لعقود طويلة، كان التعصب الكروي حالة شعورية مؤقتة، حمى تصيب الجماهير وتستمر لتسعين دقيقة داخل المستطيل الأخضر، ثم تنتهي بصافرة الحكم ليعود الجميع إلى حياتهم الطبيعية.
لكن يبدو أننا في السنوات الأخيرة فقدنا تلك الصافرة؛ فلم يعد التعصب مقتصرا على مدرجات الملاعب، بل زحف بهدوء ليحتل تفاصيل واقعنا اليومي، ويشكل نظرتنا للآخرين، ويحكم تصرفاتنا خارج الخطوط.
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة اليوم: لماذا صرنا متعصبين إلى هذا الحد؟ وكيف تحولت الرياضة من مساحة للترفيه والتنافس الشريف إلى ساحة لتصفية الحسابات وإطلاق الأحكام المسبقة؟
في عصر هيمنة المنصات الرقمية، لم يعد المشجع يكتفي بالمشاهدة، بل أصبح جزءا من لجان تفتيش افتراضية لا تتوقف عن العمل على مدار الساعة. لقد خلقنا لأنفسنا فقاعات إلكترونية لا نسمع فيها سوى صدى أصواتنا، ومن يتجرأ على امتلاك رأي مختلف أو حتى الوقوف على الحياد، يصنف فورا كعدو. هذا التحول المرعب نقل التعصب من مجرد تشجيع لفريق إلى رفض كامل للآخر، وأصبحت عقولنا مبرمجة على التقاط الشائعات وتصديقها طالما أنها تخدم انحيازاتنا.
ولم يقف الأمر عند حدود الساحرة المستديرة، بل امتد ليدهس قضايا مجتمعية بالغة الحساسية، محولا منصات التواصل إلى ما يشبه مجتمع المراقبة الذي يتلذذ بالتلصص وإصدار الأحكام. خذ على سبيل المثال قضايا الخلافات الأسرية أو حوادث الانفصال التي تتصدر التريند بين الحين والآخر؛ لم تعد أزمات شخصية تعالج بحكمة، بل تحولت إلى حروب خنادق بين تيارات متطرفة (ذكورية ونسوية)، حيث يسحل أطراف القضية علناً وتستباح خصوصياتهم لمجرد إثبات صحة وجهة نظر هذا المعسكر أو ذاك.
أو تأمل تلك الحملات الشرسة التي تستهدف فنانا، أو كاتبا، أو حتى شخصا عاديا بسبب زلة لسان أو مقطع مجتزأ. تُنصب المشانق الافتراضية، وتُغتال الشخصية المعنوية في ساعات قليلة، ولا ترحم حي ولا ميت ويتبارى رواد السوشيال ميديا في نهش لحم الضحية دون انتظار لتوضيح أو حقيقة. لقد جعلنا هذا الاستقطاب الحاد نتعامل مع كل قضايا الحياة بمنطق "الأهلي والزمالك".. وبمناسبة الأهلي والزمالك أتذكر تلك الواقعة العبثية التي اجتاحت صفحات الرياضة من فترة ومواقع التواصل الاجتماعي، حين شنت الجماهير المتعصبة هجوما ضاريا على المستشار محمد عبده صالح. بُني هذا الهجوم بأكمله على خيال محض ومعلومة زائفة؛ حيث اعتقدت الجماهير الكروية أن المستشار هو نجل الكابتن الراحل عبده صالح الوحش، رئيس النادي الأهلي الأسبق. وفي غمرة هذا الجهل الجمعي، انطلقت حناجر المتعصبين على المنصات تتساءل في استنكار زائف: أين العدل حين يكون ابن عبده صالح الوحش هو رئيس لجنة التظلمات والاستئناف باتحاد الكرة؟ كيف ننتظر منه الحيادية؟.
المفارقة المؤلمة والمضحكة في ذات الوقت، أن هذه الحشود الغاضبة لم تكلف نفسها عناء البحث لثوان معدودة لتكتشف أن الأمر لا يتعدى كونه تشابه أسماء عابر. لم يتوقفوا لحظة ليدركوا أنهم يهاجمون قامة قضائية رفيعة بوزن نائب رئيس محكمة النقض، ورجلا يتولى ملفات بحجم الخدمات الصحية والاجتماعية لوزارة العدل، ويحمل تاريخا من الحيادية الصارمة التي لا تعرف ألوان القمصان. إن واقعة المستشار محمد عبده صالح، وغيرها وما يسبقها يوميا من مواقف متعصبة عن جهل على منصات التواصل، ليست مجرد طرائف عابرة، بل هي عَرَض لمرض أعمق ينهش في جسد المجتمع. إنها جرس إنذار يخبرنا كيف يمكن للتعصب أن يشوه الحقائق، وكيف يمكن لثقافة التريند أن تغتال سمعة الأشخاص والمؤسسات في لحظات.
العدل الذي كانت تبحث عنه الجماهير الغاضبة، لا يغيب عن منصات القضاء أو لجان الاستئناف، بل يغيب في الحقيقة عن عقولنا التي سمحت للتعصب بأن يصادر قدرتها على التفكير. لن نتعافى من هذا الاحتقان إلا عندما ندرك أن الحياة تتسع لألوان وأفكار كثيرة غير لون قميص فريقك المفضل أو رأي القطيع. علينا أن نغادر تلك المدرجات الافتراضية المليئة بالصخب، ونعود إلى مساحة العقل.. لعلنا نستعيد قدرتنا على الرؤية بوضوح.