ـ بين الحزن والفخر.. أم الشهيد تضمد الغياب بمتحف ينبض بالحياة
ـ في "متحف الشهادة.. الأم تُعيد صياغة الذكريات في منزل صغير
ـ في قلب الهرم.. المتحف يروى للأجيال ملحمة البطل ضياء
في قلب حيّ الهرم بمحافظة الجيزة، يقف منزل السيدة نجاة الجافي شامخًا كأنه نصب تذكاري ينبض بالحياة، ليس منزلًا عاديًا، بل متحفًا صغيرًا يحتضن ذكريات الشهيد النقيب ضياء فتوح، الذي وهب حياته فداءً للناس، وترك خلفه أثرًا أكبر من غيابه.
حين تخطو إلى الداخل، تستقبلك رائحة الأمومة التي اختلطت برائحة الشهادة، جدران المنزل تُخبرك بقصة لا تنتهي، تزينها صور "ضياء"، صغيرًا بحقيبته المدرسية، وشابًا بابتسامته الواسعة فى زيه العسكرى، ثم ضابطًا شامخًا بشرف البذل والعطاء، على رفوف خشبية بسيطة، وضعت الأم كل ما تبقى من ابنها، وكأنها ترمم غيابه بذكرياته.

صور الشهيد
هنا.. سترى قميصًا بحجم طفل صغير، يحمل بقع الحبر التي تركتها يده حين تعلّم الكتابة لأول مرة، وإلى جواره دفتر مدرسي، عليه كتابة طفولية تقول: "أحبك يا أمي"، يتدرج الزمن على الأرفف كأنه سلم من الحنين؛ ملابس رياضية، أول ساعة يد أهديت له، شريط كاسيت قديم يسجل صوته المليء بالبهجة، وشهادات تقدير يعلوها اسمه البهي.
وفي زاوية خاصة، أعدت الأم ركنًا للزي العسكري، مكوّنًا من بدلة ضياء الرسمية، وحذائه الميداني، وشارة باسمه، تلك الزاوية تبدو كأنها أكثر من مجرد ركن؛ إنها مساحة مقدسة تفيض بالصمت المهيب.
.jpeg)
محرر اليوم السابع يحاور أم الشهيد (1)
حديث الأرواح
على كرسي خشبي قديم، تجلس السيدة "نجاة" لساعات طويلة، تهمس بحب لابنها الذي رحل جسدًا وظل روحًا تسكن البيت: "وحشتني، لكني فخورة بيك، رفعت راسي وأنا أقول: أنا أم الشهيد"، تقول هذه الكلمات وهي تمسك بآخر صورة التقطها ضياء قبل استشهاده، تبتسم، لكن عينيها تغرقان في بحر من الذكريات.

متحف الشهيد في منزله
المشهد الأخير
"ضياء" الذي حمل روحه على كفه، ودّع الدنيا في مشهد بطولي أبكى الجميع، لم يتردد لحظة عندما اقترب من قنبلة زرعها الإرهابيون في محيط قسم شرطة الطالبية بشارع الهرم، خطوة واحدة كانت كافية ليضع حياته على المحك، فتفجرت القنبلة في جسده، لكنه نجح في إنقاذ أرواح عشرات الأبرياء.
تقول السيدة نجاة: "كنت أعلم أن اليوم سيأتي، تحدثنا قبل يوم استشهاده، وقال لي: ادعيلي يا أمي، دعوة كأنك تودّعيني، شعرت بشيء غريب، لكنه كان دائمًا يردد: العمر واحد والرب واحد."
بعد استشهاده، وقفت الأم أمام خيارين: أن تحبس نفسها في حزنها، أو أن تُخلّد ذكرى ابنها لتُبقيه حاضرًا بيننا، فاختارت تحويل منزلها لمتحف، قالت: "كل قطعة هنا تشبهه، تذكّرني أنه معي، تجلب لي الصبر والسلوان."

متحف الشهيد في منزله
متحف الصبر والفخر
ليس المتحف مجرد مكان لعرض مقتنيات الشهيد، بل هو شهادة على علاقة فريدة بين أم وابنها، ترى في كل زاوية حبًا عميقًا وفخرًا لا يوصف، تقول السيدة نجاة: "لم أبكِ يوم رحيله، زغردتُ فرحًا لأن ابني نال الشهادة التي تمنى، وشاهدت جسده الطاهر لأطمئن أنه ذهب إلى الملائكة ضاحكًا مستبشرًا."
على الرغم من أن الأم تعيش في صمت موجع، إلا أن صوتها يحمل قوة لا مثيل لها، تقول: "ابني كان بطلًا حيًا، وهو بطل الآن وهو شهيد، رفع رأسي عاليًا في حياته، وترك لي إرثًا من الشرف بعد رحيله."
.jpeg)
محرر اليوم السابع يحاور أم الشهيد (2)
رسالة للأجيال
منزل السيدة نجاة ليس مجرد متحف صغير في الجيزة، بل رسالة قوية للأجيال القادمة، رسالة تقول إن الشهادة ليست نهاية، بل بداية لحياة جديدة في قلوب من أحبوا الشهيد.
تقول الأم: "ضياء أهداني هذا المنزل كهدية أخيرة، لأسكن فيه مع مقتنياته، وأعيش معه كل يوم، أراه في كل زاوية، وأشعر بأنفاسه في كل مكان."

الشهيد النقيب ضياء فتوح
وعد باللقاء
في نهاية حديثها، تُغمض السيدة نجاة عينيها وتهمس لروح ابنها: "موعدنا الجنة يا ضياء، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وحشتني، لكنك دائمًا معي."
هذا المنزل، الذي تحول من مسكن بسيط إلى متحف للأمل والخلود، يروي قصة بطل شجاع، وأم عظيمة حوّلت الحزن إلى إرث من الفخر.