رأس أفعى الإخوان.. الحلقات الممنوعة من حياة محمود عزت في الثمانينيات.. قصة صناعة دولة الظل ومهندس عملية اختطاف النقابات والبرلمان.. أسرار استغلال ثعلب التنظيم قانون الطوارئ لبناء إمبراطورية المتشددين

الأحد، 08 فبراير 2026 07:00 م
رأس أفعى الإخوان.. الحلقات الممنوعة من حياة محمود عزت في الثمانينيات.. قصة صناعة دولة الظل ومهندس عملية اختطاف النقابات والبرلمان.. أسرار استغلال ثعلب التنظيم قانون الطوارئ لبناء إمبراطورية المتشددين الإرهابي محمود عزت

كتب محمود عبد الراضي - إيهاب المهندس

نواصل في هذه الحلقة الجديدة  الكشف عن الأسرار التى يحتفظ بها الصندوق الأسود لجماعة الإخوان الإرهابية، لنسلط الضوء على واحدة من أخطر الشخصيات التي عرفها تاريخ التنظيم الدولي، وهو الرجل الذي ظل لعقود يتحكم في خيوط اللعبة من وراء ستار، محمود عزت، الملقب بـ أفعى الإخوان وثعلب الجماعة، الذي لم يكن مجرد كادر تنظيمي عادي، بل كان العقل المدبر الذي أعاد صياغة مفهوم السمع والطاعة في حقبة زمنية كانت مصر تمر فيها بمخاض سياسي عسير.

مع مطلع الثمانينيات، وتحديداً عقب حادث المنصة واغتيال الرئيس الراحل محمد أنور السادات، دخلت مصر مرحلة جديدة تحت قيادة الرئيس حسني مبارك، وهي الفترة التي شهدت تطبيق قانون الطوارئ الصارم لضبط الحالة الأمنية، لكن في المقابل، كان مبارك يحاول تقديم عربون محبة للقوى السياسية لامتصاص الاحتقان، فنهج سياسة التوازن التي أخرجت المئات من المعتقلين من السجون، وكان من بينهم ذئاب التنظيم التي كانت تتحين الفرصة للانقضاض على المجتمع مرة أخرى، وهنا برز اسم محمود عزت كمهندس لهذه المرحلة التي أطلق عليها الإخوان البعث الثاني.

لقد كان محمود عزت يدرك تماماً أن المواجهة الصدامية المباشرة مع الدولة في ذلك الوقت ليست في صالح التنظيم، فاعتمد استراتيجية التغلغل الهادئ أو ما يمكن تسميته غزو مؤسسات المجتمع المدني، فبينما كان مبارك يفتح الأبواب جزئياً للتعددية الحزبية المقيدة لاستعادة السيادة وتثبيت أركان حكمه، كان عزت يعيد هيكلة النظام الخاص داخل الجماعة بروح قطبية متشددة، مستفيداً من أجواء الانفراجة النسبية ليزرع رجاله في مفاصل الدولة الحيوية.

 

زيجة سياسية متناقضة

في دهاليز الغرف المغلقة، قاد محمود عزت عملية الالتفاف على القانون الذي كان يحظر ممارسة العمل السياسي للجماعة المنحلة، فدفع بالتنظيم نحو تحالفات مشبوهة، حيث تحالفوا في انتخابات عام 1984 مع أحد الأحزاب في زيجة سياسية متناقضة، ثم عادوا في عام 1987 ليتحالفوا مع حزب أخر تحت شعارهم الشهير "الإسلام هو الحل"، وهو الشعار الذي كان مجرد غطاء لتنفيذ أجندة محمود عزت في اختراق البرلمان وصناعة كتلة ضغط تعطل مسار الدولة وتخدم أهداف التنظيم الدولي، وقد نجح الثعلب في تلك الفترة في تحويل البرلمان إلى منصة للدعاية الإخوانية الفجة.

 

السيطرة على نقابات الأطباء والمهندسين والمحامين

ولم يتوقف طموح محمود عزت عند البرلمان، بل كان هو القائد الفعلي لعملية احتلال النقابات، حيث وجه كوادره للسيطرة على نقابات الأطباء والمهندسين والمحامين، محولاً هذه الكيانات المهنية العريقة إلى "عزبة خاصة" تدر أموالاً طائلة على التنظيم وتوفر له غطاءً اجتماعياً وقدرة على التحريك الجماهيري، وكان عزت يدير هذه المنظومة بعقلية سرية ماكرة، حيث كان يختار القيادات النقابية بناءً على معايير الولاء المطلق وليس الكفاءة المهنية، مما جعل الجماعة قوة اجتماعية موازية للدولة في تلك الفترة.

 

لقد استحق محمود عزت لقب الرجل الحديدي للجماعة في الظل عن جدارة، فهو الذي اعتزل الأضواء والمنصات الإعلامية، وفضل أن يكون الترزي الذي يفصل اللوائح الداخلية للجماعة لتناسب طموحات التيار القطبي المتشدد، فبعد خروجه من السجن، ارتمى في أحضان مصطفى مشهور، وبدأ الاثنان في بناء تنظيم لا يعترف بالمراجعات أو الانفتاح، بل يقوم على العزلة الشعورية وتكفير الآخر واستباحة مؤسسات الدولة، وقد كان عزت هو المسؤول عن تربية جيل كامل من الشباب على السمع والطاعة العمياء، بعيداً عن أي طموحات إصلاحية كانت تنادي بها بعض الأصوات داخل الجماعة.

 

قيود صارمة على تداول المعلومات داخل الجماعة

لقد كان عزت يرى في التيار القطبي الملاذ الوحيد للحفاظ على تماسك التنظيم، ففرض قيوداً صارمة على تداول المعلومات داخل الجماعة، واستحدث نظاماً للرقابة والتفتيش على الأفراد، محولاً التنظيم في الثمانينيات إلى ما يشبه الميليشيا المدنية التي تتحرك بأوامر سرية لا يعلمها إلا هو وخلصاؤه، وبفضل هذا الجمود والتشدد، صعد عزت بسرعة الصاروخ ليصبح عضواً في مكتب الإرشاد، بل والمحرك الفعلي لكل قراراته، واضعاً بصمته التي جعلت الإخوان يتحولون إلى تنظيم شبه عسكري يتسم بالتراتبية القاتلة التي تلغي عقل الفرد لصالح صنم التنظيم.

 

وعلى مدار سنوات الثمانينيات، كان محمود عزت هو المشرف المباشر على عمليات التمويل الخارجي وتدوير أموال الجماعة في شركات توظيف الأموال التي ظهرت في تلك الحقبة، حيث استغل التدين الفطري للمصريين لنهب مدخراتهم وتوجيهها لخدمة مشروع الجماعة، وكل ذلك كان يحدث تحت ستار من السرية التامة التي فرضها الثعلب، الذي كان يغير أماكن اجتماعاته وتحركاته بدقة متناهية، مما جعله عصياً على الرصد لسنوات طويلة، مؤكداً أنه العقل الأقوى داخل هذا الكيان المظلم.

إن قصة محمود عزت في الثمانينيات ليست مجرد سيرة ذاتية لقيادي إخواني، بل هي قصة اختطاف وطن، وقصة تغلغل سرطاني في جسد المجتمع، استغل فيه هذا الرجل كل ثغرة في القانون وكل مساحة للحرية ليحيك خيوط المؤامرة التي تفجرت في وجوهنا جميعاً بعد عقود، فقد كان عزت هو المهندس الذي وضع حجر الأساس لدولة الإخوان الموازية، التي ظلت تنمو تحت الأرض كالخلايا النائمة، تنتظر لحظة الانقضاض الكبرى، وهو ما يجعل دراسة هذه الفترة وفهم تحركات "ثعلب الجماعة" ضرورة قصوى لفهم كيف يفكر هؤلاء وكيف يخططون للعودة من جديد.

 

4196670a-b5ad-4dcf-8555-ed5654fe4ccb
نسخة الموضوع في العدد الورقي



أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة