في ظل الطفرة التكنولوجية الهائلة والمتسارعة التي يشهدها العالم، أضحت الفضاءات الرقمية جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، غير أن هذا التطور المحمود حمل في طياته تحديات أمنية ومجتمعية غير مسبوقة، فبينما تُفتح الآفاق أمام المعرفة والتواصل، تتسلل من بين السطور المخاطر الإلكترونية التي باتت تهدد أمن الأفراد واستقرار المجتمعات، بدءاً من جرائم الابتزاز والاحتيال، مروراً باختراق الحسابات والشائعات المغرضة، وصولاً إلى المحتويات التي تستهدف منظومة القيم والأخلاق.
وللوقوف على سبل التصدّي الفعال لهذه المخاطر الرقمية، التقت "اليوم السابع" باللواء عمرو الشرقاوي، الخبير الأمني، ليقدم لنا قراءة أمنية وحرصاً توعوياً شاملاً يسهم في بناء وعي مجتمعي رصين يقي المواطنين غوائل التهديدات السيبرانية.
نص الحوار:
كيف ترى طبيعة المخاطر الرقمية والجرائم الإلكترونية في الوقت الراهن؟
لا شك أن الفضاء الإلكتروني أصبح ساحة موازية للواقع الفعلي، وكما يحتوي الواقع على النافع والضار، فإن الشبكة العنكبوتية تحوي أيضاً تهديدات أمنية متطورة.
الجريمة الإلكترونية اليوم لم تعد مجرد تصرفات فردية عابرة، بل تطورت في كثير من الأحيان لتصبح سلوكاً منظماً يستغل العاطفة أو قلة الوعي التقني لدى بعض المستخدمين. والتصدي لهذه الجرائم يتطلب تكامل الجهود بين إنفاذ القانون من جهة، وزيادة الوعي الذاتي لدى المواطن من جهة أخرى.
تُعد قضية الابتزاز الإلكتروني من أكثر الجرائم المؤرقة للأسرة المصرية، ما الآلية الأمثل للتصدي لها؟
الابتزاز الإلكتروني جريمة نكراء تعتمد بالأساس على فرض الخوف والسيطرة النفسية على الضحية، النصيحة الأهم والأولى هنا هي عدم الاستجابة لمطالب المبتز تحت أي ظرف، لأن الاستجابة تفتح باباً لا ينتهي من الاستغلال.
يجب فوراً الحفاظ على جميع الأدلة من رسائل وصور، والتوجّه فوراً لإبلاغ الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات بوزارة الداخلية، أو استخدام الخطوط الساخنة المخصصة لذلك.
أجهزة الأمن تمتلك التقنيات والكوادر القادرة على تتبع الجناة وضبطهم في أسرع وقت وفي سرية تامة تشمل حماية الضحية.
نلاحظ وجود عصابات سرقة الحسابات واختراق الصفحات الشخصية، كيف تتم هذه العمليات وما هي طرق الوقاية؟
أغلب حالات الاختراق لا تتم عبر هجمات معقدة كما يتخيل البعض، بل تعتمد على ما يُعرف بـ "الهندسة الاجتماعية"، أي استغلال ثقة المستخدم أو غفلته.
تستخدم هذه العصابات روابط وهمية أو صفحات مزيفة تشبه تماماً منصات التواصل أو البنوك لإغواء المستخدم بإدخال بياناته. الوقاية تبدأ بتفعيل ميزة "المصادقة الثنائية" على جميع الحسابات، وعدم استخدام كلمات مرور ضعيفة أو مكررة، والامتناع التام عن الضغط على أي رابط مجهول المصدر، حتى لو كان قادماً من صديق تم اختراق حسابه بالفعل.
ما هي مخاطر الصداقات الوهمية والتحدث مع أشخاص مجهولين عبر الفضاء الافتراضي؟
الصداقات الوهمية على منصات التواصل هي المدخل الرئيسي للكثير من الجرائم، سواء كانت استدراجاً مالياً، أو جمع معلومات شخصية لاستغلالها لاحقاً في النصب أو الابتزاز.
الفضاء الافتراضي يتيح لأي شخص انتحال شخصيات زاهية وغير حقيقية، لذا ننصح بضرورة الاقتصار في قبول الصداقات والتواصل على الأشخاص المعروفين فعلياً في الواقع، وتجنب مشاركة التفاصيل الشخصية أو الصور الخاصة مع أي طرف مجهول الهوية.
تشهد الساحة حالياً انتشاراً واسعاً للألعاب الإلكترونية، خاصة العنيفة منها، ما تأثيرها على الأطفال والشباب؟
الألعاب الإلكترونية العنيفة تُعد بمثابة الخطر الصامت داخل المنازل؛ فهي لا تكتفي بغرس قيم العدوانية والعزلة لدى الأطفال والنشء، بل يمتد خطُّرها ليصل إلى وجود غرف شات مدمجة داخل تلك الألعاب يُستغل فيها الأطفال من قبل أشخاص مجهولين.
الدور هنا يقع بشكل مباشر على أولياء الأمور لمراقبة المحتوى الذي يطال أبناءهم، وتحديد أوقات الشاشة، وتشجيع ممارسة الأنشطة الرياضية والاجتماعية الواقعية لترسيخ التوازن النفسي والسلوكي.
تتزايد الشائعات على منصات التواصل، خاصة تلك التي تستهدف مؤسسات الدولة والأمن، كيف نراها أمنياً وكيف نواجهها؟
الشائعات الإلكترونية هي إحدى أدوات أجيال الحروب الحديثة، وتستهدف بالأساس إثارة البلبلة، وإحباط العزائم، وزعزعة الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته.
مواجهة الشائعات تتطلب ركيزتين: الأولى هي سرعة استقاء المعلومات من مصادرها الرسمية والبيانات الموثوقة التي تصدرها الوزارات والهيئات الرسمية، والثانية هي توقف المواطن عن إعادة نشر أو تداول أي خبر دون التثبت من صحته، لأن التداول غير المسؤول يساهم دون قصد في تحقيق أهداف مروجي الشائعات.
يتطرق المجتمع مؤخراً إلى خطورة بعض الفيديوهات التي تبثها صانعات محتوى وتتضارب مع القيم المجتمعية، ما تعليقكم؟
المحتوى الذي يتضمن ابتذالاً أو إساءة للقيم والأخلاق المجتمعية يُعد خروجاً عن القواعد والنظام العام، وهدفه الأساسي غالباً هو تحقيق الانتشار السريع والأرباح المادية على حساب القيم السامية. الأجهزة الأمنية والجهات القضائية لا تتوانى في اتخاذ الإجراءات القانونية ضد أي محتوى يشكل جريمة أو اعتداءً على المبادئ الأسرية.
وهنا يأتي دور المجتمع في عدم الترويج لهؤلاء عبر المشاهدة والتعليق، فإهمال المحتوى الهابط هو أول خطوات حصاره وإنهائه.
في ختام حوارنا، ما هي الروشتة الأمنية والتوعوية التي تقدمها للمواطنين للتعامل الآمن مع الإنترنت؟
أوجز النصائح في عدة نقاط أساسية:
أولاً: بناء الوعي الرقمي داخل الأسرة ومتابعة الأبناء باستمرار دون ترهيب.
ثانياً: تأمين الحسابات الشخصية باستخدام المصادقة الثنائية وكلمات مرور قوية.
ثالثاً: عدم الضغط على أي روابط مجهولة أو الإدلاء ببيانات شخصية أو بنكية عبر الهاتف أو الرسائل.
رابعاً: استقاء الأخبار والمعلومات من مصادرها الرسمية فقط ورفض الشائعات.
خامساً: عند التعرض لأي محاولة ابتزاز أو قرصنة، يجب الابلاغ الفوري للجهات الأمنية المختصة عبر قنواتها المعتمدة دون تردد.