وائل السمري يكتب: يا ولدي هذه قناة السويس.. ماذا كان سيقول الأستاذ هيكل لابنه رداً على اقتراحه ببيع القناة؟ الأستاذ علمنا أن قناة السويس هي درة التاج وشرف الأمة.. واستدعاؤه بمثابة صوت الضمير في اللحظات الحرجة

الثلاثاء، 01 سبتمبر 2026 06:12 م
وائل السمري يكتب: يا ولدي هذه قناة السويس.. ماذا كان سيقول الأستاذ هيكل لابنه رداً على اقتراحه ببيع القناة؟ الأستاذ علمنا أن قناة السويس هي درة التاج وشرف الأمة.. واستدعاؤه بمثابة صوت الضمير في اللحظات الحرجة قناة السويس وحسن هيكل ومحمد حسنين هيكل

أحياناً قد تكون استعارة صوت من التاريخ الحل الأنسب لحل مشكلات الحاضر، وفي القضية المعروفة إعلامياً باسم "المقايضة الكبرى" تحديداً، فإن لاستعارة صوت الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل خصوصية أكبر؛ فالذي اقترح فكرة المقايضة هو رجل الأعمال حسن هيكل، الابن المباشر للكاتب الكبير. ولهيكل الكبير الكثير من التاريخ، والكثير من الكتابات، والكثير من المواقف والأسرار فيما يخص تاريخ مصر عامة وقناة السويس خاصة. وقد كان يعلم الكثير عن القناة وتاريخها ورمزيتها في التاريخ المصري والعربي بل والعالمي، ولهذا فإن الاستدعاء يأتي بمثابة الدرس الذي يعلمه الأب لابنه، أو صوت الضمير الذي يأتي دائماً في اللحظة المناسبة.

قناة السويس
قناة السويس


والعودة للتاريخ في هذه القضية تكاد تكون فرض عين؛ فيقول الأستاذ هيكل في كتابه: "التاريخ ليس علم الماضي، وإنما هو علم المستقبل، وذلك هو الفرق بين التاريخ والأساطير؛ فالأساطير تتوقف عند ما كان، وأما التاريخ فإن عطاءه مستمر كل يوم، والعطاء التاريخي لقناة السويس بغير حدود". وقبل أن نطالع سوياً دروس هيكل الكبير عن قناة السويس ورمزيتها في الوجدان المصري، يجب أن نلقي الضوء على الفكرة الأساسية لـ"هيكل الصغير"؛ وبرغم أن رجل الأعمال حاول إقناع الرأي العام بأن الفكرة ضرورية لكي نوقف استهلاك الموازنة العامة في تسديد الديون المحلية المقدرة بنحو 13 تريليون جنيه مصري وفوائدها، بحيث يتم تصفير هذه الديون من خلال مقايضة جزء من أصول الدولة -وعلى رأسها قناة السويس- مع نقل الدين إلى البنك المركزي المصري، زاعماً أن هذه الخطوة لا تكتفي بخفض الدين العام فحسب، بل قد تسهم في زيادة برامج الدعم والتأمين الصحي الشامل والتعليم وغيرها من الخدمات.


وفي الحقيقة، فإن هذه الأهداف لا تتعدى كونها أحلاماً غير قابلة للتحقيق؛ لسبب بسيط هو أن المديونية ستظل مديونية، سواء كانت على وزارة المالية أم على البنك المركزي. وفي أحسن الأحوال، لن تزيد هذه الفكرة عن إزاحة مشكلة الديون من وزارة المالية إلى البنك المركزي والبنوك العاملة في مصر، أي أنها لن تحل المشكلة بأي حال من الأحوال؛ فالمشكلة إن كان اسمها "أحمد" لن تتغير إن سميناها "محمد"، أي أن الفكرة كلها لن تزيد عن كونها تزويراً في أحلام مصرية.


وفي الفكرة أمران مهمان: أحدهما مهين والآخر مضحك. أما المهين؛ فإن "هيكل الصغير" يتعامل مع "قناة السويس" بكل ما تحمله من دماء وعرق وكأنها قطعة أثاث زائدة، ينقلها من غرفة المعيشة إلى غرفة النوم، أو من غرفة النوم إلى المطبخ أو الحمام، غير مدرك أنها شرف شعب بذل الدماء في حفرها وقاتل لاستعادتها، ومثلت نقطة فارقة في تاريخه وتاجاً على رأسه. ومما يعمق الإهانة في الطرح أنه يأتي في وقت تتصارع فيه قوى العالم على الممرات التجارية الكبرى، وتتسابق فيه الدول على الاستحواذ على المضايق التي لا تملكها، فكيف نفكر هكذا في قناة ملك لنا بالتاريخ والجغرافيا والوجدان والروح؟


أما الأمر المضحك في الفكرة فهو أنها تشبه لعبة "السلم والثعبان" أو الكراسي الموسيقية؛ فالديون التي يتحدث عنها "هيكل الصغير" هي في معظمها أموال مستحقة لهيئة التأمينات والمعاشات والبنوك المملوكة للدولة، والتي هي في الأساس أموال الشعب. وهو يريد أن يقايضها بقناة السويس التي هي أيضاً أصل مملوك للشعب المصري، وأن يدفع ثمنها البنك المركزي من أموال الشعب! أي أن الشعب في النهاية سيسدد الديون المستحقة له بأمواله هو. وفي الطريق إلى هذه اللعبة البهلوانية، نتلاعب بمرفق استراتيجي وتاريخي عظيم الأهمية دون أدنى شعور بالمسؤولية.


وتتجلى المفارقة إذا علمنا أن من علمنا أن قناة السويس هي درة التاج وشرف الأمة وجوهر الوجدان هو الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، والد رجل الأعمال حسن هيكل. وعن قناة السويس كتب هيكل كتابين من أهم ما كتبه؛ وهما: "قصة السويس" و"ملفات السويس"؛ إذ يعتبر أن قناة السويس هي الإضافة الحقيقية لقوة مصر عبر تاريخها. فقد حبا الله مصر بنهر النيل وبموقع فريد وسواحل ممتدة وجو معتدل، واستمرت مصر تنعم بهذه العطايا الإلهية طوال تاريخها، لكنها في العصر الحديث أضافت -بعرق أبنائها وقوة إرادتهم- قناة السويس التي ضاعفت من قوة مصر، وأبرزت ما تتمتع به من أهمية استراتيجية، وعظمت مواردها وحيوية دورها. بل إن هيكل يعتبر أن حرب السويس -التي عرفت تاريخياً باسم "العدوان الثلاثي"- أروع انتصارات مصر التاريخية وأغلاها. ولا تتوقف أهمية هذه الحرب على الشأن المصري فحسب، بل تتعدى ذلك إلى الشأن العالمي، ليؤكد أن هذه الحرب هي التي قسمت العالم إلى الجناحين الشرقي والغربي بعد أن هيمن الجناح الغربي على مجريات التاريخ.


ويورد هيكل في كتابه "قصة السويس" محادثة بين كريستيان بينو (وزير خارجية فرنسا الأسبق) وجمال عبد الناصر؛ إذ أراد بينو أن يجدد امتياز قناة السويس لإنجلترا وفرنسا في بداية حكم الرئيس عبد الناصر مقابل ضخ استثمارات متعددة وعمل مشاريع توسعة للقناة لتستوعب سفناً أكبر. وكان رد جمال عبد الناصر واضحاً ومفاجئاً في قوته؛ فسأل كريستيان بينو: "هل تعرف ماذا حدث لرئيس الوزراء الذي تجرأ فمد امتياز شركة قناة السويس؟". ولم ينتظر حتى يسمع رده، وإنما قال: "قتله الشعب المصري في الشارع".


ولم يسكت كريستيان بينو، بل قال: "ولكن مسؤولية الزعماء أن يقودوا شعوبهم إلى ما فيه خيرهم، بصرف النظر عن مشاعر الشارع". ليرد جمال عبد الناصر بأنه ينصح كريستيان بينو بأن يقرأ تاريخ مصر الحديث، بما في ذلك دور قناة السويس فيه، واستطرد قائلاً: "أريدك أن تعرف أنني شخصياً متحمس لضرب أي مسؤول مصري يتخذ مثل هذا القرار بالرصاص؛ لأنه قرار يصل إلى حدود الخيانة من وجهة نظر مصرية وطنية".


ما سبق ليس إلا جزاء يسيرا مما كتبه الاستاذ عن قناة السويس وأهميتها بل ومركزيتها في التاريخ المصري والعالمي ما يجعل العبث بها او الاستهانة أمرا غير مقبول وخطا وطنيا لا يجوز تجاوزه




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة