قدمت السينما المصرية في فترة الأفلام الصامتة عددًا من الأفلام التي تركت خطوة مهمة في طريق الصناعة، وهو ما يتحدث عنه كتاب "قصة السينما في مصر" لسعد الدين توفيق، الذي صدر عن دار الهلال 1969. لكن ما أهم فيلم مصري صامت؟
يقول الكتاب تحت عنوان "زينب"
كانت أهم تجربة في السينما المصرية في مرحلتها الصامتة هي فيلم "زينب" الذي أخرجه محمد كريم، وعُرض في سينما متروبول بالقاهرة في 12 مارس 1930، وكانت هذه هي أول مرة يظهر فيها على الشاشة فيلم مأخوذ عن عمل أدبي. فقصة زينب كانت أول قصة مصرية تُنشر، كتبها مؤلفها الدكتور محمد حسين هيكل عندما كان يدرس القانون في فرنسا في سنة 1910، ونشرها في كتاب سنة 1914، ولكنه لم ينشرها باسمه، وإنما سجل على الغلاف أنها "مناظر وأخلاق ريفية .. بقلم مصري فلاح".
وكان محمد كريم قد قرأ قصة (زينب) عندما كان يدرس السينما في ألمانيا، وأعد سيناريو لإخراجها على الشاشة، ولكنه لم يجد منتجًا واحدًا يقبل إنتاج هذا الفيلم، حتى في ألمانيا رفضت شركة أوفا السينمائية مشروع كريم أن يكون الفيلم إنتاجًا مصريًّا - ألمانيًّا مشتركًا، وفي القاهرة رفض المنتجون الأجانب، ومنهم باردى صاحب سينما أوليمبيا، إنفاق أموالهم على إنتاج فيلم تجري حوادث قصته في الريف وأبطاله من الفلاحين... وأبدوا استعدادهم لإنتاج فيلم عصري حوادثه في القصور، ولكن محمد كريم كان مصممًا على تقديم (زينب).

زينب
وأخيرًا لجأ إلى صديقه يوسف وهبي، صاحب فرقة رمسيس المسرحية، وعرض عليه إنتاج هذا الفيلم الذي لن يتكلف أكثر من خمسمائة جنيه، فوافق يوسف وهبي، ولم تكن هناك استوديوهات للسينما في بلادنا في ذلك الوقت، وكانت الكاميرا تُدار باليد، وكانت الإضاءة تتم بواسطة مرايا أُلصقت عليها قطعة من قماش من التل الأبيض تشبه "الناموسية"، أو بواسطة لوحات كبيرة مغطاة بالورق المفضض تعكس أشعة الشمس على وجوه الممثلين.
وفي هذا الفيلم الصامت استخدم كريم "الكاميرا كرين" لأول مرة في السينما المصرية لتصوير لقطة من أعلى، وفي هذه اللقطة نرى يدًا تمتد إلى صحن ثم ترفع غطاء الصحن، وهنا ترتفع الكاميرا إلى أعلى أكثر فأكثر، وعندئذ نرى أن اليد الممتدة هي يد أحد أفراد أسرة جلست حول مائدة الطعام. ولتصوير هذه اللقطة، كان المصور يجلس فوق قاعدة كبيرة من الخشب، على حافتها سُلِّطت الكاميرا إلى أسفل، وكانت القاعدة الخشبية مربوطة بالحبال إلى بكرة، فلما بدأ التصوير قام عدد من الرجال الأشداء بشد طرف الحبل، فارتفعت القاعدة الخشبية وعليها الكاميرا والمصور، واستغرق تصوير هذه اللقطة العلوية ثلاث ساعات، وتكلفت أحد عشر جنيهًا!
واستمر تصوير الفيلم كله سنتين، لم يكن التصوير فيهما يجري كل يوم، بل إن عدد أيام التصوير لم يزد على 64 يومًا، وإنما اقتضى تصوير بعض المشاهد انتظار حلول فصل جديد من فصول السنة، فمثلًا، في مشهد واحد تظهر زينب مع حبيبها الفلاح الفقير إبراهيم تحت شجرة جميز كبيرة وسط الحقول في فصل الربيع، وكل ما في الأرض أخضر وجميل ويانع، وفي مشهد آخر في نفس المكان نرى زينب وحدها، تعيسة حزينة وحيدة بدون حبيبها لأنها أصبحت رغم إرادتها زوجة الفلاح الثري. وهنا نرى الطبيعة في صورة مختلفة، فأغصان الأشجار أصبحت عارية، وكل ما كان أخضر يانعًا وجميلًا، عمَّ داكنًا وقبيحًا.

المخرج محمد كريم
وفي هذا الفيلم قدَّم محمد كريم فكرة مبتكرة، وهي تقديم مشهد واحد ملون، وهو مشهد زينب عندما ذهبت إلى السوق لتشتري بعض الحُلي والملابس الملوَّنة استعدادًا للفرح. وقد صُوِّر هذا المشهد كله على فيلم عادي (أبيض وأسود)، ثم أُرسل إلى باريس لتلوينه - باليد - في معامل باتيه، وكان طول هذا المشهد 400 متر، وتكلف تلوين المتر الواحد جنيهًا كاملًا، أي أن هذا المشهد وحده كلف المنتج ربع ميزانية الفيلم تقريبًا.
وتجري حوادث القصة في قرية، وهي قصة حب، فقد أحبت الفتاة القروية زينب فتى قرويًّا فقيرًا هو إبراهيم، ولكن أهلها زوَّجوها من فتى غيره أكثر منه ثراء، وهو حسن، فَقَنَعَت زينب من هواها بعد زواجها باستطاعتها أن ترى إبراهيم وتُقابله لأنه معها في القرية، ثم استُدعي حبيبها للخدمة العسكرية، وعانت زينب من فراقه كثيرًا، وقضت نحبها على فراش المرض، وفاضت روحها في الوقت الذي كان حبيبها إبراهيم واقفًا مراسلة على باب ضابطه وهو يحس بالألم ولا يدري له سببًا.
وعندما نتحدث اليوم عن مدرسة الواقعية الجديدة في السينما الإيطالية، فإننا ننسى دائمًا أن السينمائي المصري كان يصوِّر أفلامه في الشوارع والحقول وفوق أسطح البيوت منذ أربعين سنة، لسبب بسيط، وهو أنه لم تكن في بلادنا وقتئذ استوديوهات، فلم يكن ثمة بد من تصوير الأفلام في أماكن حقيقية، وكان محمد كريم هو أول مخرج مصري أظهر القرية المصرية على الشاشة، فقد تم تصوير مشاهد فيلم (زينب) في سنة 1928 في قرى الشرقية والقليوبية والفيوم، وبصعوبة بالغة أمكن تصوير أبطال الفيلم في شوارع القرية وأمام بيوت حقيقية.
وكثيرون لا يعرفون أن القصة التي ألَّفها الدكتور هيكل هي قصة حقيقية وقعت فعلًا في كفر غنام بمحافظة الشرقية، وقد ذهب محمد كريم إلى هذه القرية قبل تصوير الفيلم، ورأى بيت "زينب الإمام" – وهذا هو اسمها الحقيقي – ورأى جيرانها وأفراد أسرتها، ثم اكتشف هناك سرًّا عجيبًا، وهو أن مؤلف القصة، الدكتور هيكل نفسه، كان يحب زينب.

إعلان الفيلم
أكثر من هذا، إن محمد كريم سبق السينما الواقعية الإيطالية بربع قرن. فقد استخدم عددًا كبيرًا من الفلاحين الحقيقيين في تمثيل الفيلم، بل إن بعضهم قام بأدوار رئيسية، مثل الشيخ حسن الكاملي ناظر الزراعة، الذي قام بدور والد (زينب). وعندما أراد محمد كريم أن يجعل هذا الأب يبكي في مشهد وفاة ابنته، لم يستطع الشيخ حسن أن يبكي، وصُوِّر المنظر أكثر من مرة والشيخ حسن لا يستطيع أن يبكي. وأخيرًا طلب محمد كريم من علوية جميل أن تجلس إلى جوار الكاميرا، وعندما يدخل الأب إلى غرفة ابنته ويرى جثتها هامدة، تنطلق علوية في الصراخ وتلطم وجهها وهي تقول: "يا بنتي يا حبيبتي.. يا روح أمك يا زينب!".. وما كاد الشيخ حسن يدخل الغرفة والكاميرا تدور، حتى فوجئ بهذا الصراخ، فانفجر باكيًا، وتم تصوير المشهد بنجاح تام.
ولم يكن الفلاحون هم وحدهم الذين يمثلون لأول مرة، بل إن كل أبطال الفيلم، وهم بهيجة حافظ، وزكي رستم، وسراج منير، ودولت أبيض، وعلوية جميل، كانوا أيضًا يقفون أمام الكاميرا لأول مرة، ولكي يساعد بهيجة حافظ على الاندماج في دورها، استخدم محمد كريم عازفًا على الكمان جعله يقف خلف الكاميرا ويعزف ألحانًا مؤثرة، وهذا العازف هو دافيد رئيس أوركسترا مسرح رمسيس.
وحقق فيلم زينب عند عرضه في سينما متروبول في 12 أبريل 1930 نجاحًا هائلًا، وقد أذهلت هذه النتيجة أصحاب دور العرض، وكانوا جميعًا من الأجانب، وكانوا يضعون العراقيل في وجه هذا الفيلم بحجة أن المتفرجين لن يُقبلوا على فيلم تجري حوادثه في الريف.
وبعد هذا النجاح، قام الدكتور هيكل بإعادة طبع قصته في كتاب وضع عليه اسمه صريحًا، أكثر من هذا، أن قصة زينب هي القصة المصرية الوحيدة التي ظهرت على الشاشة مرتين: مرة في فيلم صامت سنة 1930، ومرة في فيلم ناطق سنة 1952. وعندما ظهرت الأفلام الملونة، حاول محمد كريم أن يعيد إخراجها للمرة الثالثة في فيلم ملون.
وفي مرحلة الفيلم الصامت لم يكن إنتاج الفيلم هو المشكلة، بل كانت هناك مشكلة أكبر تنتظر المنتج، وهي مشكلة توزيع الفيلم. فلم تكن هناك شركات توزيع، بل كانت كلها شركات إنتاج فقط.
خذ مثلًا كيف تم توزيع فيلم زينب بعد عرضه الأول في سينما متروبول. لقد نشرت مجلة "الصباح" في 28 نوفمبر 1930 الإعلان التالي:
"إلى حضرات أصحاب ومديري دور السينما بالقطر المصري: كل من يريد استثمار هذا الفيلم العظيم فليخاطب صديق أحمد متعهد الحفلات المعروف. المخابرة يوميًا بمطبعة الرغائب بشارع محمد علي بدار المؤيد بمصر".