ارتبطت الفنانة اللبنانية الكبيرة فيروز والرحبانية بعلاقة وثيقة مع الكاتب والناقد رجاء النقاش، وتعددت زياراته لهم فى بيروت، ودعاهم إلى القاهرة فى ندوة موسعة حضرها حشد من كبار الفنانين والمبدعين المصريين، ونشرتها مجلة «الكواكب» فى نوفمبر 1966 أثناء رئاسته لتحريرها، وأتاحت هذه العلاقة له أن يرى فيروز عن قرب كإنسانة، وكان ذلك محور حواره معها بمنزلها فى بيروت، ونشرته الكواكب فى عدد رقم 854، الصادر فى 12 ديسمبر، مثل هذا اليوم، 1967.
يصف «النقاش» فيروز بأنها تؤمن بالإخلاص لفنها حين تغنى، أما فى حياتها العادية فتصر على أن تسعد بتلك الحياة البسيطة كأم وزوجة وصاحبة بيت هادئ وجميل، ويذكر أنه شاهدها تمشى فى شوارع بيروت كأى سيدة عادية، لا يتجمع الناس حولها، لأنها استطاعت بسلوكها الخاص واحترامها لنفسها أن تنقل فكرتها عن نفسها إلى الناس.
يسألها النقاش، عن حياتها فى البيت وفى الفن، فتؤكد أنها تفصل بينهما تماما، وتكشف: «أنا فى البيت نهاد حداد، وهذا هو اسمى الحقيقى، أما فيروز فهو اسمى الفنى، ونهاد هو الاسم الذى ينادينى به كل أفراد عائلتى، وفى حياتى الخاصة أنسى تماما شخصية فيروز الفنانة، وأسمعها كما يسمعها كل الناس فى الإذاعة والتليفزيون، أفرح بالعمل الفنى الجميل الذى أقدمه وأحزن حزنا حقيقيا للعمل الفنى الضعيف، وعندما أجد تسجيلا ضعيفا أحاول أن أبعد أهلى وأصحابى عن الاستماع إليه».
تضيف: «عندى نظرية غريبة لا أستطيع التخلص منها وهى، أن أجمل الأشياء هى التى تفسد بسرعة، أنظر إلى الإنسان، أليس هو أجمل ما فى هذا العالم؟ ومع ذلك فالإنسان سريع العطب، ولذلك فأنا لا يهمنى أن أدفع الكثير فى أشياء جميلة تفسد بعد وقت قصير، لأننى أربط بين الجمال والعمر القصير، فلنحصل على الجمال أولا، وقبل أى شىء ولندفع له ثمنا غاليا، لأن الحياة بدونه لا تساوى قرشا كما نقول فى لبنان، ولا مليما كما تقولون فى مصر».
تؤكد: «أولادى أحبابى، أعيش معهم كثيرا، أطبخ لهم بنفسى، أشترى لهم ملابسهم، لا أحاول أن أدللهم بل أعاملهم بالمعقول، لأن الحياة نفسها لا تدلل أحدا، والتدليل فى النهاية يعطيهم فكرة خاطئة عن الحياة، وكثيرا ما أساعد أولادى فى الدروس، وأتحول معهم إلى مدرسة جادة جدا، لا أجاملهم، وإنما أعاملهم بشىء من القسوة، وقسوتى عليهم حب ورغبة فى أن ينجحوا ويتجنبوا الفشل».
تضيف: «ثلاثة أشياء لا أفصل بينها أبدا، الفن والدين والحب، أحيانا أغنى كأننى أصلى، وأحيانا أصلى كأننى أغنى، وهذه الأشياء الثلاثة كلها وجوه لله فى حياة الإنسان، تعلمت أن يكون أدائى الفنى داخليا، وألا تطغى عليه الحركات الصوتية الخارجية، أننى أحاول أن أصل إلى التوازن بين الشعور والحركات الصوتية الخارجية، وهذا فى رأيى يرد الفن إلى صفاته الأصيلة، ومنبعه القديم، عندما كان الإنسان يعبر عن نفسه بدون بهرجة أوتصنع كان الفن بسيطا عفويا، لقد مر الفن الإنسانى بعد ذلك بتعقيدات كثيرة، ولكنه بعد هذه التعقيدات يعود إلى الصفاء الكامل، بعد أن سافر رحلته الطويلة خلال التعقيدات الكثيرة، ولا فن الآن إلا بالصفاء والعفوية، الراعى يغنى غناء جميلا ولا يقصد هذا الجمال، فالجمال يولد من صوته وربابته بدون تعقيد، الفنان يغنى غناء جميلا وهو يقصد ذلك، فالفرق بين جمال «الراعي»، وجمال الفنان هو أن «الراعى» لا يقصد الجمال بينما الفنان يقصده، والفن الراقى الحقيقى هو الذى يحاول إخفاء القصد الذى يقف وراء الجمال وهكذا، فتاريخ الفن يبدأ من العفوية ثم ينتهى إلى جمال يعادل العفوية ويتخطى ما بينهما من تعقيدات».
يسألها النقاش عن كيف تعلمت كل هذا الكلام الفلسفى، فتجيب: «تعلمته من الجو الفكرى الذى يخلقه حولى زوجى عاصى رحبانى وشقيقه منصور، إنهما يعيشان فى مناقشة دائمة، ويحيطان نفسهما بالمثقفين والكتاب»، وتكشف: «أعلى درجات القلق فى حياتى تنتابنى قبل دخول المسرح، وقبل رفع الستار بلحظات، وأحزن دائما بعد انتهاء العرض، فالفنان عندما يغنى بين الناس يحس أنه موجود فى جو ملئ بالحرارة والدفء، ثم ينتهى العرض وفجأة يرحل الناس كما ترحل أسراب العصافير عن أشجار كانت تملأ أغصانها فيصبح المكان مقفرا لا حياة فيه، وبعد أن يرحل الناس يبدأون فى هدم الديكور، هذا عالمى الجميل، الدافئ بمحبة الناس، ينتهى أمامى ويتلاشى لأعود من جديد إلى حجمى البسيط العادى، امرأة بين الناس، ولهذا أبكى بعد انتهاء العرض».
يسألها النقاش عما فى ذكرياتها الأولى، فتجيب: «نشأت فقيرة فى بيت فقير، كان أبى عامل مطبعة بسيطا فى بيروت وأمى قروية عادية، ولذلك فأكبر حب فى حياتى هو حبى للقرية وللبسطاء الذين منهم أبى وأمى، كنت ألبس حذاء واحدا، وأقوم بطلائه بالأبيض فى الصيف، وفى الشتاء بالأسود، نشأتى الفقيرة علمتنى التواضع والقدرة على الاحتمال، وكراهية التظاهر، ومحبة الناس».
سعيد الشحات يكتب: ذات يوم.. 12 ديسمبر 1967.. «جارة القمر» فيروز: «أنا فى البيت نهاد حداد ولا أفصل بين الفن والدين والحب ونشأتى الفقيرة علمتنى التواضع والقدرة على الاحتمال وكراهية التظاهر ومحبة الناس»
الجمعة، 12 ديسمبر 2025 10:00 ص
الفنانة اللبنانية فيروز
سعيد الشحات