صرّح الكاتب محمد عبد الحافظ ناصف رئيس المركز القومي لثقافة الطفل، بأن الحديث عن كيفية تقديم الأطفال لمحتوى يعبر عن الأسرة المصرية يستلزم أولاً التوقف عند مجموعة من الأسئلة الأساسية التي يجب أن يطرحها كل من يعمل في مجال الكتابة للطفل. وأوضح أن هذه الأسئلة تتمثل في: ماذا أكتب؟ ولمن أكتب؟ وكيف أكتب؟ ولماذا أكتب؟ مؤكداً أن هذه الأسئلة الأربعة تمثل حجر الزاوية لكل من يسعى إلى صناعة محتوى موجه للطفل بشكل صحيح وفعّال.
وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي، أكد خلال حفل إفطار الأسرة المصرية أن القوة الناعمة المصرية، المتمثلة في الفن والثقافة، تعد حائط الصد الأول لحماية الهوية المصرية من التيارات الغريبة، وعاملاً أساسياً في بناء وعي الأجيال الجديدة وتشكيل وجدانهم بما يتماشى مع القيم الوطنية والأصالة المصرية، ومن هنا تواصل اليوم السابع المهندس محمد أبوسعدة رئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري لمعرفة دور القوي الناعمة.
وأضاف ناصف في تصريحات خاصة لـ "اليوم السابع" أن السعي إلى تمكين الأطفال من تقديم محتوى يعبر عن الأسرة المصرية بأنفسهم يتطلب توافر قدر كبير من الوعي لدى الطفل، إلى جانب امتلاكه مواهب حقيقية تؤهله للتعبير والإبداع. وأشار إلى أن هذه المواهب قد تتمثل في الكتابة أو التمثيل أو الغناء أو غيرها من أشكال التعبير الفني، موضحاً أن امتلاك الطفل لهذه القدرات يمكنه من تقديم محتوى جيد وهادف يخاطب الأسرة المصرية ويعبر عن واقعها وقيمها.
وفي سياق متصل، أوضح ناصف أن الدور الأساسي في صناعة المحتوى الموجه للأطفال يظل في المقام الأول مسؤولية الكبار، مشيراً إلى أن صناعة محتوى مناسب للصغار تتطلب خبرات وأدوات وأساليب خاصة. وأضاف أن الأمر لا ينبغي أن ينقلب بحيث يصبح الأطفال مسؤولين عن تقديم محتوى للكبار، نظراً لاختلاف أدوات الكتابة وطرق الأداء ومستوى الدعم والتوجيه المطلوب.
ومع ذلك، أشار ناصف إلى أن الواقع المعاصر يكشف عن ظاهرة لافتة تتمثل في قدرة بعض الأطفال على تقديم محتوى مدهش عبر وسائل التواصل الاجتماعي والوسائط التكنولوجية المختلفة. وأكد أن عدداً من هؤلاء الأطفال باتوا يستخدمون تقنيات حديثة، من بينها تقنيات الذكاء الاصطناعي، في إنتاج محتوى متنوع يقدمونه لأقرانهم.
وأوضح رئيس المركز القومي لثقافة الطفل، أن هذا النوع من المحتوى الذي يقدمه الأطفال لبعضهم البعض يُعد من أرقى صور التعلم، وهو ما يُعرف بمفهوم "التعلم من القرين" أو (Peer Learning)، حيث يستطيع الطفل أن ينقل المعرفة أو الفكرة إلى زميله بطريقة بسيطة ومباشرة وفعالة، مستفيداً من التقارب في العمر والخبرة والتجربة الحياتية.
وأكد ناصف أن هذا التوجه يتقاطع مع الجهود التي تبذلها وزارة الثقافة في مصر، وبخاصة من خلال المركز القومي لثقافة الطفل، الذي يعمل على اكتشاف ورعاية المواهب الصغيرة في مختلف مجالات الإبداع. وأوضح أن المركز يطلق مجموعة من المسابقات والجوائز والمنافسات التي تهدف إلى اكتشاف الأطفال الموهوبين وإبراز المحتوى الذي يقدمونه.
وأشار إلى أن رعاية هذا المحتوى تتم عبر عدة آليات، من بينها طباعة سلسلة خاصة بالأطفال الفائزين بـ "جائزة الدولة للمبدع الصغير". وأوضح أن هؤلاء الأطفال، الذين يبلغ عددهم 32 فائزاً، يمثلون نماذج حقيقية للإبداع والتميز، ولذلك يتم نشر أعمالهم الأدبية ضمن هذه السلسلة لإتاحة الفرصة أمام الجمهور للاطلاع على إنتاجهم.
وأضاف أن الأمر لا يقتصر على النشر الأدبي فقط، بل يمتد أيضاً إلى مجالات الفنون التشكيلية، حيث يشارك الأطفال الموهوبون في رسم وتوضيح الأعمال بأنفسهم، مما يعزز من روح الإبداع لديهم ويمنحهم الفرصة للتعبير عن أفكارهم بأساليب متعددة تجمع بين الكلمة والصورة.
وتابع ناصف حديثه بالإشارة إلى مشروع مهم يحمل عنوان "مشروع طفل مصر"، والذي صدر بشأنه قرار عن السيد رئيس مجلس الوزراء رقم 4494. وأوضح أن هذا المشروع يتضمن مجموعة من المقترحات التي تحتاج إلى مراجعة وتفعيل على أرض الواقع، لما لها من دور مهم في دعم ثقافة الطفل وتنمية مواهبه.
وبيّن ناصف أن المشروع يقوم على ثلاثة عناصر أساسية تشكل ما وصفه بـ "مثلث الإبداع". ويتمثل العنصر الأول في إنشاء قناة تلفزيونية متخصصة للأطفال تقدم محتوى هادفاً ومناسباً للفئات العمرية المختلفة. أما العنصر الثاني فيتمثل في تأسيس شركة إنتاج متخصصة في إنتاج دراما وبرامج الأطفال. بينما يتمثل العنصر الثالث في إنشاء دار نشر متخصصة في كتب الأطفال.
وأكد أن تفعيل هذه العناصر الثلاثة من شأنه أن يوفر منظومة متكاملة قادرة على استيعاب الأطفال الموهوبين الذين يتم اكتشافهم من خلال الجوائز والمسابقات المختلفة داخل مصر وخارجها. وأشار في هذا السياق إلى عدد من الجوائز المهمة، من بينها جائزة "مصر في عيون أبنائها في الخارج".
وأوضح ناصف أن المركز القومي لثقافة الطفل يقدم أكثر من 20 جائزة متنوعة، إلى جانب الجوائز التي تقدمها الهيئة العامة لقصور الثقافة والمجلس الأعلى للثقافة وعدد من القطاعات الثقافية الأخرى، مؤكداً أن هذه الجهود مجتمعة تسهم في اكتشاف عدد كبير من الأطفال القادرين على إنتاج محتوى إبداعي متميز.
وفي سياق حديثه عن المنصات التي يمكن أن يُقدم عبرها هذا المحتوى، طرح ناصف تساؤلاً مهماً يتعلق بمدى ملاءمة الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي وحدها لنشر محتوى الأطفال. وأوضح أن هذه المنصات، رغم انتشارها الواسع، تظل في كثير من الأحيان غير منضبطة ولا تخضع لعمليات مراجعة أو تدقيق كافية، الأمر الذي قد يؤدي إلى انتشار معلومات غير دقيقة أو شائعات مغرضة.
وأكد أن الحل لا يكمن في ترك الأطفال يعتمدون على هذه المنصات بشكل كامل، بل يجب العمل على "فلترة" المحتوى ومراجعته لضمان جودته وملاءمته. وأضاف أن تقديم هذا المحتوى يمكن أن يتم عبر المنصات والمواقع الرسمية التابعة للوزارات المختلفة، أو من خلال القناة التلفزيونية المتخصصة المقترحة، أو عبر شركة الإنتاج الخاصة ببرامج الأطفال.
كما أشار إلى أنه في حال تمكن أحد الأطفال من إنتاج محتوى متميز بشكل مستقل ووصل إلى مستوى عالٍ من الجودة، فيمكن حينها تبني هذا المحتوى وتقديمه عبر المنابر الرسمية، بما يضمن وصوله إلى جمهور أوسع في إطار آمن ومنظم.
واختتم الكاتب محمد عبد الحافظ ناصف تصريحاته بالتأكيد على أن فكرة تمكين الأطفال من إنتاج محتوى يعبر عن الأسرة المصرية ليست فكرة سهلة التنفيذ، لكنها في الوقت ذاته ليست مستحيلة. وأوضح أن تحقيق هذا الهدف يتطلب توفير مجموعة من العناصر والآليات المهمة، إلى جانب تفعيل المبادرات والمشروعات القائمة، بما يضمن نجاح هذه الفكرة وتحويلها إلى واقع ملموس على أرض الواقع.