<< حولت زنزانتي إلى مكتبة وقاعة دراسة قرأت لنجيب محفوظ ومحمود درويش وخليل جبران
<< كتبت مقالات ورسائل يوميات لعائلتي وزملائي الأسرى
<< كانت القراءة ملاذي والدراسة سلاحي.. ومروان البرغوثي حول رقم الأسير إلى رقم جامعي
<< لم يكن السجن مجرد قيود وحدود بل صرحا للمعرفة
<< قرأت للأسرى الكبار والصغار أعمال الأدب والفكر وكتبت مقالات ويوميات لأشاركهم الأمل والصمود
<< وجدت في القراءة والدراسة والخط سبيلي للبقاء حيا
<< كنت أعجز عن التدخل لإنقاذ زملائى الأسرى قبل استشهادهم لكن الألم لم يكسر إرادتي
<< مع كل دماء فقدتها أحببت القراءة والكتابة
في الحكايات الفلسطينية، لا تقاس الأعمار بعدد السنين وحدها، بل بعدد المرات التي ظل فيها القلب واقفا رغم محاولات الانكسار، وحين تبدأ الحكاية باسم الأسير المحرر أحمد أبو خضر، فإنك لا تروي سيرة رجل عاش خلف الجدران فقط، بل تسجل تاريخا من الصمود الذي لم تهزه القضبان، ولم تخمده الزنازين، ولم تسكت صوته كل محاولات الألم والقهر.
اقرأ أيضا:
استشهاد مواطنيين فلسطينيين برصاص قوات الاحتلال شرقى مدينة غزة
ولد أحمد في بلدة سيلة الظهر بمحافظة جنين، في بيت يليق بفلسطين، بيت يعرف معنى الالتزام والانتماء، ويكبر أبناؤه على فكرة أن الأرض ليست ترابا فقط، بل تاريخ ودم وأسماء وشهداء وأرواح لم تغادر دفاتر الوطن، كان الابن في عائلة كبيرة قوامها اثنا عشر فردا، والد يعمل في وزارة الصحة الفلسطينية، وأم أهدت عمرها لتربية أبنائها، واشقاء أنهوا دراستهم كما يهيأ لجيل قادم للمسؤولية.
لم يكن الانتماء بالنسبة لهذه العائلة خيارا بل قدرا، فأحمد لم يكن وحده من ذاق مرارة الأسر، والده أسر، وأشقائه السبعة أسروا، وكلهم مروا عبر بوابة السجون الإسرائيلية، وكأن العائلة بأكملها كانت صفا أمام امتحان الوطن.
بداية الاعتقال
قبل الأسر، كان أحمد ضابطا في قوات الأمن الوطني الفلسطيني، أحد أبناء السلطة الفلسطينية الذين حملوا سلاحهم في بدايات تأسيسها، مؤمنا بأن دوره هو حماية شعبه ووجوده، لا مجرد وظيفة حكومية، وبعد سنوات من العمل الأمني، جاء الاعتقال في 13 أبريل 2002 من مدينة طوباس، ليفتح صفحة أخرى من حياته، أكثر قسوة وأعمق أثرا.
الأسير أحمد أبو خضر
يتحدث وكأن الكلمات تخرج من عمق عاش فيه عمرا آخر غير المكتوب في الأوراق الرسمية، لم يكن يسرد واقعة، بل يستحضر حياة كاملة، حياة بحجم فلسطين ووجعها، بصوت ثابت لا يشبه أصوات الخارجين من الحرب فقط، بل يشبه أصوات من مروا من الموت ثم عادوا ليشهدوا.
يقول الأسير المحرر: أنا أحمد علي محمود أبو خضر، فلسطيني من جنين، من قرية اسمها سيلة الظهر، عمري اليوم 45 سنة، لكن الحقيقة أن عمري توقف يوم دخلت السجن لأول مرة، ثم عاد يتحرك يوم خرجت منه بعد ثلاثة وعشرين عاما من الأسر.
ويضيف في تصريحات خاصة لـ اليوم السابع: قبل الاعتقال، كنت ضابطا في قوات الأمن الوطني الفلسطيني، كنت أؤدي واجبي كأي ابن لهذا الشعب الذي لا يعرف إلا معنى الدفاع عن أرضه وكرامته، وفي يوم 13 أبريل عام 2002، من مدينة طوباس، بدأت رحلتي الطويلة خلف القضبان.

معاناة الأسرى الفلسطينيين
اضطهاد الاحتلال للعائلة
لم يولد أحمد في فراغ، بل في بيت فلسطيني يعرف شكل الوطن وأثمانه، حيث يتابع بصوته الممزوج بالفخر والشجن: أنا ابن أسرة فلسطينية محافظة، أسرة وضعها الاجتماعي جيد جدا، لكن الأغنى فيها لم يكن المال بل الإيمان والوطن، والدي كان موظفا في وزارة الصحة، وأمي كانت ربة بيت تحمل بيتا كاملا بقلبها ويديها.
ثم يبتسم ابتسامة خفيفة وكأنه يسترجع صورة العائلة حول مائدة بسيطة: كنا اثني عشر فردا، أبي، أمي، وعشرة إخوة وأخوات، وكلنا أنهينا دراستنا الثانوية والجامعية، لأننا كنا نؤمن أن السلاح الحقيقي للإنسان هو وعيه"، ويصمت لحظة، ثم يضيف بجملة تحمل ثقلا أكبر مما يبدو: لكن رغم العلم، الأسرة كلها دخلت السجون، أنا، والدي، وإخوتي السبعة، كأن الاحتلال قرر محاصرتنا ليس فقط كأفراد، بل كفكرة.

أحمد ابو خضر
تعذيب يفوق الوصف
حين يصل إلى مرحلة الحكم، تتغير نبرة صوته، لا خوف فيها، بل دهشة رجل ما زال لا يفهم كيف يمكن للأرقام أن تتحول إلى عقوبة: داخل السجون الإسرائيلية، صدر ضدي حكم بالسجن 1148 سنة وستة شهور، 11 مؤبدا فوق 50 سنة ونصف تقريبا، حكم لا يطبق عادة إلا على ورق لا ينوي صاحبه إلا الانتقام"، ثم يضيف بوضوح أكبر: "الاحتلال وجه إلي اتهامات بتنفيذ عدة عمليات فدائية، وبعضها داخل الأراضي المحتلة عام 48، قالوا إنني مسؤول عن قتل 11 صهيونيا وإصابة 198 آخرين، وأنني أحد مؤسسي كتائب شهداء الأقصى، وأنني نفذت عمليات في نابلس وجنين وضواحيهما.
لم يكن الاعتقال مجرد قيد معدني على اليدين، بل رحلة طويلة مع الألم، حيث يقول: منذ اللحظة الأولى، تعرضت للتعذيب، ضرب وشبح وتهديد بالقتل، كان الهدف واضحا، انتزاع اعتراف بأي طريقة. ويضيف وهو يتذكر اللحظات الأولى في السجن: بعد التحقيق الميداني، نقلوني إلى مركز تحقيق الجلمة، التابع للشاباك، ومن لا يعرف الجلمة، يكفي أن أخبره أنه مكان صُمم ليكسر الإنسان، لا ليحقق معه.
ثم يقول عبارته التي بدت كأنها خرجت من قلب بقي يقاوم رغم العتمة: "مكثت في زنزانة صغيرة للغاية، قذرة جدًا، 110 أيام، لم يكن للنوم هناك مكان، ولا للراحة، ولا للضوء، تعذيب نفسي، حرمان من النوم، ضرب، شبح لساعات وأيام، كانوا يريدون أن يجعلونا ننكسر"، ثم يرفع رأسه بثبات: لكننا لم ننكسر.
نازية العصر
كما يصف جلاديه بكلمات تشبه حكما تاريخيا: "منذ أول لحظة داخل السجون وحتى اليوم، لا أسميهم إلا اسمًا واحدًا "إنهم نازية هذا العصر"، لم يكن أحمد يروي تفاصيل فقط، كان يستعيد مع كل جملة تجربة شعب لا يزال يقاوم، ويولد من الألم قوة.
يوميات الأسير
كان الأسير المحرر أحمد أبو خضر لا يروي ذكرياته كمن يفتح دفترا قديما فقط، بل كمن يستعيد حياة كاملة عاشها بين جدران السجون الإسرائيلية دون أن يسمح لها بابتلاع روحه أو تعطيل حركتها. بصوته الهادئ، وكأنه ما يزال هناك، حيث يقول: "داخل السجون، كان علينا أن نختار، إما أن نموت ببطء، أو نحول الأسر إلى حياة، وأنا اخترت الحياة".
يبتسم ابتسامة تعرف جيدا معنى التحدي، ثم يتابع: "كنت أقضي معظم وقتي في ممارسة الرياضة، فهي لم تكن مجرد نشاط بدني، بل كانت مقاومة، فرصة لأقول لجسدي وللسجان لن تهزمني".

الأسير المحرر أحمد أبو خضر
أما الجانب الآخر من يومه، فكان للعلم، فيؤكد: أكملت دراستي داخل الأسر، حصلت على البكالوريوس في الخدمة الاجتماعية، ثم بكالوريوس آخر في العلوم السياسية، ثم حصلت على درجة الماجستير في الشؤون الإسرائيلية بتفوق.
هنا يتوقف أحمد أبو خضر قليلا وكأنه يتذكر وجوها مرت معه عبر تلك السنوات، ثم يقول بامتنان واضح: الفضل في هذا يعود للقائد مروان البرغوثي الذي رفع شعارا لم ننسه: سأحول رقم الأسير إلى رقم جامعي، وبالفعل تحولت الزنازين إلى جامعات، والغرف الضيقة إلى قاعات تعليم، والأسرى إلى طلاب وأساتذة.
لم يكن التعليم وحده ما يبقي الروح حية، كانت القراءة أحد أهم منافذ الضوء: كنت أقرأ كثيرا، ربما أكثر مما قرأت طوال حياتي قبل الأسر، حيث قرأت لنجيب محفوظ، محمود درويش، أمين معلوف، خليل جبران، دان براون، باولو كويلو، وقرأت لكتاب فلسطينيين وعرب ودوليين. كنت أبحث عن الفكر، عن الأدب، عن الشعر، عن أي شيء يوسع المساحة الضيقة التي كنا نعيش فيها.
ومع القراءة جاء القلم
تجربة أحمد أبو خضر داخل السجن الإسرائيلي لم تتوقف عند القراءة فقط بل تطورت الكتابة أيضا فمع القراءة جاء القلم، حيث يقول: كتبت الكثير داخل الأسر، مقالات، رسائل، ويوميات عن حياتنا خلف القضبان، كتبت رسائل شوق لعائلتي وأصدقائي، رسائل كانت تخرج من القلب إلى قلبٍ ينتظر هناك خلف الأسلاك.
التنقل بين السجون
أما السجون، فكانت أكثر من عنوان واحد كانت جغرافيا قهر، فيؤكد: تواجدت تقريبا في كل السجون الإسرائيلية، أول سجن دخلته بعد التحقيق كان سجن شطة في شمال فلسطين، في مدينة بيسان، ومكثت هناك سنة ونصف.
ثم ينتقل إلى مرحلة أكثر قسوة في تجربته: بعد ذلك تم عزلي إلى سجن هداريم لمدة 11 سنة، هذا السجن لم يكن عزلا فرديا، بل عزلا جماعيا للأسرى المؤثرين، كما يذكر أسماء رافقته، وفي صوته احترام عميق: كنت هناك مع مروان البرغوثي، ناصر عويس، يحيى السنوار، روحي مشتهى، ماجد المصري، أحمد سعدات، توفيق أبو نعيم، وكبار قيادات الحركة الأسيرة، كنا مجتمعا صغيرا، لكنه كان فلسطين بوعيها وتجربتها وقوتها.
وبعد هداريم، توزع جسده بين السجون كما يتوزع المنفى بين خرائط الغربة: تنقلت بين نفحة، عسقلان، السبع، ريمون، جلبوع، وشطة مرة أخرى، وكل سجن كان فصلا جديدا من التعب والصمود.
عذاب البوسطة
التنقل لم يكن انتقالا عاديا بل عذابا إضافيا، حيث يتحدث عن البوسطة – سيارة نقل المعتقلين: البوسطة ليست سيارة نقل، هي شكل آخر من التعذيب، كنت أبقى فيها مكبّل اليدين والقدمين ثلاثة أيام، خلال النقل من سجن لآخر. البرد، الجوع، التعب، القيود، كلها جزء من رحلة لم تكن يوما إنسانية.
كما يقول جملة تختصر التجربة كلها: داخل الأسر قد يأخذون جسدك، لكن إن سمحت لهم أن يأخذوا فكرك، هنا تبدأ الهزيمة، ونحن لم نهزم، وكان صوته يشبه الطريق الطويل الذي قطعه، حيث متعبا لكنه ثابت، جريحا لكنه واقف، مقيدا لكن لا شيء فيه يشبه الأسر.
كان صوت أحمد أبو خضر يهبط درجة حين يصل إلى هذا الجزء من الحكاية حيث الحديث عن وضع السجون الإسرائيلية بعد طوفان الأقصى، وكأن الكلمات نفسها تخاف أن تخرج، والألم ما زال ساخنا كما كان داخل الجدران الباردة، ثم يقول بهدوء ثقيل يشبه الليل الذي عاشه هناك: "ما بعد 7 أكتوبر لم يكن سجنا، بل كان تحويلا مقصودا للإنسان إلى شيءـ لا صوت له، لا حق له، لا مكان له في الحياة".
لم تكن هذه جملة افتتاحية، بل كانت الجملة التي ظلت عالقة في رأسه أشهرا طويلة، يبحث لها عن صياغة أخيرة تنصف التجربة ولا تخون الحقيقة، ويضيف بصوت منخفض: "كل ما كان موجودا قبل ذلك اليوم، أي قدر بسيط من النظام داخل السجن، تحول فجأة إلى فوضى متعمدة، لم يعد هناك قانون ولا لوائح ولا حقوق أسير، أصبحنا محتجزين في عالم يريد منا أن ننسى أننا بشر".
لحظة الانقلاب على كل شيء
يتنفس أحمد ببطء، وكأنه يعود بتفاصيل دقيقة إلى تلك اللحظة: "في الأيام الأولى بعد 7 أكتوبر، تم سحب كل شيء، الطعام، المراوح، أجهزة الراديو، الكتب، الملابس، حتى البطانيات الصغيرة التي كنا ننام عليها، وجدنا أنفسنا فجأة في زنازين فارغة تماما، الزنزانة كانت أربعة جدران وبابا حديديا، ولا شيء آخر".
كانوا يسمعون وقع الأقدام قبل وصول الجنود، ثم أصوات الصراخ، والضرب، والصعق، والتهديد، وأحيانا أصوات لم يستطيعوا تحديد مصدرها لكنها كانت كافية لتحويل الليل إلى كابوس لا ينتهي، وهنا يتحدث عن هذا الشعور : "كانوا يدخلون علينا ويصرخون أنتم لن تكونوا أسرى بعد اليوم، أنتم حرب وأنتم ستدفعون الثمن، وكأن الجملة كانت أوامر متفقا عليها بين كل الوحدات، فقد تكررت بنفس الكلمات على ألسنة عشرات المحققين والجنود والحراس".
التعذيب ليس جسديا فقط بل نفسيا أيضا
الاحتلال لم يقتصر على تعذيب الأسرى جسديا فقط، لكن أيضا تعذيبا نفسيا، حيث يغمض أحمد عينيه لثوان قبل أن يكمل: "ما تعرضنا له لم يكن عقابا، كان انتقاما، وكان الهدف منه تحطيم الروح قبل الجسد"، ثم يشرح بتفاصيل موجعة: "كانوا يدخلون علينا وهم يرتدون قفازات سميكة، ينهالون بالضرب على الرأس والعمود الفقري والرقبة، كانوا يركلوننا ونحن مقيدون بحيث لا نستطيع حماية أنفسنا".
ويضيف: "تم تعليق بعض الأسرى من الأبواب، وتم صعق آخرين بالكهرباء في أماكن حساسة، كان البعض يُترك لساعات أو أيام دون طعام أو ماء فقط لأن أحد الحراس لم يكن مزاجه جيدا"، ويخفض صوته قليلا ويقول بشيء يشبه الاعتراف المر: "والأسوأ لم يكن الضرب بل الأسوأ كان الإذلال".
ويستعيد المشهد: "كانوا يسخرون منا، من لهجتنا، من عائلاتنا، يسألون عن الزوجات والبنات ويحاولون جرح الكرامة قبل الجسد، وهناك أسرى لم يتحملوا انهاروا نفسيا، لم يعودوا قادرين حتى على الحديث أو معرفة اليوم من الأمس".
الجوع السلاح الصامت
الجوع كان أحد أسلحة السجانين الإسرائيليين من أجل إخضاع الأسرى، تقارير عبرية ودولية كثيرا كشفت حجم المأسي للأسرى الذين تعرضوا للجوع مما تسبب في نقصان وزنهم عشرات الكيلو جرامات، وهنا يقول أحمد أبو خضر :" "الجوع لم يكن قلة طعام، كان سياسة عقاب"، ويشرح بتفاصيل دقيقة: "كانوا يعطوننا قطعة خبز رفيعة جدا، أقرب إلى الورقة، وملعقة رز، وأحيانا نصف بيضة، كل هذا لمدة 24 ساعة".
ويتابع: "لمدة سنتين كاملتين لم نر طعاما ساخنا، لا شوربة، لا ماء دافئ، لا كوب شاي، حتى السكر والزيت والملح كانت ممنوعة"، ويكمل بنبرة حزينة: "كان هناك أسرى يفقدون الوعي من الجوع، وأسرى تدهورت صحتهم لدرجة صار فيها المشي صعبا بل شبه مستحيل"، كما يتحدث بصوت متقطع قليلا وهو يكشف وفاة بعض الأسرى من الجوع: هناك أسرى ماتوا بسبب الجوع، ليس مجازا بل حقيقة".
المرض بلا دواء
ينتقل "أبو خضر" إلى جزء آخر من الألم: "الأمراض أصبحت جزءًا من الحياة اليومية، التهابات حادة، مشاكل في القلب، فشل كلوي، التهابات جلدية، فقر دم حاد، نزيف، كسر عظام دون علاج، والدواء الوحيد المتاح كان حبة باراسيتامول، سواء كان الأسير مصابا بالتهاب رئوي، أو تسمم، أو كسر في العظام"، ثم يقول بجملة اختصرت فصلا كاملا من الألم: "كنا نترك لنشفى وحدنا أو لنموت وحدنا".
الشهداء داخل السجن
عندنا وصلنا لهذه النقطة كان هذا الجزء الأثقل على أحمد أبو خضر خلال حديثنا عن الشهداء الأسرى الذين توفوا أمامه في السجن، فصوت يصبح أكثر بطئا، وكأنه يقرأ أسماء لا ينبغي أن تنسى: "استشهد عدد من الأسرى داخل السجون ومن بينهم من رأيناه يموت أمامنا".
يصمت قليلا ثم يقول: "منهم الأسير خالد الشاويش، ظل ينزف دون تقديم أي مساعدة، لفظ أنفاسه أمام أعيننا ونحن عاجزون حتى عن الاقتراب منه لأننا كنا مقيدين، دماؤهم ما زالت في ذاكرتي ولم تجف".
الشهداء داخل السجون
يبدأ أبو خضر حديثه بتكريم شهداء فلسطين، الذين أصبحوا جزءا من عائلته: "أنا أعتبر كل شهداء الشعب الفلسطيني هم عائلتي، وهم أبناء شعبي، وأهلي وعزوتي، ومن عائلتي المباشرة، الحمد لله، لم يفقد أحد حياته في العدوان على الضفة أو غزة، لكن داخل السجون رأيت الموت أمامي".
أسرى غزة الشهداء
ويستعيد ذكريات الألم: "استشهد أمامي الأسير سامي أبو دياك، والأسير بسام السايح، والأسير خالد الشاويش خرج من الغرفة التي كانت بجواري، وبعدها سمعت عن استشهاده أثناء نقله بين السجون، ما يعرف بـالبوسطة، واستشهد العشرات من الأسرى الذين كنت أعيش معهم، ومن بينهم الأسير كمال أبو وعر، والعديد غيرهم، كل لحظة كانت مواجهة مع الموت، لكننا تعلمنا الصمود".
الحرب على الذاكرة
كما ذكرنا في السطور الماضية، لم يكن التعذيب جسديا فقط، لطن أيضا كان حربا على الزمن، على اللغة، على الروابط الإنسانية، حيث يقول: "منعونا من الحديث ومنعونا من الصلاة بصوت مسموع، كانوا يعاقبون الأسير إذا ابتسم أو ضحك أو حاول حتى أن يسند صديقه، حولونا إلى صمت إجباري، إلى زمن بلا نهار ولا معنى".
أصعب اللحظات داخل الأسر
يجلس الأسير الفلسطيني، وعيناه تحملان ذكريات أكثر من عمره، حديثه لم يكن مجرد سرد لتفاصيل الاعتقال، بل شهادة حية على صمود الإنسان الفلسطيني أمام آلة القمع الإسرائيلية، بين الألم والأمل، جمع أبو خضر تجربته ليحكي عن أصعب اللحظات داخل الأسر، وعن رؤيته لما حل بأهل فلسطين بعد 7 أكتوبر، وعن رسالته لكل أحرار العالم.
الزيارات وقطع التواصل
يتحدث عن الوحدة والمعاناة الناتجة عن العزلة: "كنا نسمح أحيانا بالزيارات، وزارني والدي ووالدتي، لكن الجزء الأكبر من عائلتي كان ممنوعا من الزيارة، وبعد فترة، مُنعت حتى من رؤية والدي ووالدتي، أما بعد 7 أكتوبر، فقد قُطعنا عن العالم الخارجي بشكل كامل، ولم نتلق أي زيارة، لا محامين، لا الصليب الأحمر، ولا أي وسيلة للتواصل حتى التلفاز والراديو تم منعه بالكامل، كنا مقطوعين عن كل شيء".
ويضيف: "كنا نحاول تهريب الراديو الصغير لنستمع إلى الأخبار خلسة، ونوزع ما نسمعه على بقية الغرف، في الأيام الأولى من أحداث 7 أكتوبر، شاهدنا المقاومين وهم يدخلون غزة والمستوطنات الإسرائيلية، لكن بعد نصف ساعة تم قطع الكهرباء ومنع كل شيء".
التعذيب والتهديدات في الأيام الأخيرة
ويصف أبو خضر العشرة أيام الأخيرة في سجن النقب قبل خروجه: "في آخر عشرة أيام، تعرضنا لأبشع أنواع التعذيب، حيث الضرب، الإهانات، الشتائم، التهديد بالقتل، حتى بعد الإفراج، قالوا لنا سنلاحقكم أينما كنتم، ووجدت وحدة خاصة من الموساد لملاحقتنا واغتيالنا، كانت تلك أياما عصيبة بكل معنى الكلمة، لا يمكن للإنسان وصف حجم الألم والمعاناة".
الخروج من الظلام
ثم فجأة، يتغير صوته، كأنه يستعيد شيئا كان في خطر أن يُنتزع منه : "لكنهم فشلوا، رغم الجوع، رغم الضرب، رغم العتمة، بقينا واقفين، بقينا نحفظ أسماء شهدائنا، نحفظ قصائدنا، نحفظ أسماء أمهاتنا، وأرضنا، وفلسطين".
ويتنفس بعمق ثم يتحدث: "خرجت من السجن بوزن 56 كيلو فقط لكن روحي كانت أثقل من السلاسل وأقوى مما أرادوه لنا، أرادوا لنا أن نخرج مكسورين لكننا خرجنا نحمل الحقيقة، لا الندوب، خرجنا لنتحدث نيابة عن من لم يُسمح لهم بالخروج ولا بالكلام".
لقاء العائلة بعد التحرر
رغم الألم، لم يخف أبو خضر سعادته باللقاء مع أفراد أسرته القريبين: "التقيت بشقيقي وشقيقتي وزوجتي فقط، وبقية أفراد عائلتي ممنوعون من السفر حتى اليوم. لكن الحمد لله، كانوا بصحة جيدة ومعنويات عالية، ولديهم أبناء الآن، وهذا فرح كبير بالنسبة لي، أنا أتواصل معهم يوميا عبر الهاتف وأحاول التعويض عن سنوات الغياب".
الدمار بعد الأسر
كما يتحدث عن الصدمة التي شعر بها بعد رؤية فلسطين خارج السجن: "عندما خرجنا، رأينا الدمار الهائل في غزة والضفة الغربية، وبالأخص غزة، المشهد كان صادما جدا، المنازل دمرت، الشوارع خاوية، المدارس والمستشفيات مهدمة، كان المشهد مخيفا، لكنه لم يفاجئنا كثيرا، لأننا نعرف مدى بشاعة المحتل ونزعة الإبادة لدى الحركة الصهيونية، فهم نازيين جدد، لكن حجم الدمار كان مرعبًا، والمجازر مروعة للغاية".
الدور المصري ودعم الأمة العربية
ويشيد أبو خضر بالدور المصري: "نحن كفلسطينيين، وخصوصا كشريحة الأسرى، نعول على الدور المصري، منذ عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وحتى اليوم، نحن تربينا على الوحدة الوطنية والعربية، ونفخر بدور مصر، ولولا القاهرة، لما توقف العدوان على شعبنا، شكرا مصر على استضافتنا واحتضاننا كأسرى محررين، وشكرا للشعب المصري على حفاوته وكرمه".
رسالة للعالم
في نهاية حديثه لم ينس توجيه رسالة صادقة ومباشرة للمجتمع الدولى وشعوب العالم: "رسالتي لكل أحرار العالم، وليس للحكومات المتواطئة مع الاحتلال، أقول لكل من نزل إلى الشوارع بعد 7 أكتوبر، واستمروا في الضغط على حكوماتكم، ادعموا فلسطين، أوقفوا الإبادة، وأيدوا إقامة الدولة الفلسطينية، نحن سنعود إلى أرضنا، فلسطين هي وطننا، وسنظل نرفع صوت الحقيقة للعالم كله".
تظل شهادة أحمد أبو خضر مرآة لواقع الأسر الفلسطيني، للألم والمعاناة والصمود، وللأمل الذي لا يموت في قلوب من قاوموا سنوات من الظلم، وفي كلماته، تتجسد فلسطين الحية، التي لا يستهين بها التاريخ ولا الزمان، والتي يصر أهلها على البقاء، على الصمود، وعلى نقل رسالتها إلى كل شعوب العالم.