نشأة محمود عزت في السادسة عشر من عمره بين "عظمة السد العالي" وظلام التنظيم السري
نستكمل معكم هذه السلسلة الوثائقية التي تتبع خيوط المؤامرة، لنصل إلى محطة فارقة في حياة القيادي الإخواني محمود عزت، الملقب بـ "ثعلب الجماعة" ورأس أفعى التنظيم السري.
في عام 1960، كان محمود عزت شاباً في السادسة عشرة من عمره، ينتقل في مرحلة عمرية حرجة من حياته للعيش مع والده وأسرته في حي "مصر الجديدة" الراقي بالقاهرة.
هذا الانتقال لم يكن مجرد تغيير في العنوان الجغرافي، بل كان صداماً حضارياً ونفسياً عميقاً شكّل نواة التطرف في عقله؛ حيث وجد الشاب الذي تربى في محاضن الجماعة والمنغلقة تفاوتًا هائلاً بين المجتمع الذي ترعرع فيه، وبين مجتمع مصر الجديدة "المتحرر" كما وصفه، وهو المجتمع الذي حاول والده دمجه فيه، لكنه قابله برفض داخلي دفعه لمزيد من التقوقع والتشدد.
بينما كان عزت في السادسة عشرة من عمره، كانت مصر تعيش أزهى عصور "الناصرية" وأوج المد القومي العربي، في ذلك العام، كان الرئيس جمال عبد الناصر يتربع على عرش الزعامة العربية كقائد ملهم، ليس فقط لمصر، بل للجمهورية العربية المتحدة التي ضمت مصر وسوريا، مما جعل القاهرة بوصلة السياسة العالمية ومحط أنظار القوى الكبرى.
رأى الشاب محمود عزت بعينيه الإنجازات التي كانت تزلزل الأرض؛ فشهد في يناير 1960 وضع حجر الأساس للسد العالي، ذلك الحلم القومي العملاق، وشاهد في مايو من العام نفسه قرار تأميم الصحافة المصرية لخدمة أهداف الثورة والجمهورية.
ورغم هذا الصعود الوطني المبهر وافتتاح المصانع وتزعم مصر لحركة عدم الانحياز، كان الحقد يملأ قلب عزت الشاب تأثراً بمحيطه الإخواني الذي كان يرى في ناصر عدواً لدوداً، متجاهلين تماماً كل خطوات البناء والتنمية.

في هذه السن الحرجة، كان محمود عزت يشاهد جماعته الإرهابية وهي تعيش واحدة من أقسى وأحلك فترات تاريخها، فيما عُرف لاحقاً بـ "المحنة الكبرى"، كانت الجماعة تقبع تحت وطأة حظر قانوني صارم وملاحقة أمنية شاملة بدأت منذ حادثة المنشية عام 1954.
كان قادة الصف الأول ومعظم الكوادر الفاعلة يقبعون خلف القضبان، بينما توارى من تبقى منهم عن الأنظار أو فروا خارج البلاد.
عاش عزت مراهقته وهو يرى الجماعة تتسم بـ "الكمون الإجباري"؛ حيث كانت من الناحية التنظيمية مشلولة تماماً، ومن الناحية السياسية في حالة "صدام صفري" مع نظام الثورة.
ومع ذلك، فإن هذه الفترة داخل السجون كانت تشهد ولادة "الفكر القطبي" الراديكالي؛ حيث بدأ سيد قطب يخط بيمينه مؤلفاته التي مثلت نقطة التحول الكبرى نحو التكفير والعنف، وهي الأفكار التي تلقفها عزت الشاب بشغف لتعوضه عن شعوره بالاغتراب في مجتمعه الجديد.
لم تكن الجماعة في عام 1960 لاعباً في الشارع، بل كانت مجرد "ملف أمني" وقضية شائكة تُدار من خلف الأسوار، في ظل نظام كان يرى في وجودها تهديداً مباشراً لمشروع الوحدة والاشتراكية.
عاش محمود عزت هذا التناقض الصارخ؛ فبينما كانت الدولة تبني وتعمر وتخوض معارك الكرامة الدولية، كان هو غارقاً في الانكسار التاريخي للجماعة، يقتات على كراهية النظام ويتحين الفرصة للظهور.
لقد رسم هذا العام شكل العلاقة بينه وبين الدولة لعقود قادمة؛ فبينما كانت مصر تنظر للمستقبل، كان عزت يغرس في أعماقه بذور الانتقام، منتظراً فرصة لن تأتي إلا بعد رحيل ناصر بسنوات طويلة.
إن تلك المراهقة التي قضاها في حي مصر الجديدة، لم تزده إلا إصراراً على السير في طريق "الثعلب" الذي يتقن الاختباء والانتظار، لتكون سنة 1960 هي العام الذي اكتمل فيه بناء جدار العزلة النفسية والتطرف الفكري في عقل "رأس الأفعى".