أصبح السؤال الأكثر إلحاجا حول ما إذا كانت الحرب ستعود إلى المنطقة، أو أنها ستظل ضمن مناوشات التفاوض والضغط المتبادل، بعد الاعتداءات الإيرانية على السفينة الإماراتية، وما تبعها من هجمات بالصواريخ والمسيرات على الإمارات، والتى يراها البعض تعكس توجها عدوانيا إيرانيا يختلف عما سبق وأعلنته إيران، فضلا عن أنه يفقد طهران التعاطف الأوروبى، حيث تشعر أوروبا بأن مضيق هرمز يتحول إلى إحدى وسائل إيران للضغط وليس بهدف التوصل إلى اتفاق ينهى الحرب، ثم إن الموقف المصرى يدين بوضوح الاعتداءات الإيرانية على الإمارات مثلما أدان الاعتداءات على دول الخليج بشكل حاسم، وبالرغم من حرص مصر على السعى لإنهاء الحرب، كوسيط إقليمى، فهى لم تتوقف عن إدانة اعتداءات طهران واعتبرتها عدوانا غير مبرر، حيث كانت مزاعم إيران السابقة أنها تهاجم القواعد الأمريكية، بينما تبدأ العدوان هذه المرة، مما ينسف حجج القواعد.
الاعتداءات الإيرانية فى مضيق هرمز واستهداف الناقلات، تجاوز حدود التكتيك السياسى ليصبح أقرب إلى «القرصنة»، التى قد تدفع إلى موقف دولى ضد إيران، خاصة أن الحرب التى بدأتها أمريكا بدت خالية من تأييد أوروبى على عكس غزو العراق أو تحركات الولايات المتحدة التى كانت تسعى لإحراز التأييد من مجلس الأمن ولو شكلا، لكن أوروبا فى اجتماع قبرص أو غيره تبدو تضررت من إغلاق مضيق هرمز وتعتبر أن الأمر تحول إلى تجاوز فى التوظيف.
وقد أظهرت إيران ترددا تجاه المفاوضات والتوصل إلى اتفاق، فيما بدا انقساما داخل السياسة الإيرانية بين تيار يميل إلى المواجهة العسكرية ممثلا فى الحرس الثورى، وتيار سياسى ظهر مع الرئيس الإيرانى، لكنه انزاح لصالح صوت الرفض، حيث يميل الحرس للصدام، وأصبح من الصعب تحديد طرف موحد للتفاوض معه، وهو ما يفاقم خطر هذه السياسات على مستقبل التفاوض، وما كان يبدو أنه تقسيم أدوار تكتيكى بدا الآن انقساما يضع الجناح المسلح فى الواجهة.
ويبدو أن استهداف الصف الأول من القيادات الإيرانية كان له تأثير مباشر على تغييب العقل السياسى داخل إيران، وبروز تيار شديد التطرف يسيطر حاليا على اتخاذ القرار، ويسهم فى تعميق الانقسام الداخلى بين الرئاسة والتيارات السياسية من جهة، وبين الحرس الثورى من جهة أخرى، ما يجعل من الصعب تحديد طرف موحد للتفاوض، ويعكس غياب رؤية سياسية محددة وواضحة داخل إيران حاليا، وهو ما ظهر فى القرصنة على الحاملات الإماراتية، أو إطلاق الصواريخ والمسيرات على أبو ظبى.
ولا تملك إيران مبررا للهجمات والاعتداءات التى تنسف كل الادعاءات السابقة التى كانت تروج لها إيران حول استهداف قواعد أمريكية أو معادية، ولم تبد إيران أى تفسيرات سياسية واضحة لهذه التصرفات، التى تؤكد اتجاه أكبر نحو الانغلاق واستمرار البقاء فى عزلة، وربما مقاومة انتهاء الحصار والحرب.
ما يلاحظ على مدى الأسابيع الأخيرة، أن معظم البيانات والتصريحات المنسوبة للمسؤولين الإيرانيين، بما فى ذلك المرشد الأعلى، تظهر عبر مواقع التواصل وليست تصريحات متلفزة أو حية عبر التليفزيون أو فى لقاءات رسمية، ما يثير تساؤلات حول مدى كونها تصريحات حقيقية أو رسمية، ما يجعل من الصعب تحديد الموقف الرسمى للدولة فى ظل وجود تصريحات متضاربة منسوبة لأطراف مختلفة مثل رئيس البرلمان أو الحرس الثورى، وهو ما قد ينفى توزيع الأدوار إلى نوع من الانقسام.
أمريكيا ما زال موقف الرئيس دونالد ترامب غير واضح، حيث إنه لم يجب بوضوح عما إذا كانت الولايات المتحدة سترد على استفزازات إيران، وقالت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية إنه لا خيار أمام ترامب الآن سوى اتخاذ قرار بين إصدار أوامر بجولة جديدة من الغارات الجوية على إيران، أو تجاهل استفزازات طهران والمضى قدما فى مبادرته الدبلوماسية، ترامب يصر على أنه انتصر، ويتردد بين التهديد والإعلان عن تفاوض، ونفس الأمر فيما يتعلق بموقف إسرائيل الدافع نحو الذهاب للحرب، ويبدو أن تيار الحرب فى إسرائيل وإيران يلتقى فى الرغبة لاستمرر الصراع.
وبصرف النظر عن المواقف المختلفة داخل إيران، فإن هناك ضرورة فى حال انتهاء هذه الحرب، لبحث الرؤية المصرية تجاه ضرورة وجود موقف إقليمى ينهى الاستقطاب ويتبنى نظاما إقليميا متوازنا تشترك فيه جميع الدول العربية والإقليمية، فى ظل اختلال النظام الدولى وعجزه عن التدخل الفعال فى الصراعات والمسارات السياسية بالمنطقة، ما جعل الحاجة ماسة لآلية عربية قادرة على التعامل مع هذه التحديات.
