حازم حسين

قمران جنوبيان فى نعش واحد

الثلاثاء، 05 مايو 2026 02:00 م


كان الشعراء قديما منابر ووزراء إعلام، والقبيلة التى يبرز لها شاعر تتيه على سواها. إذ بهم يُرفَع الذكر ويبقى، وتُخلّدُ الانتصارات، أو يُعاد ضبط السردية وتلطيف الهزائم.

وتضاءل حضورهم مع الزمن؛ حتى أنهم باتوا يعيشون فى الظل، ولا تُذاع أسماؤهم إلا فى النعى والعزاءات!
خسرتُ اثنين من ألطف خلق الله وأصفاهم مؤخرا. كان الفاصل بينهما خمس سنوات فى الوفادة، وعشرة أيام فى الرحيل، وما لا يزيد على ثمانين كيلو مترا بين مسقطى رأسيهما: أشرف البولاقى فى قنا، وسيد العديسى بالأقصر.

نِمتُ على الكدر وصحوت عليه أمس. أول ما طالعنى عبر «فيس بوك» رأى موجز للشاعر السكندرى الصديق إبراهيم المصرى، يقول فيه إنّ الشاعر الردىء فى لغته قد يصير مشهورا فى غيرها؛ إنما لن يكون جيدا فى أية لُغة.

ابتسمتُ، وعلّقت بأنّ أغلب شعر الدنيا ردىء ومكرور، ولا فارق بين مشهور أو نكرة، مع وجه تعبيرى مُبتسم.
نتجاسر جميعا على أحكام القيمة بسهولة، ثم يخبط الموت رؤوسنا فى شواهد قبور الأحبة والأصدقاء؛ ليُذكرنا بأن الإنسان نفسه قصيدة تضيع فى زحام الإنشاد والغنائية والتنظير وتحبير الأوراق.

وبأننا اعتدنا على ما يبدو أن نمسك الفروع، ونكتشف بينما يُطوّحنا الهواء، كم كنا حمقى ونحن نقطع الجذوع، أو ننصرف عن الغابة كلها!
حتى مع العادية والتكرار؛ فكل شاعر يستحق أن يُقرأ ويُسمَع، وأن يُحتَفَى به.

المُعاصرة حجاب، والجوار مَدعاة إنكار، وقليلون تصفو قلوبهم للإبداع فعلاً لا تجارة. لهذا تحتفى الأكثرية بالزملاء للمرة الأولى والأخيرة فى المآتم.
نُحبُّ القدماء ونتغنّى بهم؛ والأَولى أن نمنح شطرًا من اهتمامنا للمُعاصرين. وبعيدًا من الأفضلية؛ فالوجيعة الطازجة أصفى وأكثر اتّصالا بحاضرنا من سمّيتها الموروثة أو المُحنّطة!

يعيش العرب على وهم التميز، صيدهم الثمين فى لغتهم، والشعراء سادتها. غير أننا ربما نكون الأمة الوحيدة التى تتعثر فى لسانها نطقا وكتابة، والنخبة قبل العوام، ولا كرامة فيها لأدب أو أديب.

إلّا لو اعتبرنا ندوة بعشرين مستمعا، أو طبعة من ألف نسخة، مقابلا يتناسب مع قرابة نصف المليار نسمة من المحيط للخليج.
كان أشرف شاعرا بسيطا وموظفا أبسط، وأبًا ويعول. أصدر ستة كتب تقريبا إلى ما قبل عشر سنوات؛ لكنه انفجر فى العقد الأخير ليضيف إلى خزانته ثلاثة أضعاف العدد.

يُمكن أن أزيد جرعة الرومانسية؛ فأقول إنه كان يتنبأ بالرحيل، ويُفرغ ما فى جعبته فى سباق مع الزمن.
ولكن الواقعية تقتضى الإقرار بأنه كان يتنفس وحسب، يُفتّش عن التحقق، وينتظر المردود المستحق؛ ولو بدا فى نظر البعض زاهدًا.
إذا كان حظ البولاقى خُلِط بالأجواء التى وُلد فيها/ 1968 بعد أشهر من النكسة؛ فالعديسى أغناه القدر عن لحظة اليأس، فجاء مواكبا للانتصار/ 1973.
كما أن الصغير كان مُقبلا على الدنيا، أو آملا فيها، بأكثر مما كان مع صاحبه الأكبر؛ فغادر إلى العاصمة بحثا عن الفرصة والضوء، وعمل فى الصحافة لأنها منبع الأضواء، أو هكذا نتصور ونحن سُذّج نرعى الأوهام فى قرانا البعيدة!

ترك ابن العديسات وراءه سبع دواوين ورواية، وعدة مخطوطات، وأطفالا وبهائم وقطعة أرض أخفق فى زراعتها بالتأكيد؛ وإلا ما حملته رياح الصعيد الساخنة إلى هواء القاهرة المكتوم.
رحلة مشاها فى الزمان والمكان والألوان: من «قبلى النجع» بالعامية، مرورا بحداثة النثر فى عدّة أعمال، وإلى البوح فى رواية «طواحين الهواء»، مع ديوان كان ينتظر أن تدور عليه المطابع، للمُفارقة أنه أسماه «يُشير بيده لمُشيّعيه»!

كل عناوين الراحلين لم تحظ بما ناله عنوانا الرحيل. ذُكِر أشرف فى كلام الناس وحساباتهم الرقمية كما لم يحدث طوال عقدين.
وحصل سيد على أوسع تغطية صحفية، بعد نحو ثلاثة عقودٍ من عمله فى مهنة أضاءت على المئات أو الآلاف، ونسيت أحد أبنائها المُخلصين!
فى رأى المصرى الذى ذكرته، علّق أحد الأصدقاء الشعراء بأن الشعر لا يُترجَم، والشاعر لا يُمكن أن يكون عالميًا؛ لأن طاقته فى لُغته الأم، ونقلها يُفقِدها الوهج والحرارة.
يُرَد عليه بطوابير من الأسماء: كفافيس وريتسوس وغيرهما من اليونان، ورامبو وبودلير وإليوت ووالت ويتمان وناظم حكمت وفروغ فرغ زاد وسيلفيا بلاث.
وبابلو نيرودا الذى ما أنزلته اتهامات سوء السلوك الجنسى، واعترافه باغتصاب خادمة فى سريلانكا، عن رُتبة الشعراء المُجيدين!
للقيمة معيارها، وللذيوع حساباته، وللشعر عيال طيّبون يهيمون به ويتمسّحون بأعتابه؛ لكنه قاسٍ كبقية مسالك الحياة، وظالم أحيانًا، ولا يُعطى المخلصين قدر ما يأخذ منهم، ولا يُساوى بين الناس على قدر المواهب أو الطاقات.

أحمد فؤاد نجم ليس أهم من فؤاد حداد، وفلان وعلان من مُتسابقى البرامج والجوائز ليسوا أفضل من أحمد شوقى أو صلاح عبدالصبور وحجازى وغيرهم.
والجميع يموتون، ولا يضرّ الشاة سلخها بعد ذبحها كما قالت أسماء بنت أبى بكر لولدها ابن الزبير، أى لا يُفيد الشاعر أن يبقى شعره أو يزول!
قُتِلَ المُتنبى ببيت؛ لعلّه تمنّى لو لم يقله. بحسب الحكاية الذائعة؛ أنه همّ بالهرب حينما قُطِع عليه الطريق اقتصاصا لهجاء فاحش سبق أن رمى به أحدًا؛ فأعاده خادمه حرجًا بترداد: «الخيل والليل والبيداء تعرفنى/ والسيف والرمح والقرطاس والقلم».

يقتل الشعر عُشّاقه دومًا؛ أكان بالإغراء والاستدراج، أن بالصدّ والخصام، وكلاهما يستحلب الروح حتى يُجفّفها، فيموت المرء جريا وراء الكلام، أو جريا من الإنكار!

على خط الصعيد، ترجّل أشرف من القطار؛ لأن محطته أسبق من صاحبه. أحلام أُجهِضَت، وقصائد مخبوءة لم يُكشَف عنها، ومرارة صحبتهما إلى القبر.
قمران انطفآ على غير انتظار، ويصدق فى كل قرص مكسور منهما، ما قاله سيد التراجيديا الجنوبية وسابقهم إلى الوهم والمجد معًا، أمل دنقل فى بكائية مقتل القمر الجنوبى، إذ يُدندن بعاديّة مُفرطة، ومدهشة من فرط بساطتها: «فكما يموت الناس مات».




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة