سلّطت أحداث مسلسل «فرصة أخيرة» الضوء على مفهوم الدعاية الانتخابية، وذلك من خلال مشهد يظهر فيه بدر – الذي يجسد شخصيته الفنان طارق لطفي – خلال مؤتمر انتخابي بعد ترشحه للانتخابات البرلمانية، لكن المثير أن فكرة الترويج للمرشحين ليست حديثة كما يعتقد البعض، بل تعود جذورها إلى العصر الروماني قبل نحو ألفي عام.
دليل أثري
اكتشف علماء الآثار دليلاً واضحًا على الدعاية الانتخابية القديمة في مدينة بومبي الإيطالية، حيث عُثر على نقوش سياسية على جدران أحد المباني في شارع "فيا دي نولا"، وهو أحد أطول شوارع المدينة.
وتشير هذه النقوش إلى دعم مرشح لمنصب حكومي يُدعى أولوس روستيوس فيروس، حيث كانت الكتابات على الجدران تدعو السكان إلى انتخابه، ويصف الباحثون هذه النقوش بأنها المعادل القديم للملصقات واللافتات الانتخابية التي تُستخدم اليوم في الحملات السياسية.
تشير بعض التفسيرات التاريخية إلى أن المرشح فيروس ربما استخدم أسلوبًا شائعًا في السياسة الرومانية آنذاك، وهو تقديم الخبز للناخبين مقابل دعمهم في الانتخابات.
وقد عثر علماء الآثار داخل المبنى نفسه على بقايا فرن كبير ومخبز، ما يرجح أن المكان كان يستخدم لإنتاج الخبز وتوزيعه على السكان المحليين ويرى بعض الباحثين أن هذه الممارسة كانت شكلًا مبكرًا من شراء الأصوات، رغم أنها كانت شائعة في ذلك العصر.
كان فيروس يترشح لمنصب إيديل (Aedile)، وهو منصب إداري في المدن الرومانية يتولى مسئوليات مهمة مثل: صيانة المباني العامة، الإشراف على الأسواق، تنظيم الاحتفالات العامة.
وقد عُثر على نقوش أخرى تحمل اسمه في أنحاء بومبي، ما يشير إلى أنه كان شخصية سياسية بارزة وربما نجح بالفعل في الانتخابات.
المثير في هذا الاكتشاف أن النقوش السياسية لم تكن على الواجهات الخارجية للمباني فقط، بل وُجدت أيضًا داخل أحد المنازل، بالقرب من الـ"لاراريوم" (Lararium)، وهو مذبح عائلي مخصص لتكريم الأرواح والآلهة المنزلية في الثقافة الرومانية.
ويرجح الباحثون أن وجود هذه الكتابات داخل المنزل قد يكون مرتبطًا بحفلات عشاء سياسية كان أصحاب المنازل يقيمونها لدعم مرشحيهم والترويج لهم أمام الضيوف.
كما كشفت التحليلات الأثرية أن آخر القرابين التي قُدمت في المذبح كانت التين والتمر المحروقين، وهي طقوس دينية كانت شائعة في المجتمع الروماني.
لكن هذه المدينة المزدهرة اختفت فجأة عام 79 ميلادية عندما ثار بركان جبل فيزوف، مطلقًا تدفقات هائلة من الغاز والرماد البركاني الساخن.
وقد دمرت الكارثة مدينة بومبي ومدنًا مجاورة مثل: هيركولانيوم، ستابياي، توري أنونزياتا، ويُعتقد أن الكارثة تسببت في مقتل نحو 16 ألف شخص.
ورغم المأساة، فإن طبقات الرماد البركاني حفظت المدينة لقرون طويلة، حتى بدأ اكتشافها مجددًا منذ منتصف القرن التاسع عشر، حيث تمكن علماء الآثار من إعادة تشكيل اللحظات الأخيرة للضحايا عبر قوالب الجبس التي ملأت الفراغات التي تركتها أجسادهم بعد تحللها.