منسق الأمم المتحدة بمصر: حياة كريمة وتكافل وكرامة نماذج يُحتذى بها إقليميا ودوليا

الأربعاء، 01 أبريل 2026 11:34 ص
منسق الأمم المتحدة بمصر: حياة كريمة وتكافل وكرامة نماذج يُحتذى بها إقليميا ودوليا مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء

0:00 / 0:00
كتبت هند مختار

فى إطار سعى مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، نحو رفع الوعى المجتمعى ونشر المعرفة فى مختلف الموضوعات ذات الصلة بقضايا التنمية، يقوم المركز دوريًا باستكتاب نخبة من المسؤولين والخبراء والمتخصصين فى مختلف المجالات والقضايا ذات الأهمية للشأن المصرى سواء على المستوى المحلى أو الإقليمى أو الدولى ونشر هذه المقالات والكلمات داخل إصداراته الدورية، وفى هذا الصدد قام المركز بنشر مقال رأى للسيدة إيلينا بانوفا المنسقة المقيمة للأمم المتحدة فى مصر وذلك بعنوان "تعددية الأطراف فى عالم متغير"، داخل العدد السادس من إصدارة المركز الدورية "آفاق مستقبلية".

وأوضح المقال أنه مع مطلع عام 2026، وفى ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، واستمرار النزاعات الإقليمية طويلة الأمد، وتعاف اقتصادى عالمى غير متكافئ، تتعرض الثقة فى تعددية الأطراف لاختبار حقيقى ولا تزال البلدان النامية تتحمل العبء الأكبر لهذه التحديات، فى مواجهة صدمات مناخية متكررة، واتساع فجوات عدم المساواة، واستمرار فجوات التمويل، مما يهدد وتيرة التقدم نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

وفى وسط هذا السياق العالمى المعقد، لا يمكن استعادة الثقة فى العمل متعدد الأطراف عبر الكلمات والخطابات وحدها، بل من خلال قيادة وطنية رشيدة قادرة على تحويل الالتزامات العالمية إلى نتائج ملموسة تحدث فرقا حقيقيا فى حياة الناس، وقد برزت مصر كنموذج عملى يوضح كيف يمكن لتعددية الأطراف أن تحقق نتائج ملموسة عندما تستند إلى أولويات وطنية واضحة، وتنفذ من خلال شراكات قوية وفاعلة.

فمن خلال تعاون مصر المستمر مع منظومة الأمم المتحدة أثبتت أن القيادة الوطنية القوية المدعومة بالتعاون الدولى، قادرة على دفع مسارات التنمية الاقتصادية والاجتماعية قدما، مع إحراز تقدم متكامل وعملى فى مجال العمل المناخى، ويستند هذا النهج إلى مبدأ جوهرى مفاده أن تعددية الأطراف تستعيد مشروعيتها عندما تقاد الاتفاقات العالمية على المستوى الوطنى وتترجم إلى إنجازات على المستوى المحلى، وانطلاقا من هذا المفهوم، قاد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش ثلاث محطات عالمية رئيسة خلال عام 2025 بهدف تسريع تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، شملت المؤتمر الدولى الرابع لتمويل التنمية، والقمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية والدورة الثلاثين لمؤتمر الدول الأطراف فى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ.

وتكتسب هذه المحطات الثلاث أهمية خاصة بالنسبة لمصر التى اضطلعت بدور فاعل فيها من واقع كونها داعمًا قويًا لتعددية الأطراف والتضامن الدولى مع مساندة لا تتزعزع من جانب منظومة الأمم المتحدة فى مصر.

وشكل المؤتمر الدولى الرابع لتمويل التنمية الذى عقد تحت رعاية الأمم المتحدة فى إشبيلية بإسبانيا خلال شهرى يونيو ويوليو 2025، منصة عالمية محورية لإعادة النظر فى سبل تمويل التنمية المستدامة فى ظل ارتفاع مستويات الدين، وتراجع الحيز المالى، وتزايد أوجه عدم المساواة، وقد جمع المؤتمر الحكومات والمؤسسات المالية الدولية، والقطاع الخاص والمجتمع المدنى، لتجديد الالتزام بتعبئة التمويلين العام والخاص، وإصلاح الهيكل المالى العالمى، وتسريع التقدم نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وأسهم المؤتمر فى استعادة الزخم وبناء الثقة فى الحلول متعددة الأطراف فى وقت تفوق فيه الاحتياجات التنموية الموارد المتاحة.

وخلال مرحلة الإعداد للمؤتمر وأثناء انعقاده، اضطلعت مصر بدور بناء فى إبراز أولويات البلدان متوسطة الدخل والبلدان النامية فى النقاشات العالمية حول تمويل التنمية، وأكدت الحاجة الملحة إلى إصلاح النظام المالى الدولى بما يتيح تمويلًا ميسوراً وعلى نطاق واسع، ويعالج مواطن الهشاشة المرتبطة بالديون، ويُحسن مواسعة التدفقات المالية العالمية مع الأولويات الوطنية للتنمية وأهداف التنمية المستدامة، ومن خلال الاستراتيجية الوطنية المتكاملة للتمويل التى جرى إعدادها بالشراكة مع الأمم المتحدة، ومنصة الربط بين المياه والغذاء والطاقة، استعرضت مصر أدوات سياساتية عملية قادرة على تعبئة التمويل من أجل التنمية المستدامة.

لم يتوقف الدور المصرى عند هذا الحد، إذ قادت مصر جهود إنشاء نادى المقترضين ومنصة تبادل المعلومات المشتركة، بهدف تعزيز الشفافية والتنسيق فى مجال تمويل التنمية، وأعلنت التزامها باستضافة الاجتماعات الافتتاحية لهاتين المبادرتين.

وخلال مؤتمر إشبيلية، أعلنت معالى الدكتورة رانيا المشاط وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولى السابقة، أن مصر أبرمت اتفاقيات لمبادلة الديون تتجاوز قيمتها 900 مليون دولار مع المانيا وإيطاليا والصين، وتتيح هذه الاتفاقيات تحويل مدفوعات خدمة الدين إلى استثمارات محلية فى مشروعات تنموية، بما يسهم فى تخفيف الأعباء المالية ودعم تحقيق أهداف التنمية المستدامة، كما دعت الدكتورة رانيا المشاط إلى إنشاء منصة عالمية للدعم الفنى فى مجال مبادلات الديون المبتكرة وإلى تفعيل آلية تلقائية لتعليق الديون أثناء الأزمات.

وتضطلع وكالات الأمم المتحدة فى مصر بدور محورى كشريك موثوق للحكومة فى تنفيذ برامج مبادلة الديون، فمنذ منتصف تسعينيات القرن الماضى أوكلت الحكومة والدول الدائنة إلى ست وكالات أممية تنفيذ مشروعات تنموية ممولة من خلال مبادلات الديون، بقيمة إجمالية تقارب 150 مليون دولار، أسفرت عن فوائد اقتصادية واجتماعية وبيئية ملموسة فى مجالات متعددة من بينها التغذية المدرسية وحماية الطفل، وصحة الأم، والاقتصاد الدائرى، وتنمية المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، وتوليد الدخل، والتدريب الفنى والمهنى، وحماية التراث الثقافى والحفاظ على الطبيعة، والسياحة البيئية.

كما دافعت مصر عن التوسع فى استخدام التمويل الممزوج داعيًة بنوك التنمية متعددة الأطراف إلى تعزيز استخدام حقوق السحب الخاصة، وأدوات التمويل المبتكرة لدعم أهداف المناخ والتنمية، وقد توافق هذا الجهد المصرى مع الالتزامات الأوسع المنصة إشبيلية للعمل، والتى شملت مبادرات من بينها SCALED وهى آلية تمويل مختلط أبرزتها الأمم المتحدة بهدف جذب استثمارات القطاع الخاص.

لقد رسخت مصر -من منطلق خبرتها فى تمويل التنمية- موقعها كجسر بين أقاليم العالم، داعية إلى حلول عملية قائمة على التنفيذ، تعزز التعاون متعدد الأطراف وتعيد بناء الثقة فى النظام متعدد الأطراف.

أما على صعيد التنمية الاجتماعية، وفرت القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية التى عقدت فى الدوحة فى نوفمبر 2025، فرصة لإعادة تقييم التقدم العالمى فى مجالات القضاء على الفقر، والعمل اللائق، والإدماج الاجتماعى، وأسفرت القمة عن إعلان الدوحة السياسى الذى أكد مجددا التزام الدول الأعضاء بأجندة التنمية الاجتماعية باعتبارها ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة ومنع التراجع عن مكاسب أهداف التنمية المستدامة.

وأوضحت السيدة إيلينا بانوفا أنها قد شَرُفت بالمشاركة فى القمة إلى جانب حكومة جمهورية مصر العربية، حيث أتيحت لها الفرصة للاطلاع عن كثب على الدور البارز الذى اضطلعت به مصر، والتى استضافت عددًا من الفعاليات الجانبية المهمة، من بينها فعالية خُصصت الموضوع "بناء الصمود الاجتماعى من أجل التنمية الاجتماعية نحو ضمان حياة كريمة للجميع" ونظمتها وزارة التضامن الاجتماعى، وأخرى ركزت على "إعادة التفكير فى التنمية الاجتماعية: الحلول الاقتصادية وتمكين المجتمع"، ونظمتها وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي.

وقد مثلت هذه الفعاليات فرصة مهمة لاستعراض البرامج القومية الرائدة لمصر، وعلى رأسها "حياة كريمة" و"تكافل وكرامة"، والتى أصبحت نماذج يُحتذى بها على المستويين الإقليمى والدولى، بوصفها برامج واسعة النطاق، متكاملة ومستدامة للحد من الفقر وتعزيز الحماية الاجتماعية وأسفرت عن نتائج ملموسة وتحولات حقيقية على أرض الواقع، ويفخر فريق الأمم المتحدة القطرى فى مصر بشراكته مع الحكومة المصرية فى لتنفيذ هذه البرامج المهمة.

وعلاوة على ذلك، شكلت القمة فرصة لمصر العرض الجهود الجارية نحو إعداد إطار وطنى استراتيجى موحد للحماية الاجتماعية، بما يضمن أن تظل الشمولية والعدالة والإدماج فى صميم رؤية مصر للتنمية المستدامة. وذلك بدعم من الأمم المتحدة والبنك الدولي.

وتبرز التجربة المصرية كيف يمكن ترجمة الالتزامات المتعلقة بالتنمية الاجتماعية إلى سياسات وبرامج قابلة للتنفيذ على نطاق واسع، فمن خلال مواءمة نظم الحماية الاجتماعية مع سياسات التعليم والصحة والتشغيل، استطاعت مصر تعزيز نموذج أكثر تكاملًا للمرونة الاجتماعية، وقد أكد إعلان الدوحة السياسى مبادئ الحماية الاجتماعية الشاملة، والتحول الرقمى، والمساواة بين الجنسين، والسياسات المستجيبة لتغير المناخ، وهذه المبادئ فى السياق المصرى ليست مجرد طموحات نظرية بل هى مجالات عملية تشهد بالفعل تنفيذ برامج وشراكات تحقق نتائج ملموسة وبالنسبة للعديد من البلدان متوسطة الدخل والنامية، تمثل المقاربة المصرية مرجعًا عمليًا لكيفية مواءمة الخيارات والسياسات الوطنية مع الالتزامات الاجتماعية العالمية.

أما العمل المناخى، فيمثل الركيزة الثالثة لهذا النهج المتكامل ففى مؤتمر الأطراف الثلاثين الذى عقد فى بيليم بالبرازيل فى نوفمبر 2025، اضطلعت مصر بدور استراتيجى فى صياغة عدد من الالتزامات الرئيسة للدول الأعضاء من بينها مضاعفة تمويل التكيف ثلاث مرات بحلول عام 2035 (من 40 مليار دولار إلى 120 مليار دولار سنويًا)، وذلك فى إطار حزمة "العمل العالمي"، إلى جانب تعزيز الطاقة النظيفة، والتمويل العادل، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات.
كما قادت مصر الجهود الرامية إلى تفعيل الهدف العالمى للتكيف طوال المفاوضات، إلى جانب تعزيز آلية الانتقال العادل من خلال إدماج احتياجات رأس المال البشرى وحقوق العمل لا سيما للنساء والشباب والعاملين فى القطاع غير الرسمى ضمن السياسات المناخية بما فى ذلك المساهمات المحددة وطنيًا وخطط التكيف الوطنية، وخلال المؤتمر أعلنت مصر عن تعزيز مساهمتها المحددة وطنيًا (NDC 3.0)، إلى جانب تقديم أول التقرير الشفافية كل سنتين ورابع تقاريرها الوطنية.

كما أشادت مجموعة الخبراء المستقلين رفيعى المستوى لمؤتمر المناخ بمنصة "نوفي" المصرية باعتبارها نموذجًا رائدًا يحتذى به عالميًا، واستكمالًا لذلك استعرضت مصر سوقها الطوعى المنظم للكربون الذى تم تدشينه فى أغسطس ٢٠٢٤، بما يعزز مكانتها كمبتكر موثوق فى آليات أرصدة الكربون، ويسهم فى توجيه النقاش العالمى حول الحلول المناخية القائمة على آليات السوق.

وتعد هذه الإنجازات المفصلية شهادة واضحة على دور مصر فى حشد التزامات معززة التمويل المناخ، ودفع أولويات التكيف والانتقال العادل، والوفاء بتعهدات نقل التكنولوجيا وبناء القدرات، فضلاً عن الارتقاء بالأطر المؤسسية الوطنية إلى مستوى النموذج العالمى خلال قمة المناخ.

وقالت السيدة إيلينا بانوفا خلال مقالها إن إعادة بناء الثقة فى التعددية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع، وتُظهر التجربة المصرية بوضوح أنه عندما تجتمع القيادة الوطنية ذات الرؤية الثانية والاستشراف الاستراتيجى جنبًا إلى جنب مع دعم الأمم المتحدة، فإن العمل متعدد الأطراف يتجاوز الأقوال ليتحول إلى أثر حقيقى ومستدام، ومن خلال استثمار الزخم الذى أطلقته القمم العالمية الأخيرة، وتوظيف أدوات تمويل مبتكرة بذكاء، والدمج المتكامل بين الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والمناخية تؤكد مصر أن التعددية قادرة على الانتقال من الطموح النظرى لتصير أداة فاعلة لإحداث تغيير ملموس.

وبالنسبة للدول التى تواجه تداخل أزمات متعددة الأبعاد، فإن تجربة مصر تمثل أكثر من مجرد قصة نجاح؛ إذ ترسم خريطة طريق عملية نحو مستقبل أكثر عدالة وصمودًا وشمولًا - مستقبل، هو بحق لا يهمل أحدًا.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة