تتداعى الأحداث العالمية وتتسارع بشكل غير مسبوق، كاشفًة عن صراع محوري لم يعد يعتمد على المواجهة العسكرية المباشرة فحسب، بل يمتد إلى حروب هجينة واستراتيجيات لتفكيك الدول من الداخل. إن ما نشهده اليوم من محاولات عابرة للحدود لإضعاف القوى المحورية في الشرق الأوسط والعالم—وفي مقدمتها مصر وروسيا—هو جزء من مخطط غربي تقوده الولايات المتحدة، يهدف إلى سلب الدول أدوات قوتها وسيادتها الوطنية، واستبدال مفاهيم الهوية والاستقلال بشعارات براقة تُستخدم كغطاء ناعم للسيطرة والنهب.
"الساعة والسلاح".. فلسفة اختراق الجبهات
تتلخص جوهر الهجمة الغربية في المحاولات الممنهجة لاختراق الجبهة الداخلية، وهو ما جسدته الحكمة الروسية التي استشهد بها الرئيس فلاديمير بوتين في مجازه الشهير عن "الساعة والسلاح"؛ حيث يُغرى الشعب بـ "ساعة فاخرة" (شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان المضللة) مقابل التخلي عن "البندقية" (سلاح الوطنية وتماسك الصف)، لتكتشف الشعوب بعد فوات الأوان أنها خسرت أمنها واستقلالها.
إن هذا الاستنزاف لا يتوقف عند حدود الشائعات عبر المنصات الرقمية، بل يمتد لفرض أزمات اقتصادية وسياسية متتالية لإنهاك المؤسسات الوطنية، وهو التحذير الذي طالما كررها الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن خطورة إسقاط مؤسسات الدولة للوصول بها إلى حالة من الفوضى والارتهان للخارج.
جغرافية النار.. الشرق الأوسط على كف عفريت
في ظل هذا المشهد الدولي، تدار معركة نفوذ محتدمة؛ فواشنطن تبعث برسائل التفاوض لإيران عبر القنابل، بينما ترد طهران على أجنحة الصواريخ. وفي خضم هذا الصراع، تستغل إسرائيل الأزمة لتنفيذ مخططاتها التوسعية؛ حيث تعيد سيناريو غزة في جنوب لبنان عبر تهجير نحو 600 ألف لبناني واحتلال جنوب الليطاني، وتفرط في إعادة رسم الحدود باحتلال وادي اليرموك وجبل الشيخ في سوريا، وصولًا إلى التمدد في الخليج العربي واحتلال جزر إيرانية شرق مضيق هرمز، مع تكثيف القصف على طهران بمعدل ثلاث مرات يوميًا.
إن استمرار هذا الغليان العسكري لن تقف آثاره عند حدود المنطقة، بل سيجرف العالم نحو موجة عاتية من الغلاء والركود التضخمي، تشمل ضرب قطاعات الصناعة والزراعة، ونقصًا حادًا في الوقود والأسمدة وسلاسل إمداد الأغذية وغيرها.
المؤامرة على مصر.. لماذا يخشون نهضتها؟
إن الحصار الاقتصادي والضغوط المتزايدة على مصر ليست محض مصادفة، بل هي استراتيجية تقودها أمريكا لإبقاء القاهرة رهن أزماتها الاقتصادية والاجتماعية، بهدف إضعافها لخدمة الأمن الإسرائيلي، خوفًا من استعادة مصر لدورها التاريخي العربي والإقليمي والعالمي.
وهنا تطرح الاستفسارات نفسها: هل تتطابق رؤية الرئيس السيسي مع مؤسس مصر الحديثة محمد علي باشا؟ وكيف يمكن للنهضة المصرية الحالية أن تنجح دون أن تصطدم بالصخرة الغربية كما حدث لـ "تجربة محمد علي" في منتصف القرن التاسع عشر؟
تكمن الإجابة في قدرة الإدارة المصرية على تنويع تحالفاتها الدولية وعدم الارتهان للغرب، بالتوجه شرقًا نحو بناء شراكات استراتيجية صلبة مع قوى كبرى مثل الصين وروسيا وكوريا الشمالية، والاستفادة من هذا التكتل لتأمين التكنولوجيا والطاقة.
مقومات النهضة المصرية وركائزها الأربع
تتشارك مصر مع التجربة الصينية في وجود قيادة ذات إرادة صلبة، وطاقات بشرية شبابية هائلة، وموقع جغرافي استثنائي يربط بين بحرين، وتجرى فيه مياه النيل، وتتحكم فيه قناة السويس. ولتحويل هذه المقومات إلى نهضة حتمية، ترتكز الاستراتيجية المصرية على أربعة أهداف جوهرية:
1. الردع العسكري المباشر: الوصول بقدرات الجيش المصري إلى مستوى يمتلك فيه قوة ردع لأي طرف خارجي مهما بلغت قوته (حتى لو كانت أمريكا)، مع الحفاظ الصارم على القضية الفلسطينية ووحدة أراضي سوريا ولبنان وليبيا والسودان.
2. الضربات الخاطفة والموحدة: الامتلاك الميداني لقوة تنفذ ضربات عسكرية خاطفة وحاسمة للتعامل مع أي تهديد مباشر للأمن القومي، سواء في ملف سد النهضة أو غيره.
3. الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي: التحرر من قيد الاستيراد في السلع الاستراتيجية لبناء سيادة كاملة على القرار السياسي.
4. جذب الاستثمارات وتوليد الفرص: خلق بيئة جاذبة للاستثمارات العربية والأجنبية لتشغيل الطاقات الشبابية، وهو ما آتى ثماره بالفعل في تراجع معدلات البطالة إلى نحو 6%.
حتمية النهضة والوعي كحائط صد
إن الوصول إلى نقطة التهدئة ووقف الحرب عبر المفاوضات سينتهي حتمًا برسم معادلة جديدة تعني -في جوهرها- تراجع الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية، وثبات طهران على مكاسبها النووية والصاروخية لمنع تكرار العدوان.
لا جدال أن مصر تدير كافة الملفات عالميًا وإقليميًا بشرف فى زمنٍ عزّ فيه الشرف؛ لذا فإن نهضة مصر الحضارة والحاضر قادمة لا محالة من خلال التعاون مع القوى الدولية الشريفة لنقل التكنولوجيا وبناء الاقتصاد. ولكن تبقى الركيزة الأساسية لهذا البناء هي "الوعي القومي لدى الشباب". إن حراسة الوطن لا تتم بالشعارات المبتذلة، بل بوعي فارز للشائعات، وتفوق علمي وإنتاجي، وقراءة واعية للتاريخ؛ فحين يدرك الشباب أن الاستقرار والسيادة هما شرط النهضة الأول، تتحول كافة مخططات التفكيك إلى محاولات بائسة تتحطم على جدار الوطن.