ليلة قطع «رأس الأفعى» فى التجمع الخامس.. تفاصيل سقوط عرش محمود عزت تحت أقدام العيون الساهرة.. أسرار شفرات الموت التى أدارت اغتيال الشهيد هشام بركات.. وسر الرسالة التى أسقطت إمبراطورية الدم

الإثنين، 02 فبراير 2026 11:44 ص
ليلة قطع «رأس الأفعى» فى التجمع الخامس.. تفاصيل سقوط عرش محمود عزت تحت أقدام العيون الساهرة.. أسرار شفرات الموت التى أدارت اغتيال الشهيد هشام بركات.. وسر الرسالة التى أسقطت إمبراطورية الدم محمود عزت

كتب محمود عبد الراضي

كواليس المداهمة التاريخية لوكر «ثعلب الإخوان»

انفراد بتفاصيل 2500 يوم من تخفى محمود عزت داخل «وكر القاهرة»

فى عمق ليل القاهرة الهادئ، وتحديدًا فى أحد أرقى أحياء العاصمة «التجمع الخامس»، كانت هناك تفاصيل تُدار فى خفاء تام، بعيدًا عن صخب المدينة وزحامها. لم يكن أحد من سكان تلك المنطقة الراقية يتخيل أن خلف جدران إحدى الشقق السكنية الصامتة يختبئ «العقل المدبر» و«الصندوق الأسود» الذى أدار عمليات القتل والتفجير فى مصر لسنوات طويلة.

محمود عزت، الرجل الذى لُقّب بـ«الثعلب» و«رأس الأفعى»، والقائم بأعمال المرشد العام لجماعة الإخوان الإرهابية، كان يظن أن خطة التمويه التى وضعها لنفسه ستحميه من مصيره المحتوم، لكنه نسى أن «العيون الساهرة» فى قطاع الأمن الوطنى لا تنام، وأن الدولة لا تنسى ثأر أبنائها.

لسنوات طويلة، دأبت الماكينة الإعلامية للتنظيم الدولى للإخوان على ترويج شائعات مدروسة تزعم وجود محمود عزت خارج البلاد، تارة فى تركيا، وتارة أخرى فى إحدى الدول الأوروبية، فى محاولة بائسة لتضليل أجهزة الأمن وتوجيه أنظارها بعيدًا عن الداخل، غير أن أجهزة الأمن كانت تعمل فى صمت وهدوء، تجمع الخيوط، وتحلل الإشارات، وترصد التحركات المشبوهة، حتى وصلت إلى المعلومة «الذهبية» من أحد المصادر السرية، التى أكدت أن «الرجل الشبح» لم يغادر مصر قط، بل يقيم فى قلب القاهرة، متخذًا من شقة سكنية هادئة وكرًا لإدارة عمليات التنظيم الإرهابى. عملية المداهمة لم تكن مجرد اقتحام روتينى، بل كانت عملية أمنية جراحية معقدة شاركت فيها أكثر من جهة رفيعة المستوى، فُرض طوق أمنى غير مرئى حول المنطقة بالكامل، ورصدت كاميرات المراقبة والوسائل التقنية الحديثة كل شاردة وواردة فى محيط العقار المستهدف، وعند ساعة الصفر، اقتحمت القوات الخاصة الوكر، لتجد أمامها شيخًا بملامح واهنة، غير أن خلف هذا الجسد الهزيل كان يختبئ تاريخ طويل من الدم والخراب.

لم تكن الصدمة فى العثور على «عزت» وحدها، بل فى الكنوز المعلوماتية التى كانت تحيط به، فقد عثر رجال الأمن داخل الشقة على «ترسانة تكنولوجية» متطورة، شملت أجهزة حاسب آلى محملة ببرامج تشفير بالغة التعقيد، وهواتف محمولة جرى تعديلها خصيصًا لتأمين تواصله مع قيادات التنظيم الهاربة فى الخارج، وكانت هذه الأجهزة بمثابة «غرفة العمليات المركزية» التى تصدر منها الأوامر للكوادر الشبابية والخلايا النائمة فى المحافظات.

كما تم ضبط وثائق تنظيمية بالغة الخطورة، تضمنت خرائط ومخططات تخريبية كانت تستهدف منشآت حيوية وشخصيات عامة، إضافة إلى تفاصيل دقيقة حول التدفقات المالية الضخمة التى كانت تصل إلى التنظيم عبر مسارات ملتوية لتمويل عملياته الإرهابية. تكمن القيمة الحقيقية لسقوط محمود عزت فى كونه «المؤسس الأول» للجناح المسلح فى نسخته المعاصرة عقب ثورة 30 يونيو 2013، فقد كان المحرك الفعلى لكل قطرة دم سُفكت فى الشارع المصرى، وتحت إشرافه المباشر نُفذت أبشع الجرائم التى سجلها التاريخ المعاصر، وعلى رأسها عملية اغتيال «محامى الشعب» النائب العام الأسبق الشهيد هشام بركات عام 2015، وهى العملية التى كشفت الوجه الحقيقى للتنظيم الغادر.

لم يكن عزت مجرد ناقل للأوامر، بل كان المخطط والممول والمحرض، والمسؤول عن اختيار الانتحاريين وتجهيز العبوات الناسفة، كما تمتد بصماته الإجرامية إلى سلسلة طويلة من عمليات الاغتيال، كان أبرزها اغتيال الشهيد العميد وائل طاحون أمام منزله بمنطقة عين شمس، والشهيد العميد أركان حرب عادل رجائى بمدينة العبور، فى محاولات يائسة لكسر روح الأمن وبث الرعب فى نفوس المواطنين.

كما حاول التنظيم، تحت قيادته، اغتيال المستشار زكريا عبدالعزيز، النائب العام المساعد الأسبق، فى واقعة كشفت عن عمق الفكر الإجرامى المتجذر لدى هذا القيادى الإرهابى، ولم يسلم الأبرياء من شره، إذ كان هو العقل المدبر لحادث تفجير السيارة المفخخة أمام معهد الأورام، ذلك الحادث المأساوى الذى لم يفرق بين مريض ومسعف، وحوّل منطقة المنيل إلى ساحة من الدمار والدماء. وبالعودة إلى السجل الجنائى لهذا القيادى الإرهابى، نجد أن القضاء المصرى أصدر ضده أحكامًا رادعة عكست حجم جرائمه، حيث صدر بحقه حكم بالإعدام غيابيًا فى قضية التخابر الكبرى، وحكم آخر بالإعدام فى قضية الهروب من سجون وادى النطرون إبان أحداث يناير، فضلًا عن أحكام بالسجن المؤبد فى قضايا أحداث مكتب الإرشاد وأحداث الشغب والعنف بالمنيا.

فور إلقاء القبض عليه، شُكّلت لجنة أمنية وقانونية رفيعة المستوى للتحقيق معه، وبدأت الأسرار تتكشف تباعًا، وتشير المعلومات الأولية إلى أن عزت كان يمثل «حلقة الوصل» المركزية والوحيدة بين القيادات الهاربة فى الخارج والكوادر الميدانية داخل مصر، وبسقوطه، انفرط عقد التنظيم، ودخل أعضاؤه فى حالة من التخبط والذعر، خاصة بعد كشف شبكات المراسلات المشفرة التى كانت تمنحهم شعورًا زائفًا بالأمان.

يُعد نجاح الأجهزة الأمنية فى الوصول إلى محمود عزت، فى هذا التوقيت وبتنفيذ عملية مداهمة دقيقة لم تُهرق فيها قطرة دم واحدة، شهادة كفاءة عالمية للأجهزة الأمنية المصرية، فقد أثبتت الدولة قدرتها على اختراق أكثر الدوائر التنظيمية سرية، وامتلاكها الصبر والنَّفَس الطويل فى ملاحقة المجرمين مهما طال الزمن أو تعددت أماكن اختبائهم.

اليوم.. يقبع محمود عزت خلف القضبان، يواجه مصيره المحتوم، بينما يتنفس المصريون الصعداء بعد سقوط الرجل الذى حرم آلاف الأسر من أبنائها. إنها نهاية تليق بكل من خان الوطن وباع أمنه مقابل أوهام السلطة والتمكين، لقد طويت صفحة «الثعلب»، لكن الدروس المستفادة من سقوطه ستبقى محفورة فى ذاكرة العمل الأمنى، كواحدة من أهم وأنجح الضربات التى وُجهت لقلب الإرهاب فى القرن الحادى والعشرين.

ستظل هذه العملية نموذجًا يُدرَّس فى العمل الأمنى الميدانى، حيث تلاحمت المعلومة مع التنفيذ، والسرية مع الدقة، لتُسدل الستارة على أسطورة زائفة عاشت فى الظلام، وانتهت تحت أضواء الحقيقة الساطعة فى قبضة رجال لا يعرفون المستحيل.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة