في ظل التحولات العميقة التي يشهدها قطاع الطاقة عالميا وإقليميا، تصدر ملف الكهرباء والطاقة المتجددة أولويات العمل البرلماني، حيث كشفت مناقشات لجنة الطاقة والبيئة بمجلس النواب، برئاسة المهندس طارق الملا، عن توجه خلال دور الانعقاد الأول من الفصل التشريعي الثالث يقوم على التعامل مع الطاقة كقضية أمن قومي، مع تعزيز الربط بين التشريع والتنفيذ لضمان تحويل الخطط إلى سياسات قابلة للتطبيق والمتابعة.
الطاقة النظيفة .. مستقبل مصر
وانطلقت أعمال اللجنة من محور الطاقة النظيفة باعتباره القلب النابض لخطة الدولة المستقبلية في قطاع الكهرباء، ولم يكن اختيار هذا الملف مصادفة، بل جاء في سياق التزام مصر المتزايد بخفض الانبعاثات والانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون.
في هذا الإطار، وضع النائب طارق الملا الإطار العام للنقاش، مشددا علي أن ملف الطاقة النظيفة وتحقيق نسبة 42% طاقة متجددة بحلول 2030 يمثل أولوية قصوى لدى اللجنة، لافتا إلى أنه سيتم الاستماع إلى خطة التنفيذ الشاملة لضمان متابعة دقيقة لكل عناصر التحول الطاقي.
وشدد الملا علي أن العديد منها تقدم في مجال الطاقة المتجددة، وهو ما يجعل التسارع المصري ضرورة وليس خيارا.
وانتقل الملا من الحديث عن الطموحات إلى الواقع العملي حين تناول قضية فاقد الكهرباء، موضحا أن أهمية معالجة الفاقد في الشبكة القومية للكهرباء، وقد أعلن مؤخرا انخفاض الفاقد من 22% إلى 20%، لكنه ما زال يمثل نزيفا ماليا كبيرا للدولة بين فاقد فني وسرقة، وهو ما ينعكس مباشرة على كفاءة الشبكة وأسعار الكهرباء والحاجة إلى الاستيراد.
محطة الضبعة النووية.. من الجدل إلى الركيزة الاستراتيجية
انتقل النقاش بعد ذلك بسلاسة من الطاقة المتجددة إلى الطاقة النووية، حيث قدم المهندس طارق الملا رئيس اللجنة، قراءة مختلفة لمشروع محطة الضبعة النووية، موضحا أن ما كان يُنظر إليه سابقا باعتباره مخاطرة أصبح اليوم خيارا استراتيجيا عالميا.
وشدد طارق الملا، علي أهمية مشروع محطة الضبعة النووية، واصفا إياه بأنه خطوة استراتيجية رائدة لمصر، قائلا : " قرار الدولة بالتعاقد على هذه المحطات، في وقت لم يكن الكثيرون مستوعبين أهميته، يُعد تعبيرا عن حكمة القيادة السياسية ورؤيتها الثاقبة".
وأضاف " الملا" أن العالم كان يتحدث سابقا عن المخاطر النووية، غير أن التطورات الأخيرة، وخاصة بعد الحرب الروسية – الأوكرانية، غيرت النظرة العالمية للطاقة النووية، لتصبح اليوم جزءا مهما وأساسيا من مزيج الطاقة.
وأوضح المهندس طارق الملا، أن محطة الضبعة ستضيف 4.8 جيجاوات للشبكة القومية، ما يمثل نقلة نوعية حقيقية نحو تحقيق نسبة 42% من الطاقة المتجددة بحلول عام 2028، مع تشغيل أول مفاعل.
وبناء على ذلك، شدد على أهمية الزيارة الميدانية المرتقبة للموقع، باعتبارها جزءا من متابعة اللجنة التنفيذية للمشروع وليس مجرد إجراء بروتوكولي.
التنسيق الحكومي – البرلماني حول الاستراتيجية
في سياق متصل، أكد رئيس لجنة الطاقة طارق الملا، أن اللجنة ستعقد اجتماعا موسعا مع وزراء الكهرباء والبترول والبيئة لعرض كل منهم استراتيجيه ورؤيته كل في قطاعه فصلا عن الاستراتيجية المتكاملة للطاقة المستدامة حتى 2030، بما يضمن توافق حقيقيا بين الحكومة والبرلمان حول مسار التحول الطاقي.
وهنا برزت مداخلة النائب خالد عبد المولى، وكيل اللجنة، الذي شدد على ضرورة أن يكون الحضور الحكومي في المناقشات البرلمانية على مستوى وزاري رفيع، وليس عبر رؤساء شركات فقط، حتى يكون الحوار أكثر جدية وتأثيرا
وشدد "عبد المولي" علي ضروره دعوه الوزراء الثلاث محل اختصاص اللجنة، ليحضر كل منهم مع روساء اجهزته لعرض خطتهم التنموية، وما تم تنفذه خلال الربع الأول من العام المالي ومقترح خطة العام المالي القادم، في حوار هدفه الوطن والمواطن، قائلا : " إحنا مش أداه جلد علي رقبه الحكومة، لكننا مراقبين عليها".
كما ربط عبد المولى بين هذا التنسيق وبين نجاح ملف الطاقة النظيفة، معتبرا أن أي خطة طموحة لن تنجح دون شراكة فعلية بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
وأيد المهندس طارق الملا، حديث النائب عبد المولي مؤكدا أنه سيتم الاستماع إلي خطط وزراء الكهرباء، البترول، البيئة، قريبا.
الحياد الكربوني وتأثيره على الاقتصاد المصري
انتقل النقاش من الداخل إلى الخارج مع مداخلة النائبة زينب بشير، التي طرحت بُعدا دوليا بالغ الأهمية يتمثل في الحياد الكربوني والسياسات الأوروبية الجديدة.
وأوضحت بشير أن آلية تعديل الكربون على الحدود (CBAM) قد تُشكّل تحديًا حقيقيًا للصادرات المصرية كثيفة الطاقة، وهو ما يستدعي استعدادًا مبكرًا من الدولة.
ومن هنا ربطت بين الطاقة والصناعة والتجارة، مطالبة بتنسيق مؤسسي بين هذه القطاعات حتى لا تتضرر تنافسية المنتج المصري في الأسواق الأوروبية.
في هذا السياق، شددت على أن دور اللجنة لا يقتصر على متابعة مشروعات الكهرباء، بل يمتد إلى مراقبة السياسات الاقتصادية المرتبطة بالطاقة، عبر عقد جلسات استماع مع الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مناقشة سياسات تسعير الطاقة، البحث عن آليات تمويل أخضر ونقل تكنولوجيا، تحقيق توازن بين الالتزامات البيئية والبعد الاجتماعي.
الابتكار المصري في الطاقة المتجددة
من الحديث عن السياسات الكبرى، انتقلت المناقشات إلى نماذج الابتكار المحلي عبر مداخلة النائب محمد أحمد الحداد، أمين سر اللجنة، الذي عرض قصة مهندس مصري حصل على المركز الأول في مسابقة دولية بجنيف لاختراعه جهاز( لتوليد الكهرباء من الضوء بشكل ديناميكي.
وأشار الحداد إلى أن هذا الابتكار جذب عروضا عالمية تفوق 50 مليون جنيه إسترليني، لكن المخترع فضل الإبقاء عليه داخل مصر، وتم توقيع بروتوكول تعاون مع الهيئة العربية للتصنيع لتطويره محليا، مشددا علي أهمية تذليل العقبات في وجه الشباب المماثل.
وعقب رئيس لجنة الطاقة والبيئة طارق الملا، على هذه النقطة مؤكداضرورة توفير حوافز حقيقية للشباب والمبتكرين، وتهيئة بيئة استثمارية تشجع على بقاء التكنولوجيا الوطنية داخل البلاد بدل بيعها للخارج.
البعد التنموي لمشروعات الطاقة
لم يقتصر النقاش على التكنولوجيا والاقتصاد، بل امتد إلى البعد الاجتماعي، حيث أثارت النائبة مروة بوريص، عضو اللجنة، قضية غياب الخطط التنموية المصاحبة لبعض مشروعات الطاقة المتجددة.
وأوضحت أن السكان المحليين في مناطق المشروعات غالبًا لا يشعرون بالعائد التنموي، ما يخلق توترًا في الرأي العام ويؤثر على تقبل هذه المشروعات.
ورد المهندس طارق الملا، رئيس لجنة الطاقة والبيئة، مؤكدا أن اللجنة ستطالب الحكومة بخطة تنمية مجتمعية موازية لكل مشروع طاقة، على غرار ما حدث في بعض مشروعات قطاع البترول.
الربط مع الاستراتيجية الوطنية للطاقة
جاءت كل هذه المناقشات متسقة مع التوجه العام للدولة الذي يستهدف الوصول إلى 42% طاقة متجددة بحلول 2030، تخصيص 40 ألف كم² لمشروعات الشمس والرياح، استيعاب نحو 1000 جيجاوات من الطاقة المتجددة مستقبلًا، التوسع في الهيدروجين الأخضر وتقنيات تخزين الطاقة، تقليل الانبعاثات الكربونية وتعزيز أمن الطاقة.
كما أن تعديل الاستراتيجية لتسريع تحقيق الأهداف من 2035 إلى 2030 يعكس رغبة مصر في أن تكون لاعبا رئيسيا في التحول الطاقي العالمي.
.jpeg)
اجتماع الطاقة النظيفة والنووية والابتكار المحلي
.jpeg)
جانب من اجتماع لجنة الطاقة النظيفة والنووية