قبل 94 عامًا، وفي حفل أقامه نادي مدرسة المعلمين العليا لتكريم أمير الشعراء أحمد شوقي قبل وفاته بشهور قليلة، في أكتوبر عام 1932، لم يجد شوقي مناسبة تليق برد التكريم للمعلم أفضل من هذا الحفل؛ ليلقي قصيدته المشهورة التي قال فيها:
قف للمعلم وفِّه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا
أعلمت أشرف أو أجل من الذي يبني وينشئ أنفسًا وعقولا
زار شوقي المعلمين في مقر النادي الخاص بهم بالقاهرة؛ ليكرم المعلم إجلالًا لدوره العظيم، بقصيدة ما زال مطلعها تردده الأجيال، دليلًا على مكانة العلم والتعليم والمعلم بين الناس.
قصيدة شوقي كانت شعارًا وعنوانًا كبيرًا لمكانة المعلم وهيبته وشموخه في مدارسنا حتى زمن قريب. ومع التحولات الاجتماعية والسلوكية والاقتصادية، مع نهاية السبعينيات وما تلاها، وإعلاء قيم الاستهلاك والإنفاق، وغزو المال للاستثمار في التعليم، وبروز ظاهرة المدارس الخاصة، وبعدها الجامعات الخاصة، والاستقواء بالمال والنفوذ لدى أجيال جديدة من الطلبة، اهتزت صورة المدرس وتأثرت مكانته وهيبته، وأصبح الحلقة الأضعف في المنظومة التعليمية.
المعلم لم يعد «رسولًا»، بل «ملطشة» ونموذجًا للاستهزاء والسخرية. لا تنسى ما فعلته مسرحية «مدرسة المشاغبين» من كوارث في سلوك الطلبة مع المدرسين، ووجد نفسه وحيدًا، لا أحد يحميه أو يدافع عنه، واللوم والتأنيب كله عن أزمات التعليم يتحمله وحده، حتى من المسؤولين أنفسهم..!
غابت زيارات الشعراء والأدباء عن المدارس، وحضرت زيارات المحافظين ورؤساء المدن.
بعض المسؤولين يجدون في زيارات المدارس فرصة ذهبية لاستعراض السلطة بلغة الاستعلاء على المدرسين ومديري المدارس، الذين لا حول ولا قوة لهم أمام عجز الإمكانيات وقلة الموارد وضعف المخصصات المالية للصيانة والإصلاح للفصول والمباني. لكن في بعض الحالات تتجلى الضمائر المصرية لدى عدد من المدرسين والمديرين في إيثار المصلحة الوطنية رغم المصاعب الاقتصادية والمعيشية، وإصلاح ما يستطيعونه بالجهود الذاتية مع أولياء الأمور، حبًا وإخلاصًا للوظيفة المقدسة.
من بين هذه الضمائر كان «ضمير أبلة صالحة عبد الفضيل»، مديرة مدرسة الشهيد أحمد سمير بكفر الجزار، في مدينة بنها بمحافظة القليوبية. نموذج مصري أصيل ما زال يتمسك بقيم ومبادئ وجماليات الوظيفة الاستثنائية لتربية وتعليم وتخريج أجيال من النشء من أجل الوطن. تعمل في صمت، لم تنتظر جزاءً ولا شكورًا على تضحياتها وإنجازاتها البسيطة.
وقفت الأبلة صالحة بكل شجاعة وكرامة، كسيدة مصرية تعرف واجباتها، لتفاجئ محافظ القليوبية بما قدمته من أجل المدرسة هي ووكيلة المدرسة. تجاوزت التوبيخ واللوم واستعراض السلطة الأجوف بكل شموخ، وكشفت الحقائق أمامه، والأموال التي تم إنفاقها لإصلاح المرافق من صرف صحي وكهرباء بالمدرسة، بالمستندات. وانقلب السحر على الساحر، وتحولت الزيارة إلى إشادة بشجاعة مديرة المدرسة وتماسكها وعدم ارتباكها أو خوفها من زيارة المسؤول الأول بالمحافظة للمدرسة.
كان من الأولى أن يقدر السيد المحافظ مجهودات المديرة ومن معها لتدبير المصاريف اللازمة، في ظل عجز إمكانيات ومخصصات مديرية التربية والتعليم بالمحافظة عن سد احتياجات المدرسة، ويقدم الاعتذار الواجب لها ويكرمها التكريم اللائق بها. والأدهى أن السيد المحافظ تمادى في التوبيخ واللوم والاستنكار لمديرة مدرسة تنفق من مرتبها الشهري لإصلاح المدرسة التي تتولى مسؤوليتها، ولم يقبل أن تتطوع مع الوكيلة وأولياء الأمور بالأموال الخاصة: «إزاي تصرف على الدولة يعني؟».
الزيارة جاءت بالنتائج العكسية للسيد المحافظ، وأثارت جدلًا موسعًا بين المهتمين ونقابات المعلمين عن طبيعة تلك الزيارات الاستعراضية التي يصاحبها توبيخ للمعلم، بالمخالفة للتقاليد والقواعد الإدارية، ودون التنسيق مع الجهات المعنية بالتعليم. وأصدرت نقابة المعلمين بيان استنكار، وسارع وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف بتكريم مديرة المدرسة ومدير مدرسة رقطا الإعدادية أيضًا، صاحب واقعة «الجلابية»، وفي محافظة القليوبية أيضًا..!
نحن أمام معضلة حقيقية في الزيارات الميدانية للمسؤولين للمدارس في قرى المحافظات. فالحفاظ على كرامة المعلم وصورته وهيبته، سواء كان مدرسًا أو مدير مدرسة، وعدم التشهير به، لا يمكن تجاوزهما وفقًا للقيم والقانون. كما أنه من سلطة وحق المحافظ القيام بزيارات ميدانية للوقوف على انتظام سير العمل والالتزام بالقواعد والقوانين.
هنا تبقى مسألة الالتزام بالسلوك الواجب، وبالقواعد الأخلاقية والقانونية في العلاقة بين المسؤول والموظف العام في المدارس وباقي الجهات الحكومية الأخرى. فما يحكم العلاقة هو القانون والإجراءات التأديبية، وليس الصوت العالي والتوبيخ والتأنيب والتشهير على مواقع التواصل الاجتماعي. إنها علاقة يحكمها الاحترام والالتزام.