تستعد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية لاستقبال الصوم الأربعيني المقدس، المعروف بـ«الصوم الكبير»، والذي يُعد أطول وأقدس فترات الصيام في العام القبطي، إذ يبدأ في عام 2026 يوم الإثنين الموافق 16 فبراير، ويستمر لمدة 55 يومًا، حتى الاحتفال بعيد القيامة المجيد يوم الأحد 12 أبريل.
ويمثل الصوم الكبير موسمًا روحيًا مميزًا، يجمع بين الصلوات المكثفة، والجهاد الروحي، وضبط النفس، والرجوع إلى الله، بحسب ما أكده الراحل قداسة البابا شنودة الثالث في كتابه «روحانية الصوم»، الذي وضع فيه أسسًا واضحة لفهم الصوم كحياة متكاملة، لا كامتناع شكلي عن الطعام.
الصوم الكبير.. ليس امتناعًا عن الطعام بل مسيرة اقتراب من الله
أوضح البابا شنودة الثالث أن الصوم الحقيقي لا يُقاس بمدة الانقطاع أو نوعية الطعام، بل بالدافع الروحي والهدف الداخلي، مؤكدًا أن الصوم يجب أن يكون بدافع الحب لله، لا بدافع العادة أو الالتزام الاجتماعي.
وأشار إلى أن الصوم يمنح الإنسان فرصة للابتعاد عن الماديات والانشغال الزائد بالعالم، ليُفسح المجال أمام الروح للنمو، ويُعد وقتًا مناسبًا للتوبة، وتنقية القلب، والمواظبة على الصلاة، والاعتراف، والتناول، مع الاهتمام بالغذاء الروحي من خلال القراءات الكتابية والتأملات.
الصوم الكبير صوم سيدي من الدرجة الأولى
يحتل الصوم الكبير مكانة خاصة في التقويم الكنسي، إذ يُصنف كصوم من الدرجة الأولى، نظرًا لأن السيد المسيح نفسه صامه، وهو ما أكسبه طقسًا خاصًا، وألحانًا مميزة، وقراءات منتقاة من العهدين القديم والجديد.
وتتميز هذه الفترة بزيادة مدة الصوم الانقطاعي، وعدم تناول السمك، إلى جانب كثافة المطانيات (السجود)، وطقوس خاصة في رفع بخور باكر، فضلًا عن وجود قطمارس خاص بالصوم الكبير، ما يخلق جوًا روحيًا متكاملًا داخل الكنيسة.
تقسيم الصوم الكبير.. ثلاثة أصوام في رحلة واحدة
يشمل الصوم الكبير ثلاثة أصوام رئيسية:
- أسبوع الاستعداد: وهو تمهيد روحي للأربعين المقدسة.
- الأربعون المقدسة: التي صامها السيد المسيح صومًا انقطاعيًا.
- أسبوع الآلام: الذي كان في العصر الرسولي صومًا مستقلًا بذاته.
ويمتد الصوم من «أحد الكنوز» حتى «أحد القيامة»، في مسار روحي يُهيئ الأقباط لعبور الفرح من خلال الجهاد.
7 أسابيع.. موضوع روحي واحد هو قبول العائدين إلى الله
قسمت الكنيسة الصوم الأربعيني إلى سبعة أسابيع، يبدأ كل منها يوم الإثنين وينتهي يوم الأحد، وجعلت لكل أسبوع موضوعًا روحيًا مترابطًا، يدور في مجمله حول «قبول الإنسان العائد إلى الله».
وتأتي موضوعات الأسابيع على النحو التالي:
1. أحد الكنوز: دعوة لترك عبودية المال والكنز في السماء.
2. أحد التجربة: الانتصار على شهوات الجسد والعين وتعظم المعيشة.
3. أحد الابن الضال: صورة لقبول الله للخاطئ التائب.
4. أحد السامرية: التسلح بكلمة الله.
5. أحد المخلع: شفاء النفس المشلولة بالخطيئة.
6. أحد التناصير: الاستنارة الروحية.
7. أحد الشعانين: استقبال المسيح ملكًا.
الصوم الانقطاعي وضبط الجسد
أكدت تعاليم الكنيسة أن الصوم الكبير يعتمد على الصوم الانقطاعي، مع اختلاف مدة الانقطاع بحسب العمر، والحالة الصحية، وطبيعة العمل، ويتم ذلك تحت إرشاد الأب الكاهن، خاصة في حالات المرض أو الضعف.
وشدد البابا شنودة على أن الصوم لا يكتمل دون ضبط الحواس، وعلى رأسها اللسان، مستشهدًا بقول مار إسحق: «صوم اللسان خير من صوم الفم»، داعيًا إلى تدريب النفس على الصمت، وتقليل الكلام، والانشغال بالصلاة والتأمل.
لماذا يختلف موعد الصوم الكبير وعيد القيامة؟
يختلف موعد الصوم الكبير من عام لآخر تبعًا لتحديد موعد عيد القيامة المجيد، والذي يخضع لقاعدة حسابية أقرتها قرارات مجمع نيقية المسكوني عام 325، وتنص على الاحتفال بعيد القيامة في الأحد التالي لعيد الفصح اليهودي، وفق الحساب الأبقطي الذي اعتمدته كنيسة الإسكندرية.
زمن مقدس للتجديد الداخلي
يمثل الصوم الكبير في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية زمنًا مقدسًا للتوبة، والصلاة، والصدقة، والتجديد الداخلي، واستعدادًا حقيقيًا للاحتفال بقيامة المسيح، كما أرساها البابا شنودة الثالث، الذي أكد أن الصوم وسيلة لا غاية، وأن غايته الحقيقية هي نمو الروح والاقتراب من الله.