يملك الكاتب الكبير سعيد الشحات أسلوبا مميزا في كتبه، فهو يدقق كل ما يفعله، ويتحرى أصل ما يا يقوله ويوثقه، ويقدم بانوراما للعصر والزمن الذي يتحدث فيه، وها هي تجربة مختلفة ومحطة جديدة بصدور كتابه "كمال الطويل.. طيب يا صبر طيب" الصادر عن دار نشر ريشة، والمشارك في معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ 57.
بداية يمكن القول إن كتاب "كمال الطويل" ليس مجرد صفحات نقرأها ولا تراث مصري نقلب فيه، بل هو رحلة طويلة مع موسيقار كبير صنع جزءًا مهما من الوجدان المصرى، وحفظ في ذاكرته ما يشبه الأرشيف الحي لعصر كامل، ثم تركه يتدفق عبر كلمات صافية، رواها لنا الأستاذ سعيد الشحات، فجاء الكتاب على هيئة شهادة ممتدة، تتداخل فيها السيرة بالفن، وتتجاور التفاصيل العائلية مع خريطة الأغنية العربية، وتصبح القاهرة بزمنها ومكانها ودورها الحضاري جزءًا من سياق أكبر.
الكتاب يكشف مدى تأثير كمال الطويل في أبناء جيله، كيف ساعد عبد الحليم حافظ، وكيف أنصف محمد الموجي، لقد كان "عمدة" في عصره، له تأثير كبير، يؤمن بأنه قادر على الفعل.
من الصفحة الأولى، يعرف القارئ أنه أمام نص ليس هدفه التوثيق وحده، بل بناء صورة كاملة لواحد من أبرز رموز الموسيقى المصرية الحديثة، بشهادته هو، وبنظرته هو، وبالصوت الذي يحتفظ في نبرته الأخيرة بأثر ذلك الزمن الذي تغيرت فيه البلاد، وأعاد الفن صياغة المشترك الجمعي للمصريين.
حياة كمال الطويل
يفاجئ الكتاب قارئه منذ بدايته بأن حياة كمال الطويل لم تولد فجأة داخل مؤسسة موسيقية، ولا جاءت نتاج موهبة فردية وحسب، بل كانت امتدادًا طبيعيًا لبنيتين عائليتين، واحدة سياسية، والأخرى شعرية – فنية، الأول تمثل في عمه عبد الفتاح الطويل، الوزير الوفدي المعروف، الذي كان يمتلك صوتًا جميلًا، يصل به إلى تلاوة آيات من القرآن الكريم في افتتاح اجتماعات الوفد بالإسكندرية، المشهد كما يورده الكتاب ليس تفصيلًا ثانويًا، بل دلالة على أن الفن، في تلك العائلة، لم يكن طارئًا، بل جزءًا من تكوين الشخصية، وأن الجدية السياسية لم تكن تمنع الميل الغنائي.
إنه تصالح نادر بين الانتماء الوطني والموهبة، وسيظهر أثره لاحقًا بشكل بالغ القوة في شخصية كمال الطويل.
والثاني هو المهندس محمود زكي الطويل (والد كمال) الذي تلقى تعليمه في بريطانيا، وتدرج حتى وصل إلى أعلى المراتب في مجال الهندسة والأشغال العامة، لكنه كان شاعرًا يكتب بالكلمة الموزونة ليشبع رغبة داخلية، لم يكن يسعى إلى نشر شعره، وإن نُشر جزء منه بالفعل في بداية خمسينيات القرن العشرين، دون أن يلتفت كثيرًا إلى فكرة الظهور الأدبي.
بهذه الثنائية، وضع الكتاب أساس الفهم الأول لشخصية كمال الطويل، رجل عاش في بيت يرى في السياسة دورًا وفي الفن قدرًا، وفي الكلمة ميزانًا، وفي الجملة الموسيقية صدى لعاطفة تتجاوز حدود الزمن.
ومن أجمل أجزاء الكتاب وأكثرها حيوية تلك التي ترصد علاقة كمال الطويل بمجلة "صباح الخير" ليس بوصفها مطبوعة صحفية فحسب، بل باعتبارها مكانًا كان يحمل حياة كاملة، سهرات، نقاشات، ضحكات، تبادل رؤى، واختبار مشترك لمستقبل مصر الفني والثقافي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، داخل هذا المكان كانت تتشكل صداقات تترك أثرًا يتجاوز الفن نفسه، أحمد بهاء الدين، صلاح عبد الصبور، فتحي غانم، وغيرهم من الأسماء التي ستصبح لاحقًا من أعمدة الوعي المصري الحديث، لكن القلب النابض لهذا المشهد كله كان صلاح جاهين، الذي يقدمه الكتاب من خلال صوت كمال الطويل بوصفه واحدًا من أكثر الفنانين تركيبًا وتفردًا، يقول الطويل عنه "معجون موهبة… شعر، رسم، تمثيل… كوكتيل من المشاعر الإنسانية… عينان تبصران ما لا يراه الآخرون"، هذه الجملة وحدها تكفي لتقديم صورة شاعر لم يتوقف يومًا عن الإبداع، وعن تحويل قضايا الوطن إلى نصوص تنبض بالحياة.
ولا يكتفي الكتاب بوصف علاقة صداقة بين رجلين، بل يقدم ما يشبه "التحالف الوجداني" بين كمال الطويل وصلاح جاهين، فالاثنان لم يلتقيا على مستوى الفن فقط، بل على مستوى الانفعال الوطني والإنساني العميق، يصف الطويل جاهين بأنه "جبرتي الثورة"، وهو لقب يكشف مدى إدراكه لدور الشاعر في تسجيل اللحظة التاريخية.
الطويل يلحن وعبد الحليم يغني
كان الطويل يلحن، وعبد الحليم يغني، والجمهور يستقبل الأغنية وكأنها قطعة من وجدانه، ما يقوله الكتاب هنا ليس وثيقة سياسية، بل شهادة روحية، جيل كامل لم يفصل بين الفن والسياسة، لأنهما — في تلك اللحظة — كانا شيئًا واحدًا.
ولو جمعنا أغنيات عبد الحليم حافظ التي لحنها كمال الطويل في جدول طويل، فلن نكون أمام "قائمة" فقط، بل أمام "خريطة وجدانية" لعصر كامل، الكتاب يعرض عشرات الأغاني، من "علي قد الشوق" إلى "صورة صورة"، ومن "مطالب شعب" إلى "ناصر يا حرية"، هذه الأغنيات ليست مجرد أعمال فنية، بل ملامح لفكرة مصر في ذلك الزمن، الحلم، والأمل، والثورة، والحب، والتطلع لزمن جديد.
ومن بين ما يظهر في الكتاب بوضوح أن العلاقة بين الطويل وعبد الحليم لم تكن علاقة ملحن بمطرب، بل علاقة مشروع بمشروع، ومسار بمسار، كان عبد الحليم يحتاج إلى تلك الجملة الموسيقية التي تحمل قدرًا من الصدق وكان الطويل يجد في صوت عبد الحليم المساحة التي تسمح للحنه أن يتحول إلى حياة كاملة.
من الفصول اللافتة ما يتناول علاقة كمال الطويل بمدرسة محمد عبد الوهاب، فمجرد الانتماء إلى هذه المدرسة، التي تشبه "جامعة كبرى" كان في حد ذاته وسامًا، لكن شهادة الكتاب تكشف ما هو أبعد، أن كمال الطويل لم يكن مجرد تلميذ، بل حالة خاصة، داخل المدرسة وخارجها وفوقها أحيانًا، وهي منزلة لم يبلغها غيره، حتى وإن وجد محمد الموجي وبليغ حمدي ومنير مراد طرقًا عديدة لكتابة أسمائهم على جدران تلك الجامعة.
أما علاقة كمال الطويل بالسيدة أم كلثوم، فقد بلغت قوتها في أغنية "والله زمان يا سلاحي"، لكن الكتاب من ناحية أخرى يكشف لنا عن الوشاية التي جعلته يبتعد عنها بعد ذلك.
والكتاب يحكي واحدة من أكثر لحظات الفن المصري شاعرية، ولادة أغنية "يا واد يا تقيل"، يحكي الطويل أنه قابل سعاد حسني مصادفة، فقالت له: "مش هتلحن لي بقى؟"، ثم يأتي اتصال صلاح جاهين: "الكلام جاهز… إحنا مستنيينك"، وفي مكتب جاهين، وبين حسين فهمي وسعاد حسني .
يقرأ كمال الطويل "الكلمات، ويضرب على باب المكتب بإيقاع عفوي، ثم يجد نفسه يغني: "يا واد يا تقيل"، بهذه البساطة، كما يروي الكتاب، تولد أغنية ستصبح جزءًا من ذاكرة السينما المصرية، لحظة صغيرة، لكنها تكشف حقيقة الفن في حياة الطويل ( عفوية، صدق، حميمية، وعدم افتعال، وقدرة على التقاط الإيقاع من أبسط الأشياء… حتى من باب خشبي).
قوائم الأغنيات
ويمتلئ الكتاب بقوائم دقيقة للأغنيات التي قدمها الطويل، سواء لعبد الحليم، أو نجاة الصغيرة، أو محمد منير، أو سعاد حسني، أو حتى أعمال وطنية لمناسبات عربية، هذه القوائم ليست مجرد فهارس، بل هي "أرشيف حي" لصوت مصر في نصف قرن، فمن "علي قد الشوق" إلى "مطالب شعب"، ومن "عروسة" (موسيقى)، إلى "هو وهي"، ومن "محلي الأمل" إلى"يا حبيبة يا كويت"، ومن "لسه الأغاني ممكنة" إلى "مين يهمه"، يُدرك القارئ أن هذا الرجل، كان قادرًا على عبور الأجيال، الكتاب لا يعلق كثيرًا على هذه الأعمال، بل يتركها تقدم نفسها عبر حضورها الكثيف في الصفحات.
من القضايا المركزية في الكتاب تلك العلاقة العضوية بين الفن والمشروع الوطني، فلا يقدم الطويل نفسه كملحن ينفذ أغنيات وطنية، بل كإنسان شعر بالثورة كما شعر بها الناس، فخرج منه الفن تلقائيًا.
أجمل ما يكشفه الكتاب هو الجانب الإنساني العميق لكمال الطويل، فهو رجل رقيق، صريح، صادق، يحب بعمق، وينفعل بصدق ولعل شخصيته التي رسمها لنا سعيد الشحات توضع لنا أشياء كثيرة، ونفهم منها كيف كان يعطي من قلبه، حتى أن لحنا مثل "طيب يا صبر طيب" التي أبدع فيها الفنان الكبير عبدالمنعم مدبولى، تمثل سردية لزمن عظيم كان الطويل شاهدا عليه، وفي الوقت نفسه يختلف مع الآخرين مهما كانوا مقربين له، مثلما حدث مع محمد قنديل، وأم كلثوم حتى أنه كان يختلف أحيانا مع صديقه الصدوق عبد الحليم حافظ.
قدم لنا سعيد الشحات سيرة وطن، من خلال كتابه عن كمال الطويل، فرحنا مع الانتصارات وحزنا الهزائم، ورأينا الزمن يزحف على كل شيء، لكن الفن بقي مقاوما وخالدا يحمل اسم كمال الطويل في السلسلة الذهبية للأغنية المصرية.