جاء بيان جمعية نقاد السينما المصريين الأخير ليعيد طرح واحدة من أكثر القضايا حساسية في المشهد الثقافي المعاصر: حدود حرية التعبير الفني في زمن تحكمه المنصات الرقمية، وسلطة الرأي العام التي تتشكل لحظيًا تحت تأثير "الترند".
لم يكن البيان مجرد دفاع تقليدي عن حرية الإبداع، بل بدا كتحذير ثقافي واضح من مناخ جديد قد يتحول، إذا تُرك دون مواجهة، إلى شكل من أشكال الرقابة المجتمعية غير الرسمية.
البيان ينطلق من مبدأ أساسي طالما شكل العمود الفقري لأي حركة فنية حقيقية: أن حرية التعبير ليست امتيازًا، بل شرط وجود للإبداع نفسه، فالفن، بطبيعته، مساحة للتجريب وإعادة القراءة وطرح الأسئلة المزعجة أحيانًا، من هنا، يصبح أي تدخل لفرض مقاييس جاهزة، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو حتى رقمية مرتبطة بمنطق التفاعل والترند، تهديدًا مباشرًا لطبيعة الفن.
أهمية البيان لا تتوقف عند الدفاع عن الفنان وحده، بل تمتد إلى إعادة تعريف العلاقة بين الفنان والجمهور والنقاد. فهو يؤكد أن حرية الفنان في الطرح يقابلها حق الجمهور والنقاد في التقييم والرفض والاختلاف، لكن دون الانزلاق إلى التشويه أو التخوين أو الإقصاء، وهذه النقطة تحديدًا تعكس محاولة لإعادة ضبط ميزان الحوار الثقافي الذي اختل في السنوات الأخيرة مع تصاعد ثقافة "الإلغاء" الرقمية.
من أبرز النقاط التي يطرحها البيان مسألة تناول الشخصيات التاريخية دراميًا. فالتأكيد على أن القيمة التاريخية لا تعني القداسة يمثل دفاعًا عن جوهر الفن الدرامي نفسه، الذي يقوم على إعادة تفسير الشخصيات والأحداث من زوايا متعددة، تاريخ الفن العالمي والعربي، قائم على إعادة قراءة التاريخ، وليس إعادة نسخه حرفيًا.
لكن قراءة البيان في سياق اللحظة الحالية تكشف أبعادًا أوسع. فوسائل التواصل الاجتماعي، التي بدأت كمنصات تتيح التعبير الحر، باتت في أحيان كثيرة ساحة لمحاكمات جماعية سريعة. هنا تظهر المفارقة: منصات تضع سياسات صارمة ضد خطاب الكراهية على المستوى النصي، لكنها قد تبدو أقل قدرة، أو أقل تدخلًا، في مواجهة حملات الضغط الجماعي التي تستهدف إسكات الآراء المخالفة.
هذا التحول يطرح سؤالًا ثقافيًا أعمق: هل أصبح "الترند" سلطة موازية؟
ففي كثير من الحالات، لا يُقاس العمل الفني بقيمته أو طرحه، بل بمدى توافقه مع المزاج الرقمي السائد. ومع الوقت، قد يؤدي ذلك إلى إنتاج فن "آمن" يخشى الصدام مع الجمهور، بدلًا من فن حقيقي قادر على طرح الأسئلة.
قوة بيان جمعية النقاد تكمن في أنه لا يدافع فقط عن حرية الفنان، بل عن فكرة التنوع الفكري نفسها.فالمجتمع الذي يسمح بتعدد الرؤى هو مجتمع قادر على التطور الثقافي. أما المجتمع الذي يختزل النقاش في ثنائية "مع أو ضد"، فهو يمهد تدريجيًا لمناخ إقصائي، حتى لو لم يقصد ذلك.
في النهاية، يمكن اعتبار البيان محاولة لاستعادة التوازن في معادلة معقدة:
حرية الفنان في الإبداع، وحرية الجمهور في التقييم، ومسؤولية المنصات في حماية مساحة النقاش دون السماح بتحولها إلى ساحة إقصاء جماعي.
وإذا كان الفن مرآة المجتمع، فإن الدفاع عن حرية الإبداع ليس دفاعًا عن الفنان وحده، بل عن قدرة المجتمع نفسه على التفكير، والتخيل، والاختلاف.