تحل هذا الشهر ذكرى تولي الدكتور بطرس بطرس غالي منصب الأمين العام للأمم المتحدة، كأول عربي وإفريقي يصل إلى هذا المنصب الدولي الرفيع، وكذلك أول أمين عام للمنظمة الفرانكفونية. ففي الأول من يناير 1992 بدأ غالي ولايته الأولى، بعد معركة دبلوماسية معقدة خاضتها مصر داخل أروقة مجلس الأمن.
ورغم مكانته الفكرية والسياسية، لم يكن وصول بطرس غالي إلى منصب الأمين العام للأمم المتحدة أمرًا يسيرًا، إذ واجهت عملية اختياره ترددًا واضحًا من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، إضافة إلى المنافسة الشرسة بين ستة مرشحين بارزين، من بينهم الرئيس النيجيري الأسبق اللواء أويسنجو، ووزير خارجية زيمبابوي الدكتور تشيدزيرو، وكان المرشح النيجيري الأكثر حظًا بسبب رئاسة بلاده لمنظمة الوحدة الإفريقية في تلك الفترة.
ويقول الدكتور نبيل العربي، في كتابه "صراع الدبلوماسية" إن أغلب دول مجلس الأمن كانت تطالب بأن يكون الأمين العام الجديد إفريقيًا، بينما أعلنت الصين بشكل قاطع أنها ستستخدم "الفيتو" ضد أي مرشح من خارج القارة، ومع أن كفة المرشحين الأفارقة كانت تميل للرئيس النيجيري، فإن مصر تحركت دبلوماسيًا وقدمت مبررات قوية للدول الغربية وأمريكا اللاتينية، مفادها أن أحد المرشحين عسكري سابق، ولا يجوز تولي العسكريين قيادة منظمة دولية، بينما كان المرشح الآخر ذا خلفية ماركسية، وهي حجج لاقت قبولًا واسعًا.
وخلال تلك الفترة، كثفت مصر جهودها مع المندوب الفرنسي الدائم جان برنار، ومع العواصم الإفريقية، خاصة بعد تسريب معلومات بأن الولايات المتحدة تسعى لعدم اختيار أي مرشح إفريقي، وأنها تفضل شخصية من خارج القارة، وبعد مفاوضات وتحركات مكثفة، أدركت الدول الإفريقية أنه لن يكون لأي مرشح فرصة حقيقية سوى بطرس غالي، فتوافقوا على دعمه رسميًا.
أسفرت عملية التصويت النهائي داخل مجلس الأمن عن فوز بطرس غالي بأغلبية 11 صوتًا، مع امتناع دولة واحدة، ويقول نبيل العربي: "أظن أن الولايات المتحدة هي الدولة التي امتنعت عن التصويت".
لكن الولايات المتحدة التي لم تكن راضية عن توليه منذ البداية، عارضت بحدة ترشحه لولاية ثانية، مستخدمة حق "الفيتو" لوقف التجديد له عام 1996. ويعود ذلك إلى عدة أسباب، منها الخلافات حول تمويل الأمم المتحدة، والتوترات مع الإدارة الأمريكية حول إدارة ملفات دولية حساسة، خاصة أزمة البوسنة.
ويرجح نبيل العربي أن تقرير قانا الذي أعده بطرس غالي، وكشف فيه جرائم الاحتلال الإسرائيلي خلال المجزرة التي وقعت عام 1996 وأدت إلى استشهاد 106 من المدنيين اللبنانيين، كان سببًا جوهريًا في الموقف الأمريكي؛ إذ أحرج إسرائيل أمام العالم، وأثار غضب واشنطن.
وبعد استخدام الفيتو ضد التجديد لغالي، أُجري اقتراع غير رسمي في مجلس الأمن، حصل فيه كوفي عنان على 12 صوتًا مؤيدًا. عندها قررت مصر عدم المضي في ترشيح غالي مرة أخرى، حرصًا على عدم خسارة الإجماع الدولي الذي كان يتشكل حول كوفي عنان، والذي أصبح لاحقًا الأمين العام الجديد للأمم المتحدة.