يترقّب جمهور الأدب العربي إعلان الفائز بـ الجائزة العالمية للرواية العربية في دورتها لعام 2026، والمقرر الإعلان عنه في أبو ظبي خلال احتفالية تقام بالتزامن مع معرض أبوظبي الدولي للكتاب، في لحظة سنوية تجمع بين الترقب والجدل، حيث تتجدد الأسئلة حول معايير الاختيار وحدود الموضوعية، وما إذا كانت الأذواق الشخصية لأعضاء لجان التحكيم تلعب الدور الأكبر، أم أن هناك قواعد فنية صارمة تحكم العملية.
ويأتي هذا الترقب بعد إعلان القائمة القصيرة للدورة التاسعة عشرة، والتي ضمت ست روايات هي: «أصل الأنواع» للكاتب أحمد عبد اللطيف، و«غيبة مي» للكاتبة نجوى بركات، و«فوق رأسي سحابة» للكاتبة دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للكاتب سعيد خطيبي، و«الرائي» للكاتب ضياء جبيلي، و«منام القيلولة» للكاتب أمين الزاوي، وهو ما يعكس تنوعًا لافتًا في التجارب والأساليب، ويزيد من صعوبة التنبؤ بالفائز.
ذائقة لجنة التحكيم.. العامل الحاسم
ويظل معيار الحسم الأول في يد لجنة التحكيم، لكن هذا الحسم لا يقوم على أذواق شخصية خالصة، بل يرتكز على مجموعة من المعايير الفنية والجمالية التي تفرض نفسها على أي قراءة نقدية جادة، مشيرًا إلى أن الرواية الفائزة عادة ما تمتلك فرادتها الخاصة، سواء على مستوى الفكرة أو البناء أو اللغة، بما يجعلها عملًا متكاملًا يصعب تجاوزه.
الفكرة ومضمون الطرح
وتأتي الفكرة والطرح المضموني في مقدمة هذه المعايير، إذ تحرص لجان التحكيم على البحث عن أعمال تحمل طرافة في الطرح، وجدّة في الرؤية، وقدرة على تجاوز المألوف، مع مراعاة ارتباطها بقضايا الإنسان المعاصر، واستجابتها لأسئلته وهمومه، دون أن تسقط في فخ المباشرة أو الخطاب الوعظي، أو تنزلق إلى التحريض على العنف والكراهية أو انتهاك القيم الإنسانية العامة.
البناء السردي
ولا يقل البناء السردي أهمية عن الفكرة، حيث يتم النظر إلى البنية الروائية من حيث تماسك الحبكة أو قدرتها على التفكك الفني المنضبط، ووضوح العقدة الدرامية ومناطق التوتر والانفراج، أو اعتمادها على بنية مفتوحة تقوم على الاحتمال والمفاجأة. كما يُنظر إلى انسيابية السرد، وإيقاع الحكي، وترابط الجملة السردية، ومدى قدرتها على جذب القارئ دون ترهل أو افتعال، وصولًا إلى نهاية قادرة على إقناع المتلقي أو إدهاشه أو تركه أمام تأويلات متعددة.
التخييل بين التاريخ والواقع الاجتماعي
أما التخييل الروائي، فيُعد أحد أهم عناصر التقييم، إذ يُسأل النص عن مرجعيته: هل يستند إلى واقع تاريخي أو اجتماعي؟ أم ينتمي إلى فضاء رمزي أو أسطوري؟ أم يغامر في عوالم خيال علمي أو استباقي؟ كما يتم تقييم مدى تكامل هذا العالم التخييلي، وقدرته على الإقناع، وثراء الصورة الروائية، وهل هي مباشرة تقريرية أم تعتمد على البلاغة والاستعارة والتشكيل الفني المتعدد، المستلهم أحيانًا من فنون أخرى كالتشكيل أو السينما.
ويمتد التقييم إلى عنصر الزمن الروائي، حيث تُفحص طريقة التعامل مع الزمن داخل النص: هل هو خطي تقليدي أم متشظٍ ومتداخل؟ وهل هناك تباعد بين زمن الحكي وزمن الوقائع؟ وهل السرد أحادي أم متعدد الأزمنة والأصوات؟ كما يُنظر إلى إيقاع الحكي، ومدى قدرته على خلق توتر درامي يحافظ على انتباه القارئ.
اللغة وتعددية الأصوات
في إطار بناء الرؤية، يتم تحليل صوت الراوي وطبيعة السرد، سواء كان قائمًا على راوٍ عليم يهيمن على الأحداث، أو على تعددية الأصوات والرؤى، بما يعكس حداثة النص أو تقليديته. فاختيار زاوية السرد ليس مجرد تقنية، بل عنصر أساسي في تشكيل المعنى وتوجيه القراءة.
أما اللغة، فتظل أحد أبرز معايير التقييم، من حيث سلامتها، وثراء معجمها، وقدرتها على التوازن بين السرد والوصف والحوار، بحيث يؤدي كل عنصر وظيفته داخل النص دون إقحام أو ضعف. كما تُقيّم اللغة من حيث قدرتها على خلق إيقاع خاص، وصورة أدبية قادرة على التأثير والإيحاء.
قوة دور النشر
وفي هذا السياق، تبرز تجارب بعض دور النشر التي نجحت في الوصول إلى القوائم النهائية أو الفوز بالجائزة، مثل دار رشم، التي حققت حضورًا لافتًا خلال السنوات الأخيرة، بدءًا من رواية «حفرة إلى السماء» للكاتب عبد الله آل عياف، مرورًا بفوز رواية «خبز على طاولة الخال ميلاد» للكاتب الليبي محمد النعاس بالجائزة عام 2022، ثم فوز «تغريبة القافر» للكاتب العماني زهران القاسمي في 2023.
وفي النهاية، ورغم تعقيد هذه المعايير وتشعبها، فإنها لا تُطبّق بشكل آلي، بل تظل خاضعة لقراءة نقدية تراعي التكامل بين العناصر المختلفة، وهو ما يفسر استمرار الجدل حول النتائج، خاصة في ظل اختلاف الخلفيات الثقافية والنقدية لأعضاء لجان التحكيم.