خالد عزب

حركة النشر والكتاب فى مصر (2-2)

الإثنين، 02 فبراير 2026 10:49 ص


إن العديد من دور النشر المصرية ذهبت خلال عام 2023 إلى إعادة طباعة كتب الدكتور طه حسين، على رأسها الهيئة العامة لقصور الثقافة التي طرحتها بسعر رمزي. وجاء ذلك بسبب سقوط حقوق الملكية الفكرية له، حيث توفي في أكتوبر 1973، حتى شاهدنا أكثر من 12 طبعة له من 12 دار نشر على الأقل. لكن الملفت للنظر أن هذه الطبعات، في معظمها، لم يُبذل فيها مجهود يذكر عند إعادة الطبع، فطُبع النص كما هو.

إلا أن الدار المصرية اللبنانية التي وقعت مع أسرة طه حسين للحصول على حقوق النشر قدّمت طبعات مصحوبة بدراسة لمؤلفات طه حسين، فتميزت طبعتها بذلك. وفي السياق نفسه، قدمت مؤسسة بيت الحكمة دراسة للأديب علي قطب، جمع فيها مقدمات طه حسين لكتب الآخرين، فقدم 72 مقدمة لكتب في معارف شتى، وجذب الكتاب بفكرته جمهورًا واسعًا.

كما نشر مركز أبوظبي للغة العربية كتابًا نقديًا عن فكر وأدب وحياة طه حسين بعنوان "بصيرة حاضرة.. طه حسين من ست زوايا"، لاقى استحسانًا واسعًا ممن قرؤوه، إلا أن افتقاد القارئ المصري لنسخة منه لم يجعل له انتشارًا داخل مصر.

إن ظاهرة تكرار العناوين التي سقطت حقوق الملكية الفكرية الخاصة بها تسبب ارتباكًا في حركة النشر العربية، وفي مصر بصورة خاصة. وبات هذا واضحًا في إعادة طبع مؤلفات عباس محمود العقاد من قبل 25 دار نشر عربية في العديد من الدول العربية، وهو ما يقتضي مناقشة واسعة.

كُتاب وسائط التواصل الاجتماعي

بات من الواضح عند رصد حركة النشر في مصر أن عددًا من دور النشر الصاعدة يركز على اقتناص الكُتاب من صفحات التواصل الاجتماعي، خاصة: (فيس بوك – إكس "تويتر سابقًا" – إنستجرام). وهذه الظاهرة المتصاعدة بحاجة إلى نقاش عميق. وقد صعدت دور نشر على أكتاف كُتاب على وسائل التواصل لديهم آلاف المتابعين، وهي ظاهرة بدأت بها دار الشروق.

وبدا وكأن مشهد النشر بسبب هذه الظاهرة يجسد طوابير للتوقيع من قبل المؤثرين على وسائط التواصل، ومنهم إسراء أحمد التي قدمت "روح حلوة". لكن العناوين المثيرة والغريبة مثل "مدمن نجاح" و"شلح هدومك يا زمن" شكلت قلقًا حول طبيعة المضمون المطروح من قبل هؤلاء المؤثرين.

غير أن دخول الدحيح أحمد الغندور عالم الكتب، وهو الذي يتابعه أكثر من 5 ملايين متابع، وتشاهد حلقاته على يوتيوب بالملايين، مثّل مشهدًا جديدًا يعزز العلاقة بين المؤثرين وفضاء الكتاب، إذ دخل هذا الفضاء عام 2021 عن طريق دار الشروق.

لكن تظل جودة العمل هي المقياس الحاسم لمدى استمرارية المؤثرين في نشر الكتب؛ فالدحيح أحمد الغندور قدّم مضمونًا جيدًا. وفي سياق متصل، قدمت دار إشراقة إبراهيم عادل، وهو يقدم سلسلة كورسات على يوتيوب لتعليم اللغة الإنجليزية؛ فالكورس الشامل لتعليم المبتدئين يتابعه 11 مليونًا من كل أنحاء المنطقة العربية. ويبلغ عدد فيديوهات إبراهيم عادل حتى أغسطس 2024 ما يزيد على 829 فيديو. وقد أصدرت دار إشراقة هذه الكورسات في سلسلة كتب بلغت مبيعاتها في عامي 2022 و2023 ما يزيد على 26 ألف نسخة، وهو رقم قياسي بالنسبة للدار. ويكشف ذلك عن أن التعليم الحر قد يسد ثغرات في التعليم العام، وقد يكون قاطرة جديدة لحركة النشر إذا أُحسن توظيفه.

وهذا واضح أيضًا في تجربة نشر ذاتي للخطاط صلاح عبد الخالق، حين أصدر كتابًا عن الخط الكوفي في مدرسة السلطان حسن بالقاهرة، واستخدمه للترويج لدوراته التدريبية عن الخط الكوفي على يوتيوب.

محطة كتب القاهرة

إن العثور على مكتبات للكتب الورقية أمر بعيد المنال في المدن الصغيرة والمتوسطة في مصر. وحتى في العاصمة القاهرة المترامية الأطراف، يصبح الوصول إلى المكتبات أمرًا صعبًا أيضًا. ومن هنا انطلق موقع "محطة كتب القاهرة"، الذي أطلقته كل من نانسي لبنيتكوم، وهي باحثة في الأدب العربي وشؤون الشرق الأوسط في جامعة ميشيغان، وميشيل هنجم، وهي مترجمة تخرجت من جامعة مدينة نيويورك وتعيش في القاهرة.
الموقع، الذي أُطلق عام 2010، يهدف إلى جمع عشاق الكتب مع الناشرين ومكتبات التوزيع، وصاحبه مشروع لدراسة النشر الأدبي في القاهرة. ويضم الموقع ما يلي:
قائمة بالناشرين.
قائمة بمكتبات البيع، مزودة أيضًا بصفحة لكل منها.
خريطة لمساعدة القارئ على الوصول إلى المكتبات ودور النشر.
معلومات عامة عن النشر وأماكن بيع الكتب.

دور نشر جديدة

إن العديد من الظواهر شكلت تيارًا جديدًا في حركة النشر في مصر، من ذلك مجموعة من دور النشر التي استطاعت أن تأخذ مقعدًا متقدمًا في المشهد. وقد جاء ذلك عبر تفاعلها مع جمهور صاعد من القراء من أجيال لها متطلباتها من ناحية، ولها كُتابها من ناحية أخرى. وتستعين هذه الدور بوسائط التواصل الاجتماعي بكثافة؛ فأطلقت دار دون تطبيقًا (App) على "Google Play" و"App Store"، وكأنها تتكلم لغة جديدة تخاطب بها جمهورًا يستخدم التقنيات الحديثة في التسويق.

وفي المقابل، تحصد هذه الدور الجوائز بصورة مستمرة، مثل دار بتانة ودار دون التي حصدت 10 جوائز في الشعر والقصة والرواية في عدة دورات لجائزة ساويرس. كما أطلقت دار دون في عام 2018 مشروعًا للترجمة، فنشرت "10 دقائق مع الفلسفة" لباتريك كينج، ترجمة سمر حجازي، وهو كتاب مناسب ببساطته لتطلعات الشباب إلى القراءة في الفلسفة، وكذلك في علم النفس الذي قدمت فيه "101 حيلة نفسية لترويض العقل وتغيير الحياة".

إن طبيعة اختيارات الترجمة لدى دور النشر الصاعدة تناسب الرغبة في كتب تبسيط العلوم والمعارف، أو المعرفة التي يجري التعاطي معها دون الولوج إلى نظريات معقدة أو روايات ذات أبعاد فلسفية عميقة. لذا رأينا "عصير الكتب" تقدم ترجمة لكتاب "بيت الأحلام" لكريج هيجنسون، ترجمته إسراء محمود، ونشر عام 2023، واطلع عليه على موقع الدار 9687 زائرًا.

إن تباين تعامل دور النشر مع المؤلفين وتنجيمهم يقدم لنا مدونة جديدة في التسويق؛ فعصير الكتب قدمت سلسلة كتب للكاتبة نور الهدى الجمال، منها "المتيم" الذي نشر عام 2023. والمؤلفة تحاضر في السيرة النبوية، وربط كتبها بالمحاضرات ساهم في الترويج لها، فقد اطلع على كتابها الأخير على موقع الدار 8109 زائرين.

فيما ذهبت دار دون إلى تبني مؤلفيها بصورة كاملة، في تجربة تقتدي فيها بدور النشر الأوروبية والأمريكية حين يتحول المؤلف إلى نجم، وتعمل عليه في عدة مستويات. فقدمت لغادة عبد الكريم عددًا من الكتب، منها "50 سؤالًا في الحب" و"12 شهر اعترافات". وتنطلق المؤلفة من أن تجارب الآخرين وحكاياتهم قد نجد فيها التعافي من إنهاك الحياة، وبذلك يستطيع القارئ أن يخرج من فقاعات الخيال والعالم غير الحقيقي.

وتستثمر الدار في مؤلفيها بقوة، فأنشأت لهم أيقونة على موقعها، فضلًا عن مسؤوليتها عن الترويج لهم بكثافة. واعتمدت مثلًا على تقديم التاريخ بطريقة سردية خفيفة، فقدمت خمسة كتب في هذا الاتجاه لشريف سامي، وهو أيضًا مدون واسع النشاط على شبكات التواصل الاجتماعي. وتنوعت موضوعات الكتب، وبعضها ذو طرافة تشد القارئ، ومنها: "26 ساعة فارقة في حياة هتلر"، و"الأرض بعد طوفان نوح"، و"مختصر تاريخ أوروبا"، و"مختصر تاريخ الصين"، و"مختصر حضارات العالم".

ويبرز كذلك تفاعل القراء والكتاب عبر "مدونة دون" على موقعها، التي تضم أخبارًا ومقالات وحوارات، بما يوفر فضاءً جيدًا لاستمرارية العلاقة وطرح الأفكار.

وتستخدم الدار تصنيفًا خاصًا لإصداراتها، لكن الملفت هو حضور الرواية بوصفه محورًا كاشفًا عن اعتماد الدار على القدرة على جذب القارئ؛ فلديها: روايات الرعب، والروايات الرومانسية، وروايات الجريمة والإثارة، وروايات إنسانية وفلسفية، وروايات الغموض. ويكشف هذا التصنيف عن ميل لدى الأجيال الجديدة إلى كل ما هو مثير، لكن مع مرور الوقت تتغير وتتطور ذائقة القارئ. لذا سيبقى السؤال الصعب أمام الدار: هل تستطيع أن تواكب المراحل التي يمر بها القارئ، خاصة بعد تجاوزه سن الأربعين، حيث يبدأ في البحث عن قراءات أكثر عمقًا، تتجاوز بداياته في القراءة، وفي الوقت نفسه تحافظ على قدرتها على جذب أجيال جديدة أخرى؟ لعل هذا التحدي هو الذي سيشكل مستقبل الدار.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة