يظل التبرع بالأعضاء قضية حساسة وشائكة، إذ قد يتحول احتياج المريض لزراعة عضو لحفظ حياته إلى مدخل لاستغلاله عبر شبكات الاتجار أو عمليات النصب. غير أن النقاش حول هذا الملف اتخذ منحى جديدا خلال الفترة الأخيرة، بعدما تقدمت النائبة أميرة صابر، عضو مجلس الشيوخ، بمقترح لإنشاء بنك وطنى للأنسجة يتيح التبرع بالجلد بعد الوفاة؛ وهو ما أثار جدلا لدى البعض، وترقبا لدى آخرين، لا سيما المهتمين بحق الأفراد فى توثيق رغبتهم بالتبرع بعد الوفاة.
ويأتى ذلك فى وقت سبق فيه عدد من المواطنين إلى تحرير وصايا موثقة للتبرع بأعضائهم حال وفاتهم. وقد تواصلت «اليوم السابع» مع بعض من وثقوا هذه الوصايا، مؤكدين أن التبرع بعد الوفاة يسهم فى إنقاذ حياة المرضى عبر إتاحة زراعة الأعضاء من المتوفين إلى المحتاجين، بما يمنحهم فرصة جديدة للحياة بالإضافة إلى من منحوا حياة أفضل بفضل إمكانية التبرع بالأعضاء.
وتشمل عمليات الزرع أعضاء حيوية مثل القلب، والكبد، والكلى، والبنكرياس، والرئتين، لمرضى يعانون من فشل حاد فى وظائفها، ما يمكن كثيرين منهم من استعادة نمط حياة طبيعى.
كما أن زراعة القرنية أو الأنسجة قد تعنى للبعض استعادة البصر، أو القدرة على الحركة، أو التحرر من آلام مزمنة أنهكتهم لسنوات.
مينا: إيماني بوجود فرصة تانية للحياة والتبرع يقضي على المافيا
مينا حسنى صاحب الـ38 عاما، أراد أن يهب جسده بعد الوفاة لمن هم فى حاجة لزراعة الأعضاء، خاصة بعدما وجد أحد اقربائه نفذ توثيق وصيته للتبرع بأعضائه، الأمر الذى لاقى استحسانا فى قلبه قبل عقله.
ويقول مينا فى حديثه لـ«اليوم السابع» إن هذه الفكرة تراوده منذ عام 2017، ومنذ هذا الوقت وحتى عام 2022 كان الشهر العقارى رافضا توثيق هذه الوصية، وأضاف أن الأمر فى هذا العام تغير حيث صدرت وثيقة من وزارة الصحة متوفرة فى كل الإدارات الطبية على مستوى الجمهورية وفرت مجهودا كبيرا كما أكد: «التسجيل ما بيخدش أكتر من 3 دقائق ومحدش يقدر يرفض التوثيق».
ويرى مينا أن التبرع بالأعضاء بعد الوفاة سيقضى على مافيا تجارة الأعضاء، وبالنسبة له الأمر يأخذ بعدا إنسانيا آخر حيث أنه وهب نفسه وجسده لمساعدة الأخرين حتى بعد أن تذهب روحه للسماء.
والدة مينا السيدة الصعيدية الأصيلة هى التى شجعته بل وأثنت عليه أيضا، ما جعله سببا فى جعل زوجته وشريكة حياته تقدم على كتابة وصية هى الأخرى وتوثيقها، وكأنهما اجتمعا على مساعدة أشخاص لا يعرفونهم بل هم فى حاجة إلى فرصة أخرى للحياة.
وأضاف أنه يتمنى الاهتمام من وزارة الصحة وأعضاء البرلمان لفتح الموضوع والنقاش الموسع عنها، ونشر توعية من وزارة الصحة بأهمية التبرع بالأعضاء بعد الوفاة.

مينا حسني
عاطف: رفع المعاناة عن إنسان أولى من الدود
«بعد الموت يبدأ الجسد فى رحلة العودة الى أصله وهو التراب حيث لا يفرق الدود بين الأجساد بسبب دين أو مذهب أو عرق لكن عندما يكتب لبعض الأجساد استمرار الحياة لبعض الوقت ورفع المعاناة عن إنسان فأخى الإنسان أولى من الدود».
هكذا بدأ الدكتور الصيدلى عاطف عتمان حديثه لـ«اليوم السابع» حيث قال إنه فكر فى التبرع بأعضائه حال الوفاة مع صدور كتابه «صلاة الإنسانية ثورة حالم فى واحة الأيام»، حيث دعا من خلاله للتعايش والتسامح الإنسانى ولكن على أرض الواقع وليس مجرد كلمات مرسلة.
وتابع عتمان أنه منذ عام 2019 يحاول توثيق وصيته بالتبرع بأعضائه حتى عن طريق محام، وأردف: « أصعب خطوة التوثيق بعد 3 سنوات حتى يوم التوثيق واجهت صعوبات واستغراب واستهجان ودعوة لمراجعة شيخ حتى داخل الشهر العقارى».
وتابع أنه فى سبتمبر منذ عام 2022 نجحت عملية التوثيق وأضاف: «عادة معنديش مشكلة مع الموت لكن المرض وخاصة المزمن أو الذى يعجز عنه الدواء يؤثر فى بعمق، التبرع بالأعضاء بعد الوفاة بيحقق رسالة إنسانية مهمة أن تكون سببا فى إحياء نفس»، وبالرغم من رفض الأهل خوفا عليه حتى بعد رحيله، لكنه أصر على هدفه النبيل.

عاطف عتمان
منى: توثيق وصية التبرع بعد الوفاة يوفر قاعدة بيانات تنقذ الألاف
أما منى الحسينى صاحبة الـ38 عاما وهى حاصلة على دبلوم إكلينكى جامعة المنصورة ومن قبلها ليسانس آداب علم نفس جامعة القاهرة، استغرقت عامين تقريبا لتفكر فى الأمر خاصة بعدما دخلت إحدى المجموعات على فيسبوك التى تتحدث عن التبرع بالأعضاء بعد الوفاة، الأمر الذى جعلها تشعر بشىء داخلها يدفعها لخوض هذا التحدى فى علم يساعد على الحفاظ على حياة إنسان، ومع زيادة حالات الموت الفجأة شعرت بالخوف وأخذت فى تنفيذ توثيق وصيتها بشكل أسرع.
وتابعت: «خدت الخطوة وعرفت الأماكن المتاحة ولقيت إن بنك الدم فى الإسكندرية متاح عندهم إقرار بوصية وطبعا موجودين فى كل المحافظات، وتوثيق الوصية هيخلى الناس تتشجع وتبدأ تأخذ خطوات ويتعمل قاعدة بيانات تنقذ آلاف المحتاجين».

منى الحسيني
خوض التجربة جعلها تكتشف أن الأمر لم يكن صعبا كما تخيلت، وأن الكثير من الأشخاص كتبوا بالفعل وصيتهم بنقل أعضائهم للمحتاجين بعد الوفاة ووثقوها، وأضافت أن «فتاوى بعض الشيوخ الذين يحرمون نقل الدم أو زراعة قرنية أو إنقاذ حياة مريض أمر مرعب، لكن دار الإفتاء أصدرت بيانا يقول إن التبرع بالأعضاء بعد الوفاة جائز شرعا، ويُعتبر صدقة جارية، ما دام ذلك برضا المتوفى أو ورثته».
وأردفت أنه لا يوجد وعى بأهمية التبرع بالأعضاء بعد الوفاة لدينا وأنه فى الدول الأخرى ممن قاموا بتفعيل إمكانية التبرع بالأعضاء حال الوفاة بوضع إشارة على البطاقة الشخصية بوجود قلب أحمر يدل على أن صاحب البطاقة متبرع فحال وجود حادث أو وفاة له يتم التعامل مع جسده طبيا بطريقة صحيحة.
كما أكدت أن هذا الأمر سينقذ حياة آلاف الشباب الذين يموتون بسبب عدم توافر الأعضاء اللازمة لزراعتها، وأن الأعضاء الطبيعية لا يمكن تعويضها بالأعضاء الصناعية، واختتمت: «أتمنى إن نهايتى تكون فرصة وبداية جديدة لإنسان تانى وتبقى صدقة جارية على روحى ويارب أكون سبب فرحة إنسان وأهله أو سبب فى أبحاث علمية تفيد البشرية».
حازم: التبرع بالأعضاء بعد الوفاة صدقة جارية ولها هدف نبيل
أما حازم النقيب 48 عاما وهو حاصل على ليسانس حقوق قال إن فكرة تبرعه بأعضائه بعد الوفاة جاءت من الصحبة الصالحة، بجانب أنها فكرة إنسانية أثرت فيهم وتأثروا بها، وتابع أنه كتب إقرار التبرع عام 2022، وكان الهدف منه مساعدة المرضى بأمراض مزمنة وغير قادرين على عيش حياة طبيعية.
أما عن الإجراءات فقال حازم النقيب إنه توجه للشهر العقارى فى شبين الكوم ووثق الإقرار الخاص به وفقا لقانون 10 لسنة 2010 والذى يتيح للشخص التبرع بأعضائه حال وفاته، وأضاف: «الموضوع قابل صعوبات كثيرة فى الأول سواء من الجهات المعنية أو حتى الأهل الذين انقسموا لجزئين، جزء تقبل الفكرة وهم الزوجة والأبناء، والآخرون كانوا فى حالة قلق بعد سماع بعض الشيوخ الذين حرموا التبرع بالأعضاء بعد الوفاة».
وأردف حازم النقيب أن هذه الفترة هناك دراية كبيرة بأهمية التبرع بالأعضاء بعد الوفاة، فأعداد الأشخاص الذين يكتبون إقرارا بوصيتهم فى تزايد مستمر، ولكن يحتاج تسليط الضوء عليه بشكل أكبر من الجهات الحكومية والمعنية للحفاظ على هذا العمل النبيل.
واختتم: «أحب أوضح إن التبرع بالأعضاء بعد الوفاة عمل إنسانى بحت لو تمت العناية به، وهنحل كثير قوى من مشاكل بتواجه الناس خاصة المصابين بأمراض الكلى والكبد وغيرها من الأمراض الكثير اللى ممكن تتعالج لو إحنا قدر نا نوثق بقرارات بالتبرع أو نقنع الناس بأنها تتبرع بأعضائها بعد الوفاة وده هيكون بمثابة صدقة جارية.

حازم النقيب
التجربة الصينية
ألم وخمول وكثرة نوم كانت علامات خطرة، لم تختف مع الفيتامينات أو المنشطات، بل ظلت هذه الأعراض موجودة حتى فى ساعات العمل.
لم يكن «أ.أ» يعتقد أنها إنذار لوجود فشل فى الكبد فى عام 2000، إلا عندما طلب منه الطبيب عمل تحليل وظائف كبد، وكانت الصدمة الأولى كما أوضح فى حديثه لـ «اليوم السابع» أنه علم بإصابته بالتهاب الكبد الوبائى ناتج عن الإصابة بفيروس C، المرض لا علاج له سوى «الإنترفيرون»، القاسى والضارب لأماكن أخرى بالجسم وبنسب نجاح محدودة، والأمر الذى جعله يشعر بالإحباط أكثر أن هناك من بين الأهل والأصدقاء والزملاء من حصد هذا المرض اللعين أرواحهم.
وتابع «أ. أ» أن فى سنة 2006 ومع مرور الوقت تضاءلت فرصة العلاج حتى أصبح جسده لا يتحمل الدواء، حيث فشل الكبد فشلا تاما وأصبح يعانى من كثرة حالات النزيف الدموى فلم يعد قادرا على الخروج من البيت تجنبا لنظرات الناس لحالته البائسة، واستسلم للأمر الواقع والكل من حوله يسعى للبحث عن طريق لإنقاذ حياته حتى توصلوا لحتمية إجراء عملية زرع كبد.
وأضاف «أ. أ» أنه فور علمه أن هناك متبرعين من اهله بل ومن بعض الأصدقاء رفض ذلك خوفا على حياتهم حتى أنه هددهم بالهروب من المستشفى لو أصروا على ذلك، وسط كل هذا أحد المقربين منه تمكن بعلاقاته من توفير فرصة علاج بالمستشفى العسكرى بالصين «جوانزو»، وتمت زراعة الكبد من شخص متوفى بالفعل، وحسب المعلومات أنها من شخص محكوم عليه بالإعدام، الأمر الذى يجعل الصين من أكثر الدول المتقدمة فى زراعة الأعضاء.
وأردف أنه بعد العملية بدأت تجربة أدوية المناعة المناسبة للحالة حتى الاستقرار على الدواء المناسب، وهو علاج يستمر عليه المريض طوال حياته لتثبيط المناعة حتى لا يلفظ الجسم هذا الجزء الغريب.
الجراح العالمى الكبير محمد عبدالوهاب قال فى أحد لقاءاته إنه لا توجد ولا حالة وفاة واحدة من متبرع فى مصر منذ أن بدأت عمليات زراعة الكبد، فالأمر يحتاج لإيمان أكثر ولدعم هذا المشروع الذى سينقذ حياة ملايين، فما بالك بزراعة الأعضاء من الأشخاص المتوفين.
لكن بعد كل هذه المعاناة أصبحت حياة مرضى زراعة الأعضاء وبعض مرضى الأورام تحت خطر داهم بسبب اختفاء أدوية المناعة تماما حيث تتداول سرا «كالمخدرات» بأسعار فلكية لعدم توافرها لدى الصيدليات سواء العامة أو الحكومية، «ياريت لو حد يتكلم عن أزمة اختفاء الأدوية خاصة مثل هذه الأدوية التى لولا وجودها سيتعرض حياة المرضى للخطر».
واختتم «أ. أ» أنه يتمنى تسهيل عمليات التبرع فى إطار قانون يمنع التجارة بالأعضاء.
بدوره شارك عمرو نبيل مؤسس شعبة المصورين الصحفيين بقصته مع قرنية متبرع ألمانى وقال «لا أحد يستطيع أن يصف ويستشعر بقيمة التبرع بالأعضاء مثل المريض الذى أنقذه جزء من جثمان متوفى.
وقال نبيل: أنا أعيش بقرنية متبرع ألمانى فى عينى اليمنى منذ عشرين عاما وإلى الآن، بعد جراحة دقيقة، حقيقى كانت أياما وشهورا رائعة وأنا استمتع بالرؤية من خلال متبرع لا أعرفه ولا هو من دينى أو عرقى، كنت أدعو له كثيرا وأتذكره كلما شاهدت شيئا جميلا أو حتى قرأت فى كتاب الله، إلى أن أعتمت القرنية تماما وضاعت الرؤية مرة أخرى».

المصور الصحفي عمرو نبيل
وأضاف «عرفانا بالجميل الإنسانى أوصيت بالتبرع بأعضائى من بعد وفاتي، فماذا يضيرنى أن يستفيد شخص لا أعرفه وأساهم فى تغلبه على بعض من الألم والمعاناة أو العجز بعضو سيأكله الدود بعد أيام؟
واستطرد نبيل: أتشرف أن أحمل بطاقة تبرع بالأعضاء فى المملكة العربية السعودية التى أتردد عليها كثيرا والتى نظمت وقننت موضوع التبرع بشكل راق ومحترم. وتجربتهم تستحق الإشادة فلديهم تطبيق للمقيمين فى المملكة فيه اختيار يسجلنى كمتبرع للأعضاء بضغطة زر على التطبيق تحسبا لو وقع حادث أو أى شىء يسهل التبرع بالأعضاء».
الإفتاء: التبرع بالأعضاء بعد الوفاة جائز شرعا بشروط
أما عن حكم الدين فى التبرع بالأعضاء بعد الوفاة، فقد جاء فى رد من دار الإفتاء على سؤال تلقته عام 2025 أن استقرت الفتوى على جواز نقل الأعضاء من الميت إلى الحى بالمُحددات الشرعية والضوابط المرعية، والتى تقوم على التحقق من موت المنقول منه موتا شرعيا ومفارقته للحياة مفارقة تامة، أى موتا كليا يَسمَح بدفنه، ولا عبرة بالموت الإكلينيكى أو ما يُعرَف بـ موت جذع المخ أو «الدماغ» إلا إذا تحقق موتُه بتوقف قلبه وتنفسه وجميع وظائف مُخه ودماغه توقفا تاما لا يُرجى له رجعة، بحيث يكون عمل بعض أعضائه إنما هو عملٌ آلى بفعل الأجهزة المحركة لها، وبحيث يُتيقن أو يغلب على الظن من وجهة نظر الطب أن روحه قد فارقت جسده مفارقة تامة.
كما يُشترط أن يكون الميت المنقول منه العضو قد أوصى بهذا النقل فى حياته وهو فى كامل قواه العقلية، وبدون إكراه مادى أو معنوى، وأن يكون عالِما بأنه يوصى بعضو معين يُنزَع من جسده بعد مماته، وألا يؤدى النقلُ إلى امتهان لكرامة الآدمى، ومن ثم يكون التبرع بالأعضاء بعد الوفاة جائزا شرعا إذا رُوعِيَت تلك الضوابطُ الشرعيةُ، والمحدداتُ القانونية.
من جانبها أوضحت استشارى الصحة النفسية الدكتورة سلمى أبو اليزيد فى حديثها لـ«اليوم السابع» أن التبرع أو مساعدة الآخرين فى سبيل الخير بادرة إنسانية وفعل من أفعال اللطف، وقد يكون هذا الخير دعما للإغاثة فى حالات الكوارث، أو رفعا للأخلاق، أو تعليما، أو رعاية صحية، وبغض النظر عن الغاية، فإن التبرع رمزٌ للإنسانية والكرم وحب الغير، ويعد التبرع بالمال فى سبيل الخير من أقوى الوسائل للمساهمة فى إحداث تغيير إيجابى نحو مستقبل أفضل للبشرية، فما بالك بالتبرع بالأعضاء فى حالة الوفاة.
كما أوضحت استشارى الصحة النفسية أن توثيق إقرار التبرع بالأعضاء بعد الوفاة هو أمر له دوافع نفسية فشخصية المتبرعين تؤكد أنهم من الشخصيات التى تهب أنفسها لمساعدة الغير مهما كلفهم الأمر، و أيضا هناك دوافع عاطفية واجتماعية تحفز الناس على دعم القضايا النبيلة حبا فى وطنهم وأهلهم.