من خرائط الاستعمار لصراع النفوذ العالمى.. كيف تحولت حدود تايلاند وكمبوديا من نزاع على معبد لساحة اختبار بين واشنطن وبكين؟.. صراع حول حجر وحدود على حافة العالم وتهديد صامت لاستقرار جنوب شرق آسيا والاقتصاد الدولى

الخميس، 01 يناير 2026 08:30 ص
من خرائط الاستعمار لصراع النفوذ العالمى.. كيف تحولت حدود تايلاند وكمبوديا من نزاع على معبد لساحة اختبار بين واشنطن وبكين؟.. صراع حول حجر وحدود على حافة العالم وتهديد صامت لاستقرار جنوب شرق آسيا والاقتصاد الدولى تايلاند وكمبودريا

أعد الملف / رامي محيى الدين – أحمد عرفة - جرافيك أحمد جمال مرسي


<< نزاع حدودي يعود من سبات التاريخ وخرائط استعمارية تشعل خلافا عمره قرن

<< معبد برياه فيهير حجر يشعل صراع السيادة والخلاف القانوني تحول لاشتباك عسكري في 2008

<< خسائر محلية تتجاوز خطوط النار والتجارة والسياحة أول الضحايا حال نشوب الحرب

<< الميزانية الدفاعية لتايلاند تصل لـ5,9 مليار دولار وعدد الجنود 600 ألف مقابل 1,3 مليار و231 جندي لكمبوديا

<< المدنيون يدفعون ثمن الصراع المتجدد والألغام جراح مفتوحة على الحدود

<< ميزان قوة مختل يميل نحو بانكوك وتفوق عسكري لا يضمن نصرا بلا خسائر

<< كمبوديا في معركة صمود غير متكافئة واقتصادها الهش في مرمى التصعيد

<< الصين في بنوم بنه نفوذ يتجاوز الاستثمار.. وواشنطن وبانكوك تحالف قديم بحسابات جديدة

على امتداد عشرات الكيلومترات من الغابات والمرتفعات الوعرة، يقف الجنود التايلانديون والكمبوديون وجها لوجه، في صراع حدودي يبدو وكأنه بلا نهاية، ورغم مرور أكثر من قرن على ترسيم الخطوط الأولى للحدود، ما زال النزاع بين تايلاند وكمبوديا واحدا من أكثر الصراعات الإقليمية تعقيدا في جنوب شرق آسيا، صراع لا يموت بل يدخل في سبات مؤقت، قبل أن يعود مجددا مع كل أزمة سياسية أو تحول إقليمي.

خرائط استعمارية تشعل قرنا من الخلاف

تعود جذور الأزمة إلى عام 1907، حين رسمت فرنسا، القوة الاستعمارية في الهند الصينية، خرائط الحدود بين سيام - تايلاند الآن – وكمبوديا، هذه الخرائط، التي اعتمدتها كمبوديا لاحقا كوثيقة سيادية، اعتبرتها تايلاند مجحفة وغير ملزمة، ما خلق فجوة قانونية ما زالت تتسع حتى اليوم، ومنذ ذلك التاريخ، لم تحسم مسألة السيادة بشكل نهائي على عدد من المناطق الحدودية، خاصة تلك المحيطة بالمواقع الأثرية القديمة التي تعود إلى حضارة الخمير.

معبد برياه فيهير عقدة الصراع

كما يمثل معبد برياه فيهير القلب النابض للنزاع، ففي عام 1962، أقرت محكمة العدل الدولية أحقية كمبوديا في المعبد، إلا أن الحكم لم يشمل الأراضي المحيطة به، وهو ما فتح الباب أمام تفسيرات متناقضة من الطرفين، وعندما أدرج المعبد على قائمة التراث العالمي عام 2008، تحول الخلاف القانوني إلى مواجهة عسكرية مباشرة، شهدت اشتباكات متكررة بين عامي 2008 و2011، وأسفرت عن سقوط قتلى وتهجير آلاف المدنيين، دون أن تغلق صفحة النزاع.

صدام 2008.. نزاع محدود بتأثيرات أوسع

وشهد عام 2008 توترا عسكريا بين تايلاند وكمبوديا على خلفية النزاع الحدودي حول معبد برياه فيهيار، عقب إدراج المعبد على قائمة التراث العالمي لليونسكو باسم كمبوديا، ورغم أن الاشتباكات كانت محدودة جغرافيا وعسكريا، فإنها كشفت هشاشة الاستقرار الحدودي بين البلدين، وأعادت إلى الواجهة خلافات تاريخية تعود لعقود.

خسائر اقتصادية محلية سريعة

وتضررت المناطق الحدودية بشكل مباشر خلال هذا النزاع، حيث توقفت حركة التجارة البرية، وأغلقت المعابر، ما أدى إلى خسائر للتجار والسكان المحليين، خاصة في قطاعات الزراعة والتبادل الحدودي، كما تأثرت السياحة في محيط النزاع، سواء في شمال كمبوديا أو شمال شرق تايلاند، نتيجة المخاوف الأمنية.
ورغم أن الصراع لم يتطور إلى حرب شاملة، إلا أنه أثر سلبا على صورة البلدين لدى المستثمرين، خصوصا كمبوديا التي كان اقتصادها أكثر هشاشة، حيث أثار النزاع مخاوف تتعلق بالاستقرار السياسي والأمني، وهو ما انعكس في تباطؤ بعض الاستثمارات الأجنبية، ولو بشكل مؤقت.

ارتدادات سياسية وإقليمية

سياسيا، فشل النزاع في البقاء ضمن إطاره الثنائي، إذ استدعى تدخلات إقليمية ودولية، من بينها آسيان ومحكمة العدل الدولية لاحقا، وهذا التطور أظهر أن الخلاف، رغم محدودية حجمه العسكري، يحمل قابلية للتمدد ويهدد صورة جنوب شرق آسيا كمنطقة مستقرة نسبيًا.

وأثبتت تجربة 2008 أن حتى النزاعات الحدودية المحدودة بين تايلاند وكمبوديا قادرة على إحداث اضطرابات اقتصادية وسياسية غير متوقعة، وأن التصعيد السريع - ولو دون حرب مفتوحة - يمكن أن يضر بالسياحة والتجارة ويربك الاستقرار الإقليمي، وهو ما يجعل أي صراع محتمل في الحاضر محاطا بحساسية أكبر وتأثيرات أوسع.

 

التوتر الحالي بين البلدين

بحسب دراسة حملت عنوان "اتجاهات آسيوية" لمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة  في سبتمبر الماضي، أكدت أن المواجهات العسكرية الأخيرة بين تايلاند وكمبوديا لم تكن حدثا عابرا، بل وصفت بأنها المواجهة الأعنف بين الدولتين خلال السنوات الماضية، حيث بدأت يوم 28 مايو 2025، عندما اندلع اشتباك مسلح بين قوات تايلاندية وكمبودية على الحدود المتنازع عليها، أدى إلى مقتل جندي كمبودي، وفي 16 يوليو أصاب لغم أرضي ثلاثة جنود تايلانديين أثناء قيام مجموعة دورية في منطقة حدودية بمقاطعة بوريرام، وحينها اتهمت بانكوك قوات كمبودية بالعبور إلى داخل الأراضي التايلاندية وزرع ألغاما مضادة للأفراد، لتنفى بعدها وزارة الدفاع الكمبودية زراعة الألغام الجديدة، مؤكدة أن الجنود التايلانديين دخلوا مناطق خارج المسارات المتفق عليها لا تزال تحتوي على ألغام متفجرة منذ عقود من الصراع.

دراسة حول التوتر بين كمبوديا وتايلاند في العدد السادس من اتجاهات آسيوية بمركز المستقبل
دراسة حول التوتر بين كمبوديا وتايلاند في العدد السادس من اتجاهات آسيوية بمركز المستقبل


وتفاقمت الأوضاع مع انفجار لغم أرضي ثان في 23 يوليو، في منطقة من المناطق المتنازع عليها، ما أسفر عن إصابة خمسة جنود تايلانديين، وردا على الحادث، أمرت حكومة تايلاند بإغلاق جميع المعابر الحدودية الواقعة تحت إشراف المنطقة العسكرية الثانية، معلنة استدعاء سفيرها من بنوم بنه، وطرد السفير الكمبودي من بانكوك، وتصاعدت الأحداث سريعا لتندلع اشتباكات عسكرية مباشرة بين الجيشين التايلاندي والكمبودي على عدة نقاط على طول الحدود، وتبادل الطرفان إطلاق نيران الأسلحة الخفيفة والمدفعية والصواريخ، ونشرت بانكوك أربع طائرات مقاتلة من طراز إف-16، ونفذت ضربات جوية استهدفت مراكز قيادة عسكرية في كمبوديا يوم 24 يوليو.

أعنف المواجهات بين البلدين
أعنف المواجهات بين البلدين

ويؤكد محمد حامد الخبير السياسي، أن الخلافات بين كمبوديا وتايلاند تعود منذ الاحتلال الفرنسي للبلدين، والخلاف الحدودي بينهما سببه الرئيسي المعبد الديني برياه فيهير ، وأسباب ثقافية ودينية وتاريخية بين الطرفين، وهذا ما جعل التوتر يتجدد من جديد، والصراع يشتد خلال الفترة الأخيرة.

ويضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أنه بعد انتهاء الاحتلال الفرنسي للبلدين، وحدوث ترسيم للحدود، أصبح المعبد الديني في حدود كمبوديا، بينما بانكوك تقول إن المعبد ملكها، وهو ما يجعل الصراع تاريخي وثقافي وديني، وفي عام 2008 حاولت بنوم بنه تسجيل هذا المعبد في التراث العالمي لليونسكو، مما أثار حفيظة تايلاند وأدى لاشتباكات عسكرية بين البلدين.

جدول زمنى للتوتر بين البلدين
جدول زمنى للتوتر بين البلدين

 

القومية كسلاح سياسي

وفي كل مرة يشتد فيها التوتر الداخلي داخل تايلاند أو كمبوديا، يعود الملف الحدودي إلى الواجهة، تستخدمه النخب السياسية كأداة تعبئة قومية، كما تعيد إنتاج خطاب الدفاع عن السيادة والخطر الخارجي، ما يجعل أي تسوية سياسية عرضة للرفض الشعبي، ومن الواضح أن فترات التصعيد غالبا ما تتزامن مع أزمات حكومية أو انتقالات سياسية حساسة، خاصة في تايلاند التي شهدت انقلابات عسكرية متكررة خلال العقود الماضية.

أعنف المواجهات بين البلدين
أعنف المواجهات بين البلدين

 

هدنة بلا سلام

رغم صدور أحكام دولية ودعوات للتهدئة، لا تزال الحدود بين البلدين غير مرسمة بشكل كامل، وتعتمد العلاقة الأمنية على تفاهمات ميدانية واتصالات عسكرية مباشرة، لكنها تظل تفاهمات هشة، قابلة للانهيار مع أي حادث حدودي أو خطاب سياسي متشنج، كما أن دور رابطة دول جنوب شرق آسيا "آسيان" ظل محدودا، بسبب التزامها بمبدأ عدم التدخل، ما جعلها عاجزة عن فرض حل نهائي أو آلية ملزمة للطرفين.

 

المدنيون الضحية الدائمة

في القرى الحدودية، يدفع السكان المحليون ثمن هذا الصراع الممتد، حيث تعطلت الزراعة، وأغلقت المعابر، وانتشرت الألغام الأرضية التي ما زالت تحصد الأرواح حتى اليوم، ومع كل تصعيد، تتكرر موجات النزوح، وكأن الزمن توقف عند نقطة الخلاف ذاتها، فيما يرى خبراء أن النزاع لن يحسم ما لم تتوافر ثلاثة شروط وهي ترسيم نهائي وملزم للحدود، إرادة سياسية داخلية تتحرر من الضغوط القومية، ودور إقليمي أكثر فاعلية يضمن تنفيذ أي اتفاق، حتى ذلك الحين، سيبقى النزاع بين تايلاند وكمبوديا مثالا حيا على صراعات رسمها الاستعمار، وأبقتها السياسة الداخلية مشتعلة، في انتظار سلام لم يأت بعد.

 

تايلاند .. كيف تحمي دولة السياحة استقرارها الداخلي وسط نزاعات الجوار؟

في شوارع بانكوك المزدحمة، تبدو الحياة اليومية بعيدة تماما عن نشرات الأخبار الإقليمية المتوترة، فالسياح يتنقلون بين المعابد والأسواق، والطائرات تقلع وتهبط بانتظام، وكأن النزاعات المحيطة بجنوب شرق آسيا لا تترك أثرا مباشرا على هذه الدولة التي جعلت من السياحة شريانا رئيسيا لاقتصادها.

الثروات الاقتصادية والطبيعية لتايلاند
الثروات الاقتصادية والطبيعية لتايلاند

 

وتقع تايلاند في قلب منطقة شهدت تاريخا طويلا من النزاعات الحدودية والتحولات السياسية، ورغم أنها ليست طرفا مباشرا في معظم هذه الصراعات، إلا أن أي تصعيد إقليمي يضع اقتصادها، المعتمد بدرجة كبيرة على السياحة والاستثمار الأجنبي، أمام اختبار حقيقي.

مناطق الاشتباك بين تايلاند وكمبوديا
مناطق الاشتباك بين تايلاند وكمبوديا

 

كما تعتمد تايلاند نهجا دبلوماسيا قائما على عدم التصعيد، وتجنب الانحياز الحاد في النزاعات الإقليمية، وهذا النهج يسمح لها بالحفاظ على علاقات متوازنة مع دول الجوار، ويحد من انتقال التوترات إلى الداخل، خاصة في المناطق السياحية الحيوية.

كما تلعب المؤسسة العسكرية دورا في حفظ الاستقرار، لكنها تحرص على عدم الظهور المكثف في الفضاء السياحي، ولديها نقاط تفتيش أمنية محدودة، والإجراءات غير لافتة، في محاولة لطمأنة الزائر دون خلق إحساس بالخطر أو الطوارئ، خاصة أن السياحة تمثل أحد أهم مصادر الدخل القومي في تايلاند، ما يجعل حماية هذا القطاع أولوية وطنية، لذلك، تعمل الدولة على عزل المناطق السياحية عن أي توتر محتمل، مع خطط طوارئ سريعة لضمان استمرارية الحركة الجوية والفندقية.

خسائر الحرب بين كمبوديا وتايلاند
خسائر الحرب بين كمبوديا وتايلاند

 

إدارة الصورة الذهنية عالميا

وتركز الحكومة التايلاندية على إرسال رسائل طمأنة للأسواق العالمية، عبر البيانات الرسمية والتواصل المستمر مع شركات الطيران ومنظمي الرحلات، لتأكيد أن البلاد آمنة ومستقرة رغم التوترات الإقليمية، خاصة أن تايلاند تجربة تكشف أن الاستقرار في دول السياحة ليس نتاج القوة وحدها، بل حصيلة مزيج دقيق من الدبلوماسية الهادئة، والإدارة الأمنية الذكية، وفهم عميق لأهمية الصورة الذهنية في عالم سريع التأثر بالأزمات.

ميزان القوة بين تايلاند وكمبوديا

 

القدرات العسكرية لتايلاند
القدرات العسكرية لتايلاند

هناك فارق كبير بين القدرات العسكرية لتايلاند وكمبوديا، فالأولى تصل الميزانية الدفاعية لديها إلى 5.7–5.9 مليار دولار سنويا، كما أن عدد قوات الجيش أكثر من 350,000–600,000 شخص يضم عسكريين واحتياط وأشخاص مرتبطين بالقوات المسلحة، وتمتلك مئات الدبابات وآلاف العربات القتالية ومئات المدافع، كما أن لديها أكثر من 70–100 طائرة قتالية تشمل F-16 وGripen كما تمتلك مروحيات ومراقبة بدون طيار، كذلك تمتلك سفينة حمل طائرات وفرقاطات وزوارق دورية ووحدات مشاة بحرية كبيرة، والجيش التايلاندي أقوى من الكمبودي من حيث المال والعدد والتدريب والتقنيات القتالية وله دفاع جوي ونفوذ بحري واسع.

 

 

 

 

وإذا انتقلنا إلى كمبوديا، سنجد أن الميزانية الدفاعية تصل لـ 860 مليون – 1.3 مليار دولار، ولديها نحو 124,000–231,000 ، كما تمتلك أكثر من 200 دبابة وبعض المدافع، وقواتها الجوية صغيرة بدون طائرات مقاتلة حقيقية وتعتمد على طائرات نقل ومروحيات، وكذلك تمتلك وحدات خفيفة من الزوارق، والجيش الكمبودي يتركز بشكل كبير على الجيش البري .

 

 

 

وبمقارنة أكثر دقة حول أبرز الأسلحة التي يستحوذ عليها الجيشين، فإن الجيش التايلاندي يقبع في المركز الـ25 عالميا بحسب مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، كما يمتلك 635 دبابة، و16935 مركبة قتالية مدرعة، و50 مدفع ذاتي الدفع، و589 مدفع ميداني، و26 راجمات صواريخ، و72 طائرة مقاتلة و20 طائرة هجومية، و258 طائرة شحن، و7 طائرات تدريب ومثلها مروحيات هجومية، و26 طائرات مهام خاصة، و54 طائرة نقل، و135 طائرة بدون طيار و7 فقرطات، و6 غواصات و49 زورق دوري وحاملة طائرة هليكوبتر و5 كاسحات ألغام بحرية.

 

 

 

على النقيض، فإن الجيش الكمبودي يقبع في المركز الـ95 عالميا، ويمتلك 644 دبابة، و 3627 مركبة قتالية مدرعة، و 30 مدفع ذاتي الدفع، و 430 مدفع ميداني، و 463 راجمات صواريخ، ولا يمتلك طائرة مقاتلة ولا طائرة هجومية، ولديه 21 طائرة شحن، ولا يمتلك طائرات تدريب وكذلك ليس لديه مروحيات هجومية، أو طائرات مهام خاصة، ويمتلك 4 طائرة نقل، كما أنه لا يمتلك طائرة بدون طيار ولا فقرطات، ولا غواصات أو زوارق دورية أو حاملات طائرة هليكوبتر، فيما تمتلك 20 كاسحات ألغام بحرية.

القدرات العسكرية لكمبوديا
القدرات العسكرية لكمبوديا

ومن هنا يتضح أن كمبوديا تتفوق فقط على نظيرتها تايلاند في عدد الدبابات وراجمات الصواريخ وكاسحات الألغام البحرية، بينما هناك تفوق كاسح لكمبوديا في باقي الأسلحة، بل إن هناك أسلحة يمتلها الجيش التايلاندي، بينما لا يمتلك الجيش الكمبودي أي قطعة منها، وهو ما يشير وفقا لتلك الأرقام والإحصائيات قوة التايلانديين أمام الكمبوديين حال نشوب أي حرب بينهما.

 

 

 

على امتداد الحدود الطويلة بين تايلاند وكمبوديا، لا تبدو أي مواجهة محتملة مجرد اشتباك حدودي عابر، بل اختبارا قاسيا لبلدين يختلفان في الحجم والقدرة، لكن يشتركان في أن كلفة الحرب ستكون فادحة على الطرفين، فبانكوك تدخل أي صدام وهي تمتلك جيشا منظما وخبرة مؤسسية طويلة، مع تفوق واضح في سلاح الجو والبحرية، ما يمنحها القدرة على فرض سيطرة ميدانية سريعة إذا تحولت الأزمة إلى مواجهة مفتوحة، غير أن هذا التفوق لا يعني أنها ستخرج منتصرة بلا خسائر.

الثروات الاقتصادية والطبيعية لكمبوديا
الثروات الاقتصادية والطبيعية لكمبوديا

الحرب حتى لو كانت قصيرة، ستصيب شريان الاقتصاد التايلاندي في مقتل، خاصة السياحة التي تعتمد عليها البلاد كأحد أهم مصادر الدخل ستكون أول الضحايا، مع إغلاق مناطق كاملة أمام الزوار، وتعليق الرحلات، وتراجع الثقة الدولية، كما أن المناطق الصناعية القريبة من الحدود ستتعرض لشلل جزئي، في وقت يعاني فيه الاقتصاد العالمي أصلًا من اضطرابات متلاحقة، وسياسيا، ستجد الحكومة التايلاندية نفسها أمام ضغط داخلي متزايد وهي خسائر بشرية، ونزوح سكان من القرى الحدودية، وتساؤلات عن جدوى التصعيد، حتى لو كانت اليد العليا عسكريا.

القدرات العسكرية التيلاندية والكمبيودية
القدرات العسكرية التيلاندية والكمبيودية

 

كمبوديا.. صمود مكلف في معركة غير متكافئة

في المقابل، تبدو كمبوديا الطرف الأضعف عسكريا، بقدرات محدودة وسلاح جو شبه غائب، ما يجعل أي حرب مفتوحة معركة استنزاف غير متكافئة، لكن الضعف العسكري لا يعني غياب الخسارة المعنوية والسياسية لتايلاند، لأن بنوم بنه قد تراهن على الصمود وإطالة أمد الاشتباكات.
الخسائر الأكبر ستقع على المدنيين والبنية التحتية في كمبوديا، خصوصا في المناطق الحدودية التي تعتمد على الزراعة والتجارة البينية، لاسيما أن الحرب لا تعني فقط دمارا مباشرا، بل تهديدا لمصادر العيش الأساسية، من الحقول إلى الطرق والموانئ الصغيرة التي تربط القرى بالأسواق، واقتصاديا، أي تصعيد سيضرب السياحة الكمبودية في مقتل، خاصة مواقعها الأثرية التي تمثل رمزا للدولة وموردا رئيسيا للعملة الصعبة، بجانب تراجع الاستثمارات الأجنبية التي لا تتحمل بيئة غير مستقرة.

ويكشف محمد صلاح الدين، الخبير في الشئون الآسيوية، تاريخ التوتر بين البلدين، مشيرا إلى أن  هناك نزاع حدودي ممتد منذ الحقبة الاستعمارية الفرنسية، موضحا أن تايلاند لعبت دورا معقدا في الحرب الأهلية  في كمبوديا، إذ تعاونت مع الصين لتوفير ملاذ آمن وأسلحة لمقاتلي الخمير الحمر في حرب عصابات ضد قوات الاحتلال الفيتنامية وحلفائهم من الكمبوديين.

مقارنة بين الجيش التايلاندي والكمبدودي من حيث الأسلحة
مقارنة بين الجيش التايلاندي والكمبدودي من حيث الأسلحة

ويضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أنه خلال الوقت الذي كان الخلاف على أشده حول ممثل كمبوديا في الأمم المتحدة إذ كان محل نزاع بين جمهورية كمبوتشيا الشعبية PRK المدعومة من فيتنام والاتحاد السوفيتي، وحزب كمبوتشيا الديمقراطية PDK الممثل لنظام الخمير الحمر الذي طردته فيتنام، لافتا إلى أن هذا الدعم تغير مع تولي تشاتيتشاي تشونهفان رئيس وزراء تايلاند في عام 1988، إذ بدأ في تحسين العلاقات مع فيتنام  - التي كانت منبوذة دوليا آنذاك - ومع حكومة كمبوديا التابعة لجمهورية كمبوتشيا الشعبية  بقيادة هون سين.

الميزانية الدفاعية لتايلاند وكمبوديا
الميزانية الدفاعية لتايلاند وكمبوديا

ويوضح أن السبب المباشر للاشتباكات الأولى في يوليو الماضي وتجدد الاشتباكات الحالية هو الألغام على الحدود وإصابتها للأفراد، بينما تنفى كمبوديا زراعة ألغام وتشير إلى أنها ألغام تعود إلى فترة الحرب الأهلية، مؤكدا أن هناك عامل أيضا مهم للغاية في الصراع وهو مراكز الاحتيال والكازينوهات في كمبوديا، والتي ترتبط، بنخب حاكمة أو مقربة من دوائر الحكم، وبالتالي قد تظهر تايلاند بصورة من يسعى إلى تدميرها.

عدد دبابات الجيش في تايلاند وكمبوديا
عدد دبابات الجيش في تايلاند وكمبوديا

ويؤكد محمد صلاح الدين، أن هناك عامل آخر مهم وهو العامل الداخلي في تايلاند، نظرا لأن رئيس الوزراء أنوتين تشارنفيراكول، يجد فيما يحدث فرصة لإثبات قدراته، خاصة مع حل البرلمان وإجرائه انتخابات في فبراير المقبل، في جانب آخر يواجه رئيس الوزراء الكمبودي السابق  - رجل الدولة القوي - هون سين وابنه، رئيس الوزراء الحالي هون مانيت، ضغوطا مماثلة لإثبات قدرتهما على حماية السيادة الكمبودية، كما يبذلان جهودا كبيرة للتصدي للاتهامات بتواطؤ النخب مع اقتصاد الاحتيال في كمبوديا.

عدد الجنود في تايلاند وكمبوديا
عدد الجنود في تايلاند وكمبوديا

ويشير إلى أن تجددت الاشتباكات بين البلدين جاءت بسبب عدم حل الاتفاق الذي جاء برعاية ماليزيا والولايات المتحدة للمشكلة الرئيسية التي تكمن في الصراع الحدودي، لافتا إلى أن تايلاند تتفوق بصورة كبيرة جدا على كمبوديا خاصة وأنها تمتلك أقوى سلاح جو الهند الصينية 28 مقاتلة من طراز إف-16 و11 مقاتلة سويدية من طراز غريبن، كما أن تايلاند تقبع في المركز 25 عالميا وكمبوديا 95 على موقع جلوبال فاير باور.

مقارنة عسكرية بين كمبوديا وتايلاند
مقارنة عسكرية بين كمبوديا وتايلاند

 

وبشأن الوضع الجيوسياسي  للبلدين، يقول إن كمبوديا مقربة على كل المستويات من الصين، في حين إن تايلاند أقرب لأمريكا مع سعيها الدائم لإحداث توازن في العلاقات مع الصين، ومن مصلحة الولايات المتحدة والصين تهدئة الموقف وعدم تفاقم الصراع، وبالتالي ستكون هناك جهود للعودة إلى الهدوء .

حرب بلا رابح حقيقي

وفي الحسابات النهائية، لا تبدو الحرب خيارا مربحا لأي من الطرفين، فتايلاند قد تنتصر عسكريا لكنها ستدفع ثمنا اقتصاديا وسياسيا باهظا، بينما كمبوديا ستتحمل العبء الإنساني والاقتصادي الأكبر في مواجهة قوة تفوقها عدة وعتادا، لهذا، فإن أي شرارة تصعيد على الحدود لا تهدد فقط أمن البلدين، بل تفتح الباب أمام خسارة مزدوجة في منطقة تحتاج إلى الاستقرار أكثر من أي وقت مضى.

مناطق الاشتباك بين تايلاند وكمبوديا
مناطق الاشتباك بين تايلاند وكمبوديا

 

خسائر كلا البلدين حال نشوب الحرب

إذا ذهبنا إلى تايلاند، فإنه رغم تفوقها العسكري الكبير، إلا أن الحرب ستتسبب في خسائر بشرية في الجيش والمدنيين، وخسائر اقتصادية كبيرة بسبب تعطيل التجارة، السياحة، وصيانة البنية التحتية، قدرت بمئات الملايين الدولارات في النزاع الأخير، بحسب وكالة رويترز، بجانب حدوث  اضطراب اجتماعي وسياسي مثل النزوح الجماعي والأزمات داخلية، بجانب ضرر في العلاقات الإقليمية والدولية، ويظل التأثير الأكبر ليس فقط جبهات القتال، بل تعطيل الاقتصادات والاستقرار.

بينما  كمبوديا فنظرا لقوة تايلاند، فبنوم بنه – العاصمة - قد تواجه خسائر بشرية كبيرة أسرع وأعمق خاصة أن القوات أصغر والدفاعات أقل، بجانب دمار بنى تحتية، خاصة في المناطق الحدودية المهمة اقتصاديا، وتراجع اقتصادي حاد لأن الاقتصاد أصغر وأكثر هشاشة، بجانب تأثير كبير على السكان المدنيين وحدوث هجرة داخلية، وحتى إذا قاومت بقوة، خسائرها ستكون أثقل نسبيا بسبب ضعف قدراتها.

استثمارات الصين في كمبوديا

الحرب حال قيامها قد لا تقتصر على البلدين فقط بل قد تشهد تدخل حلفائهما، خاصة الولايات المتحدة والصين اللذان لديهما استثمارات ضخمة، مما قد يجعلهما طرفا في هذا التوتر، فبكين حليفة قوية لكمبوديا، وتصدرت تدفقات الاستثمار والأشغال خلال 2025، حيث سجلت تدفقات استثمار صينية بارزة، وقدر تدفق الاستثمارات الصينية بنحو 3.6 مليار دولار خلال أول 7 أشهر من 2025، مع تركيز قوي على البنية التحتية، والعقارات، والسياحة والطاقة.


وعلى مدى العقدين الماضيين قدمت بكين قروضا ومساعدات بقيمة مليارات الدولارات لتمويل طرق، جسور، مشاريع طاقة وموانئ؛ وإجمالي القروض الصينية إلى كمبوديا كان في نطاق بضعة مليارات مثل 4.02 مليار دولار إجمالا حتى نهاية 2024 بحسب تقارير صحفية أجنبية، وهذا النوع من التمويل يربط الاقتصاد الكمبودي ارتباطا وثيقا بالمصالح الصينية، بجانب وجود استثمارات وصيانة قواعد بحرية، وموانئ خاصة قاعدة ريـام وتحديث الموانئ وبناء بنى تحتية سياحية وعقارية جعلت علاقتها اقتصادية واستراتيجية عميقة مع الصين.

كيف تدعم بكين كمبوديا ؟

طرق الدعم الصيني لكمبوديا تتمثل في قروضا كبيرة ومشروعات بنية تحتية تحت مظلة مبادرات مثل الحزام والطريق وطرق، وجسور، وموانئ، ومشاريع طاقة وسياحة، وهذا التمويل غالبا يكون بشروط ميسرة أو منح، بينما عسكريا هناك تزويد بأنظمة ومعدات عسكرية، وتدريبات، ورفع قدرة القوات الكمبودية، بالإضافة إلى وجود تعاون استخباراتي وتحديثات لقاعدة ريـام البحرية بمشاركة ودعم صيني، مما يعزز النفوذ الاستراتيجي لبكين في مياه المنطقة، وهناك علاقة اعتماد متبادل سياسي واقتصادي وأمني، وبنوم بنه  تظهر مواقف دولية داعمة لمواقف بكين في منابر إقليمية ودولية نتيجة هذا التقارب.

ويوضح نادر رونج، المحلل السياسي الصيني، إلى أن موقف بكين تجاه التوتر بين كمبوديا وتايلاند هو دعوة الطرفين لضبط أكبر درجة من ضبط النفس، والوقف الفوري لإطلاق النار، وكذلك حل الخلافات والنزاعات عبر الحوار وبطرق سلمية، مشيرا إلى أن بلاده لها دور في تخفيف هذا الصراع، خاصة أنها أعربت عن استعدادها مرارا وتكرارا لتقديم المنصة للحوار والوساطة بين الطرفين.

ويضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن وزارة الخارجية الصينية أكدت عدة مرات أن كمبوديا وتايلاند جاران وهو واقع لا يمكن تغييره، والمهمة الملحة حاليا وقف إطلاق النار وحماية المدنيين، لافتا إلى أن بكين تأمل من الجانبين التجنب من تصعيد الوضع، اعتبارا من الحفاظ على استقرار الحدود وكذلك مصالح الشعب.

ويشير نادر رونج، إلى أن الصين تبادر إلى إيجاد حل عبر تشاور مباشر وفي إطار الآسيان، ومعارضة المواجهات العسكرية.

استثمارات الولايات المتحدة في تايلاند

على الجانب الأخر، فإن الولايات المتحدة مستثمرا مهما في تايلاند، حيث سجلت تقارير وزارة الخارجية الأمريكية أن المخزون الأمريكي من الاستثمارات في بانكوك بلغ مستويات كبيرة وفي تقارير سابقة عام 2022 قدر بـ15.8 مليار دولار، فيما جذبت تايلاند تدفقات استثمار أوسع في 2024–2025 من دول متعددة، وهناك كذلك استثمارات أمريكية كبيرة في التصنيع خاصة الصناعات الإلكترونية والسيارات، بجانب الخدمات، والبنية التحتية الرقمية والطاقة، كما تستقطب تايلاند استثمارات أجنبية مباشرة مرتفعة عام 2025 بشكل عام.

حجم الاستثمارات الأمريكية في تايلاند والصينية في كمبوديا
حجم الاستثمارات الأمريكية في تايلاند والصينية في كمبوديا

 

كيف تدعم واشنطن تايلاند عمليا؟

كما أن الولايات المتحدة وتايلاند شركاء دفاعيون منذ عقود، حيث يتضمن ذلك تدريبات مشتركة مكثفة، ومبيعات عسكرية، ومشروعات تعاون أمني إقليمية، خاصة أن تقرير وزارة الخارجية الأمريكية يشير إلى برامج مبيعات عسكرية جارية بمليارات الدولارات وأنشطة تعاونية عديدة، وبالرغم من التعاون الكبير، فقد شهدت مساعدات مثل المساعدات العسكرية المباشرة تراجعا في بعض السنوات الحديثة وتقلبات في أرقام FMF بين 2023 – 2025، وانخفضت بشكل ملحوظ في تقارير 2024 –2025، وبعض برامج المساعدات توقفت أو تقلصت في 2025 لأسباب سياسية وميزانية، بينما تظل هناك تدريبات مشتركة، وبيع ونقل منصات ومعدات، وتبادل استخباراتي محدود، ودعم دبلوماسي اقتصادي يجذب استثمارات أمريكية لتايلاند.

 

تواصلنا مع المكتب الإعلامي لوزارة الخارجية الأمريكية، للتعقيب على الدور الأمريكي بشأن التوتر القائم بين كمبوديا وتايلاند، ليرسل لنا بيان صادر عبر الموقع الرسمي للوزارة بتاريخ 9 ديسمبر، تؤكد فيه أن الولايات المتحدة بالقلق إزاء استمرار القتال وسقوط ضحايا في مواقع متعددة على طول الحدود الكمبودية التايلاندية، كما حثت بشدة على الوقف الفوري للأعمال العدائية، وحماية المدنيين، وعودة الطرفين إلى تدابير خفض التصعيد المنصوص عليها في اتفاقيات كوالالمبور للسلام الموقعة في 26 أكتوبر من قبل رئيسي وزراء كمبوديا وتايلاند، والتي شهدها الرئيس ترامب ورئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم.

بيان الخارجية الأمريكية حول الأزمة بين تايلاند وكمبوديا
بيان الخارجية الأمريكية حول الأزمة بين تايلاند وكمبوديا

فميا يؤكد مالك فرانسيس، عضو الحزب الجمهوري الأمريكي، أن التوتر المتكرر بين تايلاند وكمبوديا خلافا حدوديا تقليديا في جنوب شرق آسيا، تدفعه ملفات قديمة تتعلق بالسيادة والخرائط والتاريخ، ولا سيما في المناطق المحيطة بالمعابد والمناطق الحدودية الحساسة، لكن قراءة أعمق للمشهد تكشف أن هذا التوتر لا ينفصل عن صراع نفوذ دولي أوسع، تتقاطع فيه مصالح الولايات المتحدة والصين في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية جيوسياسية.

ويضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن تايلاند تعد من أقدم حلفاء الولايات المتحدة في آسيا، إذ ترتبط بعلاقات عسكرية وأمنية وثيقة مع واشنطن منذ الحرب الباردة، ولا يزال التعاون الدفاعي قائمًا من خلال المناورات العسكرية المشتركة، وعلى رأسها مناورات كوبرا جولد، إضافة إلى التنسيق الاستخباراتي والدعم اللوجستي، موضحا أن تايلاند، وعلى الرغم من هذا التحالف، تنتهج سياسة خارجية براجماتية، تحاول من خلالها الموازنة بين واشنطن وبكين، إدراكا منها لثقل الصين الاقتصادي والجغرافي في الإقليم.

الارتهان المتزايد لبكين

ويشير إلى أن كمبوديا تميل بشكل واضح نحو الصين، التي أصبحت الشريك الاقتصادي والسياسي الأول لها، حيث ضخت بكين استثمارات ضخمة في البنية التحتية الكمبودية، من موانئ وطرق وسكك حديدية، فضلا عن دعم سياسي ودبلوماسي غير مشروط تقريبًا، كما تثير القاعدة البحرية في ريام قلقا أمريكيًا متزايدا، حيث ترى واشنطن فيها موطئ قدم صيني محتمل على خليج تايلاند، ما يمنح بكين نفوذًا بحريًا إضافيًا في قلب جنوب شرق آسيا.

صراع بالوكالة أم تنافس مضبوط؟

ويوضح أنه رغم هذا الاصطفاف غير المعلن، من غير المرجح أن يتحول التوتر التايلاندي-الكمبودي إلى صراع عسكري مباشر بالوكالة بين واشنطن وبكين، خاصة أن الطرفين يدركان كلفة الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، ويفضلان إدارة التنافس بوسائل ناعمة من خلال نفوذ اقتصادي، دعم سياسي، صفقات تسليح، وضغوط دبلوماسية غير مباشرة، لكن الخطر الحقيقي يكمن في سوء الحسابات، أي حادث حدودي محدود قد يستغل داخليا أو يضخم خارجيا، فيتحول إلى أزمة أوسع، تختبر فيها خطوط النفوذ بين القوتين العظميين.

ويؤكد عضو الحزب الجمهوري الأمريكي، أن دول آسيان، ومنها تايلاند وكمبوديا، تسعى إلى تجنب التحول إلى أدوات في صراع القوى الكبرى. إلا أن الواقع الجغرافي والاقتصادي يجعل من الصعب البقاء على الحياد الكامل، خاصة أن الصين حاضرة بقوة عبر الاقتصاد، والولايات المتحدة حاضرة عبر الأمن والتحالفات، ومن هنا، يصبح أي توتر محلي، مهما بدا محدودا، جزءا من لوحة إقليمية أكبر عنوانها "من يملك اليد العليا في آسيا؟".

ويقول إن التوتر بين تايلاند وكمبوديا لا يشكل بحد ذاته صراعا دوليا، لكنه يعكس بوضوح ملامح التنافس الأمريكي–الصيني في جنوب شرق آسيا، وهو تنافس يتخذ شكل صراع منخفض الحدة تدار فيه الخلافات عبر أدوات سياسية واقتصادية وأمنية غير مباشرة، متابعا :" في ظل تصاعد الاستقطاب العالمي، يبقى هذا النوع من النزاعات المحلية عرضة للتحول إلى نقاط اختبار حساسة للتوازنات الدولية، ما يجعل إدارتها بحذر دبلوماسي وأطر إقليمية فاعلة أمرا بالغ الأهمية لتجنب انزلاق المنطقة إلى عدم استقرار أوسع، غير أن استمرار هذا التوتر، في ظل تصاعد الاستقطاب الدولي، يجعل المنطقة أقرب إلى حافة رمادية خطرة، حيث يمكن لشرارة صغيرة أن تكشف حجم الصراع الكامن تحت السطح.

من جانبها تؤكد الدكتورة تمارا برو، الخبيرة في الشئون الآسوية، أن العوامل الداخلية والخارجية تتداخل في تغذية الاشتباكات بين تايلاند وكمبوديا، خاصة أن الأخيرة تربطها علاقات وثيقة بالصين التي لديها استثمارات كبيرة هناك وأيضا تدعمها عسكريا، بينما في المقابل، بانكوك لديها علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة الأمريكية التي هناك تعاون عسكري بين البلدين، والأسلحة التايلاندية هي أسلحة معظمها أسلحة أمريكية.

وتوضح في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن هناك من يرى أن الولايات المتحدة الأمريكية تضغط في هذه المنطقة من أجل تقييد نفوذ الصين، بينما تصرح واشنطن - كما صرح ترامب - بأنها ستفرض رسوم جمركية إضافية أو إلغاء الاتفاقات التجارية مع البلدين لإجبارهما على وقف الاشتباكات، رغم أن الرئيس الأمريكي كان يرعى اتفاق وقف إطلاق النار بين البلدين في ماليزيا على هامش قمة الآسيان.

وتستبعد تمارا برو، أن تؤدي الاشتباكات إلى اندلاع حرب في هذه المنطقة، لأن الاعتبارات الداخلية هي التي تسيطر على الإجراءات التي يتخذها الطرفان، حتى أن الدول الإقليمية والدول الكبرى كالصين والولايات المتحدة الأمريكية غير مستعدتان لخوض حرب في هذه المنطقة، متوقعة أنهما سيعملان على تخفيف التوترات والاشتباكات بين الطرفين كي لا تتفاقم وتصل الأمور إلى حرب في هذه المنطقة.

وتشير إلى أنه إذا اندلعت حرب بين بين كمبوديا وتايلاند، فإن ذلك سيؤدي إلى إشغال مصانع الأسلحة بإمدادات الأسلحة إلى البلدين ولكن بطبيعة الحال، بالنظر إلى التفوق العسكري لبانكوك على بنوم بنه، فإن ذلك يعني ستكون لمصلحة تايلاند.

وتقول الخبير في الشئون الآسيوية، إن اندلاع الاشتباك بين تايلاند وكمبوديا ستؤدى إلى توتر الأجواء في منطقة جنوب شرق آسيا، لأن من شأن اندلاع الحرب أن تؤدي إلى انفلات الأوضاع الأمنية في المنطقة، وإلى تدفق اللاجئين على حدود فيتنام ولاوسا، وتعطل التجارة في هذين البلدين مما يؤثر على منطقة جنوب شرق آسيا بشكل عام، متابعة :" ربما لن تقف هذه الحرب على البلدين خاصة إذا تدخلت الصين والولايات المتحدة الأمريكية، حيث يمكن أن تشتعل الحرب في منطقة أخرى، كبحر الصين الجنوبي أو حتى بين أفغانستان وباكستان، ومما يؤدي إلى اندلاع اشتباكات واسعة والإضرار باقتصاد هذه الأطراف وبالتالي التأثير على الاقتصاد العالمي.

كما تستبعد انفجار الصراع في هذه المنطقة، قائلة :"ربما تبقى ضمن إطار السيطرة بالنظر إلى أن الدول الكبيرة، خاصة الدول التي لها ثقل في منطقة جنوب شرق آسيا كالصين والولايات المتحدة الأمريكية أو حتى منظمة الآسيان ستسعى إلى الحد من التوترات بين تايلاند وكمبوديا كي لا تنفلت الأمور أكثر من ذلك."

فيما يشير محمد حامد الخبير السياسي، إلى أنه لا يمكن إخفاء الخلاف الصيني الأمريكي في ملفات عدة من الخلاف الموجود بين تايلاند وكمبوديا، خاصة أن فالحليف الرئيسي والتاريخي والأمني لبانكوك هي واشنطن، بينما الحليف والدعم الأول لبنوم بنه هي بكين.

ويؤكد أن هناك إمكانية لمقارنة ما حدث بين الهند وباكستان في عام 2025 من خلاف دعمت الصين فيه إسلام أباد، ودعمت الولايات المتحدة الأمريكية نيودلهي فيه، بما يحدث بين كمبوديا وتايلاند؛ وهو  انعكاس للخلاف الصيني الأمريكي في ملفات عدة، مما يؤدي إلى إذكاء وتغذية بعض الصراعات النائمة والخاملة مثل بانكوك وبنوم بنه.

ارتدادات عالمية محتملة حال نشوف حرب
 

رغم أن الصراع بين تايلاند وكمبوديا إذا اندلع سيبدأ في نطاق جغرافي محدود، إلا أن تداعياته الاقتصادية قد تتجاوز حدود البلدين سريعا، حيث إن بانكوك تعد أحد المراكز الصناعية والسياحية المهمة في جنوب شرق آسيا، وأي اضطراب أمني واسع قد يؤدي إلى تعطل سلاسل الإمداد المرتبطة بصناعات السيارات والإلكترونيات والمنتجات الغذائية، ما ينعكس على الأسواق العالمية في صورة ارتفاع أسعار وتأخير في الشحنات، خاصة نحو آسيا والشرق الأوسط.

كما أن اندلاع حرب في منطقة تصنف تقليديا باعتبارها مستقرة نسبيا، سيبعث برسائل سلبية إلى المستثمرين الدوليين، فمن المتوقع أن تشهد الأسواق المالية في البلدين المتصارعين تراجعا ملحوظا، مع ضغوط على العملتين المحليتين وخروج جزئي لرؤوس الأموال نحو الملاذات الآمنة مثل الدولار والذهب، وهو ما قد ينعكس على مجمل الأسواق الناشئة في آسيا.

السياحة في مرمى الخسائر

وتمثل السياحة أحد أعمدة الاقتصاد التايلاندي، كما تعتمد كمبوديا بشكل كبير على عوائد السياحة المرتبطة بالمواقع الأثرية مثل معابد أنجكور، وفي حال نشوب حرب، حتى وإن كانت محدودة، فإن حركة السياحة ستتراجع بصورة حادة، ما يسبب خسائر بمليارات الدولارات ويؤثر على شركات الطيران والفنادق وسلاسل الخدمات السياحية عالميًا.

ضربة محتملة لتكتل آسيان

وستشكل الحرب المحتملة بين دولتين عضوين في رابطة دول جنوب شرق آسيا "آسيان" اختبارا صعبا للتكتل الإقليمي، الذي قام أساسا على مبادئ الاستقرار والتكامل الاقتصادي، كما أن مثل هذا الصراع قد يضعف الثقة الدولية في المنظمة الأسيوية كمنطقة آمنة للاستثمار، ويؤدي إلى تباطؤ في الاتفاقيات التجارية والمشروعات المشتركة.

الغذاء أخطر التداعيات

تعد تايلاند وكمبوديا من الدول المنتجة والمصدرة للأرز، وأي اضطراب عسكري واسع النطاق قد يؤثر على الإنتاج أو التصدير، فهذا السيناريو يحمل مخاطر ارتفاع أسعار الأرز في الأسواق العالمية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على دول تعتمد على الاستيراد، خاصة في إفريقيا والشرق الأوسط.

انعكاسات غير مباشرة على المنطقة العربية

وتعد المنطقة العربية ليست بعيدة عن التأثيرات المحتملة للحرب، حيث قد تواجه ارتفاعا في أسعار بعض السلع الغذائية المستوردة من آسيا، إلى جانب تأثر حركة التجارة والشحن، كما أن استثمارات عربية في قطاعات السياحة والزراعة بتايلاند قد تتعرض للتجميد أو الخسائر، ما يضيف عبئًا اقتصاديًا جديدا على المستثمرين.

وتبقى حدة التأثيرات الاقتصادية مرتبطة بطبيعة الصراع ومدته. فالتصعيد المحدود قد يخلف أضرارا إقليمية يمكن احتواؤها، بينما تؤدي حرب مفتوحة إلى آثار أوسع تمتد من اضطراب الغذاء والسياحة إلى تراجع ثقة الأسواق العالمية في استقرار جنوب شرق آسيا.

النزاع بين البلدين نسب جديد. هو نزاع حدود يتعلق بعديد المواقع التاريخية ذات الاهمية الدينية. ومن أبرز هذه المواقع التي تتعلق بها اشكاليات السيادة بالنسبة للبلدين هي المنطقة التي تحاذي حدود اللاوس، يعني حدود مثلثة. بالفعل المنطقة يطلق عليها المثلث الزمردي.

وفي هذا السياق تؤكد الدكتورة ليلى همامى أستاذة العلوم السياسية والمالية بجامعة لندن، والخبيرة السياسية التونسية، أن الصراع بين البلدين هو صراع حدودي، لكن يمكن اعتبارها عملية جس نبض بين حليف تايلاند الولايات المتحدة الامريكية، وحليف كمبوديا الصين، مشيرة إلى أن هناك محاولات لإرباك بكين، هذا المارد النائم الذي يحسب له ألف حساب، كما أن واشنطن تعتبر أن التنين الصيني يمكن أن يزحف على المناطق الاستراتيجية بالنسبة للتجارة الدولية وعمليات الاستثمار وتدوير رأس المال في أفريقيا وآسيا.

وتضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن الولايات المتحدة الامريكية تعتبر  بانكوك حليف استراتيجي، كما أن تايلاند بمنطق ميزان القوى تتجاوز كمبوديا من حيث القدرة العسكري، فهي من أقوى الجيوش في جنوب شرق آسيا، وتخصص  5.5 مليار دولار كميزانية  بالنسبة للدفاع، وبالتالي فإنه من حيث ميزان القوى العسكري، الأمر لا يقارن إذا ما اعتبرنا أن بنوم بنه تنفق ما يقارب ال300 مليون دولار على جيشها.

وتشير إلى أن صادرات كمبوديا تبلغ قيمتها 17 مليار دولار سنويا تقريبا في عام 2023، في تصل إلى 245 مليار دولار بالنسبة لتايلند، ونشوب أي حرب ستعطل بالفعل التصدير في مواد عديدة، خاصة الالكترونيات والسيارات والمواد الغذائية، لافتة إلى أن اتجاه نحو تطويق التوتر في مجلس الأمن، ومحاولة لكبح جماح البلدين، والأخذ باعتبار مصلحة التجارة الدولية التي تضررت بشكل كبير من الحرب الأوكرانية الروسية.

وتوقعت الدكتورة ليلى همامي، أن يتوافق المجتمع الدولي على وضع حد لهذه المواجهة العسكري، والمعيار الاقتصادي والضغط الاقتصادي سيكون حاسما في هذه  المعركة الجزئية التي تشير إلى أن ثمة توترات في بقاع متعددة من العالم وهذه الصراعات هي عناوين فرعية للمواجهة الكبرى بين العملاقين الصين والولايات المتحدة الأمريكية.

 

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة