يبدو أن المصريين يحملون في دمائهم جينات واضحة للقوى الناعمة، جينات الثقافة والمعرفة والخيال والإبداع، فالقوى الناعمة في مصر ليست مفهوما نظريا ولا شعارا سياسيا ولا حالة شيفونية قومية، بل هي طاقة حية تجري في العروق وميراث إنساني متوارث عبر التاريخ، يظهر كلما فُتحت نافذة للوعي أو أُتيحت فرصة للتعبير، ومن يريد أن يتأكد من ذلك فلا يحتاج إلى تقارير دولية ولا تنظيرات أكاديمية، يكفيه فقط وبكل بساطة أن ينظر إلى مشهد زوار معرض القاهرة الدولي للكتاب الذين تجاوز عددهم خمسة ملايين زائر خلال عشرة أيام فقط، وهو رقم لا يعبر عن كثافة سكانية في مصر بقدر ما يعبر عن شغف حقيقي بالمعرفة وفضول أصيل تجاه القراءة والسؤال والاطلاع والوعي والتفاعل الحضاري الدائم في مصر.

هذا الإقبال الكثيف لا يمكن فهمه بمنطق الاستهلاك أو الترفيه العابر، فالمصريون لا يذهبون إلى معرض الكتاب باعتباره سوقا لشراء الكتب فقط بل باعتباره موسما ثقافيا يشبه العيد، يذهبون للاحتفال بالعقل والخيال والفكرة، يذهبون ليشعروا بأنهم جزء من حالة عامة من طقس سنوي يعيد التذكير بقيمة الوعي في حياة المجتمع، المعرض بالنسبة لهم مساحة للالتقاء بالأدباء والشعراء والمبدعين والمفكرين، ومساحة للتفاعل مع الأفكار الجديدة ومساحة للخروج المؤقت من ضغوط الحياة اليومية إلى أفق أوسع وأكثر إنسانية.
.jpg)
معرض الكتاب
اللافت أن هذه الأرقام المبهجة تأتي في زمن تتفشى فيه الفوضى المعلوماتية، وتسيطر فيه موجات الإسفاف والسطحية على منصات التواصل الاجتماعي ويبدو فيه المحتوى السريع والضجيج البصري وكأنهما الصوت الأعلى، ومع ذلك يثبت المصريون أن الانحياز للوعي لم يُهزم، وأن الميل إلى الخيال والجمال والإبداع والموسيقى والكتاب ما زال حاضرا بقوة، وأن جينات القوى الناعمة أعمق من لحظة عابرة على شاشة هاتف.

ترندات السوشيال ميديا
معرض القاهرة الدولي للكتاب يقدم دليلا عمليا على أن الثقافة في مصر ليست نشاطا نخبويا مغلقا، بل فعل جماهيري واسع يشارك فيه الشباب والأطفال والعائلات وكبار السن، وهو ما يعكس طبيعة العلاقة التاريخية بين المصريين والمعرفة، علاقة قائمة على حب الحكي والسؤال والبحث عن المعنى من النقوش القديمة على جدران المعابد إلى الحكايات الشعبية إلى الرواية والمسرح والسينما، ظل المصري يصنع هويته بالكلمة والصورة واللحن.

معابد
ولهذا لا يبدو غريبا أن تتحول المناسبات الثقافية في مصر إلى أعياد حقيقية، فلدينا عيد اسمه معرض القاهرة الدولي للكتاب، ولدينا عيد اسمه مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، ولدينا عيد اسمه مهرجان الجونة، ولدينا عيد اسمه مهرجان المسرح التجريبي، ولدينا أعياد أخرى للفنون الشعبية وللسينما الإفريقية والإنسانية، هذه الفعاليات ليست مجرد أحداث على أجندة ثقافية بل لحظات استدعاء جماعي لجينات القوى الناعمة الكامنة في الوعي المصري.

مهرجان القاهرة السينمائى الدولى
لكن الاحتفال بهذه الظاهرة لا يأتي من باب الفخر القومي العاطفي، ولا من باب التغني بالماضي بل من باب الإدراك الواعي بأن لدينا في مصر ما يمكن البناء عليه في المستقبل هذا الجمهور الذي يملأ قاعات الكتب هو نفسه الجمهور الذي خرج في الثلاثين من يونيو دفاعا عن الدولة وهو نفسه الجمهور الذي رفض اختطاف الوطن في فخ جماعة الإخوان وهو نفسه الجمهور الذي يتحمل اليوم أعباء اقتصادية قاسية بإرادة صلبة وصبر طويل.

ثورة 30 يونيو
مصر فيها إرادة حياة حقيقية فيها جمهور واع قادر على صناعة المعجزات حين تتوافر له الرؤية والصدق والاحترام، وهذا هو الرصيد الحقيقي الذي يجب أن يُبنى عليه رصيد الوعي لا الضجيج والمعرفة لا الشعارات والإنسان لا الوهم، وهذا وحده سبب كاف لأن نطمئن على المستقبل وأن نفخر بهذا الشعب وأن نؤمن بأن جينات القوى الناعمة في مصر ما زالت حية وقادرة على الفعل والبقاء والإبداع دائماً.

ازدحام فى معرض الكتاب