في ليالي رمضان المضيئة، يحرص المصريون على استقبال لحظات الغروب عبر أصوات قراء القرآن التي تملأ الأرجاء، تلك الأصوات التي تملك قدرة عجيبة على تهدئة النفوس وإضاءة الروح، حيث يظل قراء "دولة التلاوة" المصرية جزءاً لا يتجزأ من طقوس الشهر الفضيل. إن تلاواتهم المرتلة ترتبط بالوجدان المصري وتغذي قلوب الصائمين، لتصبح لحظات الاستماع إلى القرآن قبل الفطور بمثابة رحلة روحانية نحو الطمأنينة والإيمان.
وفي قرية "صراوة" التابعة لمركز أشمون بمحافظة المنوفية، وُلد الشيخ شعبان عبد العزيز الصياد في العشرين من سبتمبر عام 1940، ليصيغ بجمال صوته فصلاً جديداً في تاريخ القراء المصريين. بدأ الطفل النابغ رحلته مع كتاب الله مبكراً، ولم يكن قد تجاوز السابعة من عمره حين بدأ يحفظ آيات الذكر الحكيم، حتى أتم الحفظ كاملاً في سن صغيرة، ليصبح صوته منذ تلك اللحظة مصدراً للسكينة ومقصداً للملايين من محبي التلاوة الخاشعة.
ولم تكن رحلة الشيخ شعبان مجرد موهبة فطرية، بل كانت مسيرة إيمانية مدعومة بالعلم الشرعي الرصين، حيث التحق بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر ليجمع بين فقه العلم وأصول التلاوة. هذه الخلفية الأكاديمية صقلت أداءه وجعلته صوتاً متفرداً، حتى جاء عام 1975 ليشهد اعتماده قارئاً بالإذاعة المصرية، وهي الخطوة التي جعلت حنجرته تصدح في كل بيت، مسجلاً لحظات إيمانية فارقة في نفوس مستمعيه عبر أثير "القرآن الكريم".
تميز الصياد بتلاوته التي تلامس الأرواح بخشوعها الفائق، وهو ما فتح له أبواب العالمية، حيث سافر إلى العديد من الدول العربية والإسلامية لإحياء ليالي شهر رمضان المبارك، فكان صوته بمثابة أداة للتواصل الروحي وجسراً يربط القلوب بخالقها. وتُوّجت مسيرته المهنية بتعيينه قارئاً لمسجد "الشعراني" العريق بالقاهرة، ليصبح أحد المعالم الصوتية المرتبطة بهذا المسجد التاريخي.
ورغم رحيل الشيخ شعبان في التاسع والعشرين من يناير عام 1998، إلا أن صوته الخاشع لا يزال حياً ينبض بالتقوى، يتردد في القلوب ويُحيي الأرواح عبر الأثير في كل آذان مغرب، مؤكداً أن أهل القرآن لا يغيبون أبداً عن ذاكرة المحبين.
شهر رمضان في مصر ليس مجرد فترة صيام، بل هو رحلة روحانية تتجسد فيها الطقوس المتجددة، ومن أبرزها استماع المصريين لتلاوات قرآن مشايخهم المفضّلين، مع دقات أذان المغرب، تملأ أجواء المنازل والشوارع أصوات القراء الكبار ليصبحوا جزءًا من الروح الرمضانية، هذه الأصوات العذبة التي تلامس القلوب قبل الفطور، أصبحت جزءًا من هوية الشهر الكريم، حيث تمزج بين الهدوء والسكينة، وتعيد للأذهان ذكرى إيمانية طيبة تمس الأعماق، فتجعل كل لحظة من رمضان أكثر تقديسًا.