داخل قاعة محكمة الأسرة بالزقازيق، تجلس "منة"، 30 عامًا، ممسكة بهاتفها المحمول، تنظر إلى صورة رجل ستيني، وتردد في ألم: "هو أنا إزاي هونت عليك يا بابا علشان تنكرني؟".
تعيش "منة" مأساة حقيقية، فتاة بلا هوية، لا تحمل شهادة ميلاد أو بطاقة رقم قومي، بعدما جاءت إلى الدنيا من زواج عرفي، لتجد نفسها خارج كل السجلات الرسمية، وكأنها لم تولد من الأساس.
بداية معاناة "منة"
بدأت القصة بعد وفاة والدتها منذ 8 سنوات، لتدخل الفتاة في دوامة المحاكم، مطالبة بإثبات نسبها، إلا أن القضية ما زالت معلقة منذ عام 2019، بسبب تهرب الأب من إجراء تحليل "DNA"، في ظل عدم وجود نص قانوني يُجبره على ذلك.
"أنا ضحية زواج عرفي.. أبويا اتجوز أمي وهي صغيرة، ولما عرف إنها حامل طلب منها تجهضني، لكنها رفضت وربتني لوحدها".. بهذه الكلمات بدأت "منة"، في سرد تفاصيل قصتها المأساوية.
وتضيف: "لما كان عندي 15 سنة، أبويا قابلني وقال لي أنا أبوكي، ووعدني يعمل تحليل وأنه هيعترف بيا، لكنه اختفى بعدها، ولما حاولت اتواصل معاه ، هددني وقال لي: هقتلك لو تواصلتي معايا".

ومنذ عام 2018، تخوض "منة" معركة لإثبات نسبها دون نتيجة، مؤكدة: "أنا مخترتش اللي حصل لي.. كل اللي عايزاه حد يقف جنبي ويثبت حقي، بخاف أخرج من البلد.. أي حد ممكن يسألني عن بطاقتي، وأنا معنديش حاجة تثبت أنا مين، انا عايشة مع جدتي الكبيرة في السن.. ولو حصلي حاجة ممكن أترمي في الشارع ومحدش يعرفني".
حلم "منة"
وتختتم "منة" حديثها برسالة مؤثرة: "أنا مش عايزة غير حقي.. عايزة شهادة ميلاد وبطاقة باسمي.. عايزة أعيش زي باقي البنات.. أتعلم وأشتغل وأتجوز.. أنا اتحرمت من كل ده".
وأكدت أن خبير الخطوط أثبت أن عقد الزواج العرفي لوالدتها مكتوب بخط يد والدها، كما حكمت المحكمة بصحة العقد، إلا أن إثبات النسب ما زال معلقًا بسبب عدم إجراء تحليل "DNA".
من جانبه، قال محمد عبد السميع، محامي "منة"، إن القضية مستمرة منذ 7 سنوات، ومتوقفة على التحليل، مشيرًا إلى أن المحكمة لا تملك سلطة إجبار المدعى عليه على إجرائه.
وأضاف: "موكلتي لا وجود قانوني لها.. لا تعليم ولا علاج ولا حقوق.. كأنها غير موجودة".
وأشار إلى أن القضية أُحيلت أكثر من مرة إلى الطب الشرعي، لكن الأب لم يحضر، مطالبًا بتدخل تشريعي عاجل يمنح المحكمة سلطة إلزام المدعى عليه بإجراء التحليل.

محمد عبد السميع المحامي
وفي السياق ذاته، قال محمد أيمن، أحد أعضاء فريق الدفاع، إن "منة" تعيش ظروفًا إنسانية صعبة، خاصة مع مرض جدتها، مطالبًا بضرورة التكاتف لعودة حقها بعد سنوات من المعاناة داخل المحاكم.

محمد أيمن المحامى
وتبقى "منة" بين جدران المحاكم، تبحث عن ورقة تثبت أنها على قيد الحياة.. وأن لها اسمًا وحقًا لا يجب إنكاره.