نعود مرة أخرى لمقدمات الكتب، ونتوقف مع كتاب " عن العشق والسفر: حائط الذكريات" لـ نهى عودة، والتي تقول في المقدمة:
صور عديدة جمعتنا كعائلة صغيرة خلَّدت هذه اللحظات، وصنعت منها حائطًا ضخمًا من الذكريات، وقصصًا لا تُنسى عن العشق وعن السفر … آمنت بهذه الكلمات قبل أن أسمعها بسنوات عديدة، قبل أن أتزوج وأكوّن أسرتى الصغيرة، قبل أن أقابل زوجي، بل قبل أن أعى حتى معنى الكلمات نفسها، أشعر وأننى قد وُلِدت هكذا، عائلتى هى كل شيء.
فى صغري، كانت عائلتى كبيرة. عشت سنوات طفولتى كاملة بينهم، ألهو وأضحك وأبنى تِلالًا من الذكريات، مخزونًا لا نهائيًا يكفينى سنوات عمرى القادمة كلها. حين كبرت وبدأت طموحاتى المشروعة فى تكوين أسرتى الخاصة كانت أحلامى كبيرة بحجم السماء. تمنيت أن أنجب أبناءً كُثُر نعيش معًا فى بيت كبير … كبير جدًا. وحين أبلغ السبعين، أجمع أحفادى الخمسين على مائدة إفطار عامرة أعِدّها بنفسى يوميًا. أمازح هذا وأحادث هذه، وأنسى أسماءهم فيضحكون.
عن العشق والسفر
لم أصارح أحدًا بهذه الأحلام الخيالية خشية الاستهزاء بها. لكنه لم يفعل. أذكر الآن كيف جلسنا ذات مرة لاختيار أسماء أبنائنا العشرة، أخرج ورقة وشرعنا فى الكتابة، نكتب مرة بجدية، ومرة أخرى نختار مازحين أسماء عتيقة … ونضحك.
حين تزوجنا، اتفقنا على أن نصنع أسرتنا منذ اليوم الأول. أنجبنا ثلاثة أطفال لا عشرة، لكننا منحناهم حبًّا واهتمامًا يكفى عشرينًا … أو هكذا حاولنا.
حين نجلس سويًا لنُخطط لمستقبلهم، أخبره بحلمى القديم، بيت واسع، من عدة طوابق، ومائدة تكفى الأبناء والأحفاد، وإفطار أعده أنا. يبتسم، ويُخبرنى بأنه حلم لطيف لكنه صعب المنال. سيكبر الصغار ويصير لكل منهم حلمه الخاص، سيمضى فى طريق حلمه كما فعلناها نحن أيضًا.
- لا أريد أن يرحلوا ويتركوننا.
هكذا أقول فى أسى، فيضمنى فى حنان ويقول باسمًا:
- سيرحلون، لكنهم لن يتركوننا.
نظرت له فى حيرة وأنا أفكر، كيف سيفعلونها، لكنه لم يتركنى كثيرًا لأفكارى وتساؤلاتى وأردف بعدها:
دعينا نفكر معًا كيف نفعل ذلك.
يومها لم أنم، ظلت الأفكار تعصف بى وتلاحقني. كلماته تتردد فى ثنايا عقلى … سيرحلون، حسنًا. هذا إذن أمر لا مفر منه. فما السبيل لإبقائهم حتى ولو رحلوا؟ لمعت الفكرة فى رأسي.
كانت الفكرة بسيطة لكنها ملهمة، لو أرادوا الرحيل فلن أمنعهم، لكننى سأحتفظ بنسخة ثانية منهم. مخزون كافٍ من الذكريات يعيننى على تحمل فكرة انغماسهم فى الحياة، وعدم تحقيق حلم ذلك البيت الكبير …
فى صباح اليوم التالي، أخبرته بما عزمت أن أفعله. سأصنع مخزونًا جديدًا من الذكريات، لكننى لن أتركه هذه المرة يغيب فى ثنايا الذاكرة، ليُستدعى فقط فى أمسية قد تتكرر كل بضع سنوات. سأحيط نفسى بهذه الذكريات وأصنع حائطًا منها.
- حائط ذكريات!
تعجب قليلًا حين حدثته عن فكرتي. ظن أن كلمة «حائط» هنا مجازية، لكننى كنت أعنيها. سأصنع حائطًا لذكرياتى مع عائلتي. فى كل بيت سأسكنه، سأسعى لخلق هذا الحائط. سأتَوِّجُه بصور عديدة لنا، وسأجتهد لحفظ كل ذكرى جميلة فى صورة من هذه الصور.
اليوم أعلنها بفخر وسعادة … لقد نجحت!
فعلتها فى بيتى الأول فى الإسكندرية بألبومات تجاوز عددها العشرين، ثم أكملت ذلك بحائط كامل فى بيتى بالرياض. وحين رحلنا إلى أستراليا استبدلت عدة حوائط، أحدهما بالإسكندرية والآخرون فى سيدني، بهذا الحائط.
مئات الصور المطبوعة والمُعلقة، وآلاف النسخ الإلكترونية المُخزنة بانتظار مساحة جديدة على الحائط، والمزيد من الذكريات المحفوظة. حين تحدثنا منذ شهور عن هذا الكتاب اقترح أن أحكى عن هذا الحائط، أحول الذكرى إلى كلمات مكتوبة، وأشارك حائطى مع كل من تمنى مثلى بيتًا كبيرًا، ومائدة طويلة عامرة بالأحفاد، وإفطار يُصنَع لعائلة هى كل شيء.