التصعيد.

صفوت حجازى
خطاب محمد بديع عن "الثبات حتى النصر"
خلال الاعتصام، دعا مرشد الإخوان حينها محمد بديع المعتصمين إلى الاستمرار وعدم التراجع، مستخدما لغة تعبئة دينية وسياسية مكثفة، مع تصوير الصراع باعتباره معركة مصيرية، كما شهدت المنصة تكرار مفردات ذات حمولة دينية قتالية من بعض الخطباء، مثل الدعوة إلى "الصمود حتى الشهادة"، وربط المواجهة السياسية بمفاهيم دينية تعبوية، وهو ما ساهم في رفع مستوى الاستقطاب.
في تلك المرحلة، لم تكن المنصة مجرد مساحة احتجاج سياسي، بل تحولت إلى منصة تعبئة نفسية وفكرية، استخدمت خطابا يقوم على الاستقطاب الحاد، وتعزيز الشعور بالمظلومية، وربط المعركة السياسية بمفاهيم دينية تعبويه، وهو ما ساهم في تعميق الانقسام المجتمعي بصورة غير مسبوقة، وأحد أخطر ملامح خطاب الإخوان عبر تاريخهم هو النزعة المستمرة إلى اختزال المجتمع في معادلة "معنا أو ضدنا"، وهي معادلة تجعل الخلاف السياسي يتحول إلى خلاف وجودي وأخلاقي، وتؤدي إلى تقويض فكرة التعددية والاختلاف الطبيعي داخل المجتمعات.

محمد بديع
ويؤكد الخبير في شؤون الحركات الإسلامية طارق أبو السعد أن جماعة الإخوان منذ نشأتها على يد مؤسسها حسن البنا، تبنت رؤية تقوم على فكرة التمايز عن باقي المجتمع، موضحا أن هذا التصور شكل أساسا فكريا ثابتا لدى الجماعة عبر مختلف مراحلها التاريخية.
ويوضح في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن الإخوان منذ عهد حسن البنا يؤمنون بأنهم مختلفون عن سائر المجتمع، بل يصل الأمر إلى درجة الاستعلاء على الآخرين، حيث يرون أن المجتمع في مجمله فاقد للأهلية ويحتاج إلى إعادة تربية وتأهيل، على أن تقوم الجماعة وحدها بهذه المهمة.
ويشير إلى أن فكرة تقسيم المجتمع داخل أدبيات الإخوان لا تقف عند حدود التصنيف السياسي أو التنظيمي، بل تمتد إلى تقسيم إيماني وفكري، لافتا إلى أنهم يتحدثون عن إيمان نشط ومتحرك وفعال هو إيمان الإخوان، في مقابل إيمان خامل أو نائم لدى بقية المجتمع، وهو ما يعكس رؤية تمييزية واضحة بين الجماعة والمجتمع المحيط بها.
ويقول أبو السعد، إن هذا التصور لا ينفصل عن الخطاب الذي رسخته الجماعة في أدبياتها الأولى، حيث كانت تقدم نفسها باعتبارها الجماعة الربانية أو حملة دعوة الإسلام في القرن العشرين، معتبرة أنها تمثل الفهم الصحيح للدين، وأنها الأجدر بقيادة المجتمع وإعادة تشكيل وعيه.
ويؤكد أن هذا الفكر ارتبط أيضا بفكرة امتلاك الحق الحصري في الفهم والتفسير، حيث ترى الجماعة أنها صاحبة الأيادي المتوضئة وحاملة راية الإسلام كما نزل بها في تصورها الخاص، بما يعزز حالة من الانغلاق الفكري والتمييز بين الداخل والخارج، لافتا إلى أن استمرار هذا النهج عبر أجيال متعاقبة من الجماعة، من حسن البنا إلى المراحل اللاحقة، يعكس وجود امتداد فكري ومنهجي يقوم على فكرة التفوق التنظيمي والفكري، وليس مجرد اختلاف سياسي أو دعوي.
ويوضح أن هذا التصور يجعل من الصعب تحقيق حالة اندماج طبيعي داخل المجتمع، لأن الجماعة تنظر إلى المجتمع باعتباره أقل منها في الفهم والتربية، بينما ترى نفسها في موقع أعلى من حيث الإدراك الديني والتنظيمي”، وهو ما فجوة دائمة بين الفكر الإخواني وباقي مكونات المجتمع.
من حسن البنا إلى سيد قطب، ومن رسائل التأسيس إلى خطابات المنصات الجماهيرية، يتضح أن فكرة الاصطفاء والتمييز بين "الداخل" و"الخارج" لم تكن حالة عابرة في تاريخ الجماعة، بل جزءا بنيويا من خطابها الفكري والتنظيمي، وهي الفكرة التي ساهمت، عبر عقود، في إنتاج حالة دائمة من الاستقطاب، وجعلت العلاقة بين الجماعة والمجتمع محكومة بمنطق الانقسام أكثر من منطق الشراكة الوطنية.