تتوالى حلقات مسلسل "صحاب الأرض"، لنبصر من خلالها الحياة التي يصرّ الفلسطيني على انتزاعها من بين أنياب آلة الدمار الصهيونية. فيه لا نشاهد حربًا فقط، بل نقرأ رسالة دافئة، مغموسة بتراب الأرض، تحتفي بمن بقي وبمن رحل، وبمن لا يزال يمسك بمفتاح بيته كأنه يمسك بقلبه. في كل مشهد نحبس أنفاسنا، لا لأن القصف يقترب، ولا لأن القنّاصة يتربصون بالأبرياء العزل، بل لأن الحياة نفسها تبدو معلّقة بين ثانية وأخرى.
المسلسل الذي أخرجه بيتر ميمي لا يتعامل مع غزة بوصفها خلفية للصراع، بل باعتبارها قلبًا نابضًا. هناك، في تلك اللحظات المكثّفة، يتشبث الناس بأدق تفاصيل يومهم العادي: حديث عابر عن طعام مفضل، مزحة صغيرة، ذكرى قديمة، خطة مؤجلة. كأن لا شيء يحدث. وكأن كل شيء يحدث في آنٍ واحد.
أكثر ما يوجع في العمل أنه لا يصوّر الخوف كصراخ دائم، بل كصمتٍ ثقيل. الخوف هنا ليس فقط من الموت، بل على الحياة.
حين يشتد الرعب، لا ينهار الأبطال، بل يعودون إلى التفاصيل الصغيرة، إلى الحكايات، إلى الضحكة العابرة، إلى الحب. كأن الإنسان، في أقسى لحظاته، يختار أن يتذكر لماذا يريد أن يعيش.
قصص الحب الفلسطينية في المسلسل ليست ترفًا دراميًا، بل مقاومة ناعمة في وجه الوحشية. أن تحب في زمن الركام… هذا فعل مقاومة. أن تضحك تحت سماء تمطر نارًا.. هذا فعل بقاء.
يتصاعد العمل دراميًا بهدوء وذكاء. الخطوط المرتبطة بالشخصيات تزداد ثراءً وعمقًا مع كل حلقة. الشخصيات ليست رموزًا مسطحة، بل بشر من لحم ودم:
تحزن، تخسر، تضحك، تضعف، تفقد أعصابها.. وأحيانًا تغضبك.
هنا يكمن سر التأثير. حين ترتبط بالشخصية، لا لأنك تتعاطف معها فقط، بل لأنك تراها إنسانًا كاملًا بتناقضاته، يصبح ألمها ألمك. هذه الحالة من الربط الصادق بين المشاهد والشخصية هي ما يمنح العمل ثقله الإنساني الحقيقي.
مشاهدة المسلسل، بعيدًا عن أي ملاحظات نقدية، تجربة صعبة وموجعة. قاسية على من يشاهد من الخارج.
فكيف بمن يعيش التفاصيل؟ كيف بمن يرى الملامح ذاتها في بيته وشارعه وذاكرته؟
ما نراه على الشاشة، رغم قسوته، ليس إلا شذرة من واقع أكثر إيلامًا.. الركام، نقص الغذاء، الجوع، الانتظار الطويل، سرقة الجثامين… كلها تفاصيل تمر في العمل كطعنة صامتة، بلا مبالغة، بلا استعراض، فقط كحقيقة ثقيلة.
من أجمل الخطوط في المسلسل ذلك المتعلق بسائقي المساعدات.
الشهامة المصرية ليست شعارًا هنا، بل فعلًا حيًا. تحرك السائق سمير (عصام السقا) ورفاقه ليس مدفوعًا ببطولة خارقة، بل بإنسانية بسيطة: "لازم نوصل". في هذا الخط تحديدًا يتجلى الدفء وسط البرودة،والكرامة وسط الخراب.
وقت الحرب… إما أن تصارع لتعيش، أو تقاوم ليعيش من حولك. وهؤلاء اختاروا الاثنين معًا.
من أكثر الرموز حضورًا في المسلسل مفتاح البيت الفلسطيني. فالمفتاح ذاكرة لا تُقصف، مفتاح يُسلَّم من جد إلى جد، حتى يصل إلى الحفيد.
ليس مجرد قطعة معدن، بل عهد، ذاكرة، وعد بالعودة.. عودة "صحاب" الأرض والدار. وعد يختصر تاريخًا كاملًا من التشبث بالحق، من الصبر، من الإيمان بأن البيت، مهما طال الغياب، يعرف أصحابه.
"صحاب الأرض" ليس عملًا يُشاهَد بسهولة، لكنه يُحَبّ بعمق.
هو دراما تحاول أن تلامس جرحًا مفتوحًا، لا لتستغله، بل لتقول: نحن نرى، نحن نشهد، نحن نتذكر.
إلى غزة… إلى أهلها الذين عانوا وما زالوا… إلى الذين يتمسكون بالحياة كأنها آخر خيط نور في العتمة… هذا العمل يشبهكم: موجع… لكنه حي.
كل ما يخص مسلسلات رمضان 2026.. اضغط هنا للدخول إلى بوابة دراما رمضان 2026