تواصل وزارة قطاع الأعمال العام ، ممثلة في الشركة القابضة للقطن والغزل والنسيج والملابس، جهودها للانتهاء في أقرب فرصة من مشروع تطوير مصانع الغزل والنسيج والذي تأخر لسنوات بدون مبرر واضح ،وارتفعت تكلفته من 11 مليار جنيه إلى 56 مليار جنيه.
تسعى الوزارة لإعلان إتمام المشروع الذى ينتظره كل المصريين، ولا سيما في ظل التشكيك في جدوى الاتجاه كلية لإنتاج الغزول الرفيعة، التي يستهلكها نحو 1.5% من شركات العالم مقابل 98.5% للخيوط السميكة ، وهو ما يضع علامات استفهام حول المكتب الاستشاري الأمريكي "وانر" الذى أعد دراسة الجدوى، واختار تلك النوعية من الخيوط ، وبالرغم من تجاربه السيئة السابقة في مصر ،خاصة مع شركة العامرية .
أن تجاهل تصنيع الغزول السميكة يحتاج الى وقفة متأنية ،ولا سيما أن القيمة المضافة للخيوط الرفيعة تتمثل في تصنيعها ملابس وفق أحدث موضة، وليس مجرد فقط تصنيع الخيوط الرفيعة التي يصعب منافستها للخيوط المخلوطة رخيصة الثمن.
وللوقوف على اخر مستجدات المشروع بحسب بيان الوزارة، تفقد المهندس محمد شيمي، وزير قطاع الأعمال العام، شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى، للاطلاع على آخر مستجدات الموقف التنفيذي ومتابعة الأعمال النهائية للمرحلة الثانية من المشروع.
وتتضمن المرحلة الثانية من المشروع القومي لتطوير صناعة الغزل والنسيج، أربعة مصانع جديدة داخل شركة غزل المحلة، يكتمل بها تطوير الشركة، إلى جانب مصنع غزل (2) الجديد بشركة مصر شبين الكوم للغزل والنسيج، والذي تم الانتهاء من تنفيذه وبدء تشغيله في سبتمبر الماضي، بما يمثل محورًا رئيسيًا ضمن منظومة التحديث الشامل لصناعة الغزل والنسيج في مصر.
وشملت الجولة متابعة تجارب التشغيل بمجمع النسيج المقام على مساحة نحو 40 ألف متر مربع، ويضم 552 نول نسيج، ومصنع تحضيرات النسيج (2) المقام على مساحة 21.2 ألف متر مربع ويضم 34 ماكينة تحضيرات، إلى جانب تفقد التجهيزات النهائية بمجمع الصباغة المقام على مساحة 36.8 ألف متر مربع ويضم 125 ماكينة تجهيز، بالإضافة إلى مصنع غزل (6) المقام على مساحة 17.7 ألف متر مربع ويضم 52.2 ألف مردن غزل. كما شملت الجولة مراجعة أعمال الانتهاء من شبكات المرافق والبنية التحتية والمباني الخدمية، بما يضمن تكامل المنظومة الصناعية وتحقيق أعلى كفاءة في التشغيل والإنتاج.
كما تفقد وزير قطاع الأعمال العام عددًا من المصانع القديمة بالشركة، بحضور الدكتور أحمد شاكر العضو المنتدب التنفيذي للشركة القابضة للغزل والنسيج، والمهندس أحمد بدر العضو المنتدب التنفيذي لشركة غزل المحلة، وعدد من قيادات الوزارة والشركات.
بعيدا عن زيارة الوزير فإن هناك العديد من النقاط التي لابد من توضيحها .
أولاً: اتجاه المصانع المصرية نحو تصنيع الخيوط الرفيعة وتجاهل السميكة
في السنوات الأخيرة، شهد قطاع الغزل والنسيج في مصر تحولًا في تركيز الإنتاج باتجاه تصنيع أنواع معينة من الخيوط، وخصوصًا الخيوط الرفيعة التي تُستخدم في صناعات textiles عالية الجودة، بدلًا من الخيوط السميكة التقليدية، مقارنة بما كانت تنتجه المصانع في الماضي.
يمتلك القطاع القومي للغزل والنسيج في مصر تاريخًا طويلًا منذ تأسيس شركات كبيرة مثل شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى في أوائل القرن العشرين، إلا أن عدة عوامل صناعية وتقنية واقتصادية دفعت باتجاه تعديل أولوية نوعية الإنتاج. يعود جزء من هذه التغييرات إلى تفضيل الأسواق العالمية للخيوط الرفيعة عالية الجودة لتحويلها إلى أقمشة فاخرة أو منتجات مُصَدَّرة، وهو ما يعطي قيمة مضافة أعلى مقارنة بالخيوط السميكة التقليدية.
ويتمتع القطن المصري، وخاصة أنواع القطن طويل التيلة وفائق الطول، بخصائص ممتازة لإنتاج الخيوط الرفيعة التي تتطلب أليافًا طويلة ومتناسقة للحصول على جودة عالية في النسج، ما جعل مصر مركّزًا صناعيًا لهذه الفئة من الخيوط.
ومع ذلك، فإن نسبة استهلاك مصر من الخيوط الرفيعة عالميًا تمثل نسبة صغيرة مقارنة بالإجمالي العالمي، إذ تصل إلى حوالي 1.5% فقط من سوق الألياف العالمي بحسب تقارير سوقية عامة تخص صناعة الألياف العالمية، وهو مؤشر على أن هناك فرصًا كبيرة للنمو والتوسع في هذا النوع من الإنتاج، مع أهمية عدم اغفال النوع الثاني .
أدى هذا التركيز نسبيًا على الخيوط الرفيعة إلى أن بعض المصانع القديمة التي كانت تنتج الخيوط السميكة لم تعد تعمل بكامل طاقتها أو تم إهمال تطويرها لفترات طويلة، ما أثر سلبًا على إنتاج الخيوط السميكة التي تحتاج أساليب تصنيع مختلفة وأحيانًا ماكينات خاصة لتحمل الألياف والأحجام الأكبر.
يعود جزء من هذا التراجع في إنتاج الخيوط السميكة داخل المصانع إلى تكاليف التصنيع المرتفعة، وافتقار بعض المواقع لتحديث التكنولوجيا القديمة، ما دفع الصناعة إلى أن تركز على ما يمكن تسويقه بسهولة أكبر محليًا وعالميًا في أقمشة عالية القيمة.
ثانيًا: أهمية تصنيع الغزول السميكة – لماذا يجب أن تكون جزءًا من الاستراتيجية الصناعية؟
رغم زيادة التركيز على الخيوط الرفيعة، فإن الخيوط السميكة (الغزول السميكة) لها أهمية صناعية واقتصادية كبيرة، ولا يمكن تجاهلها في إطار استراتيجية وطنية متكاملة لصناعة الغزل والنسيج. أهم أسباب ذلك كما يلي:
1. تنويع المنتجات الصناعية ورفع القيمة السوقية
الخيوط السميكة تُستخدم في صناعات متعددة مثل:
• أقمشة الجينز الثقيلة
• المنسوجات الصناعية
• الأقمشة المستخدمة في المواد المنزلية والسجاد
• منتجات خاصة بالتغليف والفنون اليدوية
لذلك فإن وجود قدرة محلية على تصنيع الخيوط السميكة يُثري سلة الإنتاج ويوسع نطاق الصادرات.
وبناءً على ذلك، فإن تطوير إنتاج الخيوط السميكة من شأنه أن يساهم في زيادة القيمة المضافة للقطاع ككل، ويزيد من قدرته على المنافسة في الأسواق الدولية، بدلاً من الاعتماد على استيراد هذه الخيوط من الخارج، كما كان يحدث سابقًا في بعض الأحيان.
2. دعم صناعة النسيج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
من الاستراتيجيات المهمة لأي صناعة وطنية هي ضمان الاكتفاء الذاتي في المواد الوسيطة قبل تحويلها إلى منتجات نهائية. فإنتاج الخيوط السميكة محليًا يعني أن مصانع النسيج والأقمشة الثقيلة لا تحتاج لاستيراد الخيوط، مما يخفض من التكاليف ويُعزز من تنافسية المنتج المصري في الأسواق المحلية والإقليمية.
3. تلبية الطلب المحلي غير المخدوم جيدًا
في الأسواق المحلية، هناك طلب كبير على منتجات متعددة تعتمد على الخيوط السميكة. ضعف الإنتاج الداخلي يفتح الباب أمام الاستيراد، ويُضعف الصناعة الوطنية في مجال النسيج الذي يعتمد على المواد الخام المحلية.
لذلك، فإن استعادة القدرة على تصنيع الخيوط السميكة يضمن توفير احتياجات المصانع المحلية من هذه المادة الحيوية بشكل مستدام.
وخلال السنوات الماضية، أطلقت الحكومة المصرية مشروعًا قوميًّا شاملاً لتطوير صناعة الغزل والنسيج بهدف استعادة موقعها التاريخي كواحد من أهم القطاعات الصناعية في الاقتصاد المصري، مع استثمارات تقدر بعشرات المليارات من الجنيهات
الجهود تشمل تطوير نحو 60 مصنعًا ومبنى خدميًا في 7 محافظات تابعة للشركة القابضة للقطن والغزل والنسيج.

من بين مخرجات التطوير القومي أيضًا:
• رفع الطاقة الإنتاجية من الغزل لتصل إلى 188 ألف طن سنويًا بعد التطوير، مقابل نحو 35 ألف طن قبل التطوير
• زيادة قدرة النسيج إلى 198 مليون متر سنويًا، مقارنة بـ 50 مليون متر قبل التطوير.
• زيادة إنتاج الملابس الجاهزة والمشغولات إلى 50 مليون قطعة سنويًا مقابل 8 ملايين قبل التطوير.
تحديث المناهج والتدريب وتوطين التكنولوجيا
جزء من تطوير القطاع يشمل تدريب الكوادر البشرية على تشغيل وصيانة التكنولوجيا الحديثة، بالإضافة إلى توطين بعض أجزاء التكنولوجيا داخل مصر، لتقليل الاعتماد على الاستيراد، ورفع كفاءة العمالة الفنية في مواقع الإنتاج المختلفة سواء من شركة ريترRieter الموردة لماكينات الغزل وأهمية تحسين كفاءة العاملين او من شركة سافيو Savio الموردة لماكينات النسيج ،وهو دور لابد من متابعة تنفيذه .
ولا شك أن قطاع الغزل والنسيج يمثل واحدًا من أهم القطاعات الصناعية في مصر، لما له من تاريخ عريق ودور اقتصادي واجتماعي حيوي في دعم التوظيف والإنتاج والتصدير خاصة أن الاتجاه الحالي نحو الخيوط الرفيعة ينبع من طلب عالمي ومحلي على منتجات عالية القيمة، لكنه يجب أن يُكمَّل بتطوير إنتاج الخيوط السميكة لضمان تنوع المنتجات وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
كما أن الغزول السميكة مهمة كونها تشكّل مادة أساسية للعديد من الصناعات، وتساهم في زيادة القيمة المضافة، وتخفيض تكاليف الإنتاج المحلي.
علاوة على كون مشروع تطوير المصانع في المحلة، كفر الدوار، شبين الكوم والدقهلية ودمياط يُعد نقطة تحول استراتيجية، إذ يرفع الإنتاجية والقدرة التنافسية، ويخلق فرص عمل، ويرفع صادرات مصر من منتجات الغزل والنسيج ذات الجودة العالية.
باستكمال تنفيذ مشاريع التطوير والتحديث المنشود، من المتوقع أن يستعيد قطاع الغزل والنسيج المصري مكانته على خريطة الصناعة العالمية، ويصبح مصدرًا رئيسيًا للخيوط عالية الجودة، سواء الرفيعة أو السميكة، مع تعزيز دوره في الاقتصاد المصري.