خالد إبراهيم يكتب: السادة الأفاضل.. مافيهومش ولا واحد فاضل.. نقد اجتماعى من بوابة الكوميديا.. كذبة تقود الجميع للهلاك.. «العبث» يتسيد المشهد.. وكريم الشناوي ينجح في قيادة كتيبة من النجوم

الأربعاء، 19 نوفمبر 2025 10:30 م
خالد إبراهيم يكتب: السادة الأفاضل.. مافيهومش ولا واحد فاضل.. نقد اجتماعى من بوابة الكوميديا.. كذبة تقود الجميع للهلاك.. «العبث» يتسيد المشهد.. وكريم الشناوي ينجح في قيادة كتيبة من النجوم فيلم السادة الأفاضل

لا أظن أن فيلم السادة الأفاضل يشبه غيره من الأفلام المطروحة في دور العرض، ولا أظن أيضا أنه يشبه أفلام سبقته، فأوجه الاختلاف هنا لا ليست في النوعية الفيلمية، فهو فيلم يمكن تصنيفه كوميديا، وربما ترى فيه طيفاً من العبثية، كذلك ليس في المفارقات الكوميدية وغير الكوميدية التي يقوم عليها الفيلم، وأيضا ليس الاختلاف في أنه بطولة جماعية لمجموعة كبيرة من الأبطال والبطلات، فجميعها أشياء موجودة بالفعل فى حاضرنا السينمائي، بل أميل إلى أنها جميعا معطيات متأصلة في أغلب الافلام السينمائية في هذه الحقبة، لكن الجديد والمختلف هو لُب الفكرة وجوهرها وما وراءها، الذى يعج بتفاصيل مُكفثة، تجعل المجال مفتوحاً أمام المُتلقى لطرح تساؤلات عن مجموعة من القيم الاجتماعية والأخلاقية.

أفيش السادة الأفاضل مُعبر


نستطيع أن ننطلق من أفيش الفيلم، الذى يتصدره كافة أبطال العمل، فإذا تأملناه جيدا، سنجد أعلاه مومياء ودمية ضخمة، مُحركان للأحداث، وفى المنتصف، تجتمع عائلة أبو الفضل بأكلمها، وفى الأسفل، ثُلاثي شاب يتشابكون في الأحداث، ويغيرون سيرها، وقد وُضعوا جميعهم فى إطار ذهبي، وحولهم تتناثر الدولارات، في إشارة إلى أن هذا المال، سيكون له دور فعّال في سياق الدراما، ونستطيع أيضا، أن نصف هذا الأفيش بـ "الذكاء"، فردود الأفعال والانفعالات المرسومة على وجوه الأبطال، تتماشى مع طبيعة أدوارهم بدقة.

مشهد من الفيلم
مشهد من الفيلم

قصة الفيلم

دون حرق لأحداث الفيلم ومفاجآته المتوالية، فنحن أمام عائلة "جلال أبو الفضل"، التي تودعه وهو على فراش الموت، فمن حوله ابناءه، وزوجته وحفيده، وما هي إلا لحظات حتى يموت "جلال"، الذى يجسده الفنان بيومي فؤاد، فيكون على الابن الأكبر، أن يتولى مسئولية الأسرة، فيبدأ في تحضيرات الجنازة والعزاء، وتجتمع عائلة أبو الفضل كلها في منزل جلال، انتظارا لمراسم الجنازة التي تتزامن مع أول أيام عيد الأضحى، وفى نفس اللحظة، نتعرف على "جوهري"، الذى يجسده طه الدسوقى، الشاب العاطل، الذى يتمتع بالذكاء نوعا ما، يُخطط لسرقة أموال المعاشات في مكتب البريد، المجاور لمنزل أبو الفضل، مُستغلا حالة الوفاة، ثم تستمر الأحداث في أقل من 24 ساعة، تنكشف فيها مفاجئات، وتتعقد الأمور، وتظل الأحداث تزداد تعقيدا، حتى النهاية.

طه دسوقي وعلي صبحي
طه دسوقي وعلي صبحي

 

ما يميز "السادة الأفاضل" أنه حسم أمره من البداية، أن الكوميديا الذى ستنبع منه، تعتمد بالأساس على لا معقولية الفكرة، وسير الأحداث، والمفارقات، لا على إيفهات "محشورة"، داخل السياق، رغم القماشة التى تتسع لمثل هذه النوعية من النكات، لا الاختيار كان عدم الإسراف من الايفهات، على أن تتكفل المواقف بهذه المهمة، مدفوعة بسوداوية الكوميديا، وحالة العبث المُصاحبة للمفارقات، الكوميدي منها وغير الكوميدي.

المفارقة الأساسية والتى تغير نظرتنا تجاه الأحداث، وتؤسس لانطلاق الفيلم، كان من الممكن ــ بكل سهولة ــ أن تكون مفاجأة الفيلم في نهايته "البلوت تويست"، بحيث يُصدم المشاهدين قبل الختام، لكن كريم الشناوى المخرج، وكتاب الفيلم الثلاثى (مصطفى صقر ومحمد عز وعبد الرحمن جاويش )، اختاروا أن ينتصروا جميعا للمضمون، دون أن يخل ذلك بحبكة الفيلم أو مسار أحداثه.

عبث.. من البداية للنهاية


في الكادر الأول للفيلم، نرى فى سقف غرفة "صلاح أبو الفضل"، مُحاكاة شديدة السخرية لجدارية "خلق آدم"، الشهيرة، لكن تتبدل فيها الوجوه، يقف "صلاح أبو الفضل" في جهة، يمد يده لابنيه، بملابسه كبائع للحواوشى، وفي الجهة المقابلة الابنين، "طارق" محمد ممدوح و"حجازي" محمد شاهين، يمدان هما أيضا يدهما تجاه الأب، لتكون هذه الجدارية المرسومة على السقف، اعلانا واضحا بكوميديا الأحداث وعبثيتها في نفس الوقت، حتى نصل للنهاية التي تسير على نفس الوتيرة العبثية.

تساؤلات مفتوحة


ومع هذا الإغراق في الضحك من مصائر الأبطال وتحولاتهم والصُدف الموضوعة بعناية معقولة، تطل مجموعة من التساؤلات، حول أخلاقيات المُجتمع، وضعف الروابط الأسرية، وإشكالية التفاوت فى الطبقات الاجتماعية، وانعكاس ذلك على سلوكيات أفرادها، وهل يمكن إعادة صياغتها أو محاولة إذابة الفروق بينها، ثم من هو الفاسد، وكيف يعيد تدوير فساده في صورة جمالية وربما يلبسه ثوب الفضيلة، وأخيرا السؤال الأبرز، كيف طغت كل هذه الوجوه والأقنعة المُزيفة على مُجتمعنا؟

هذه الأسئلة يطرحها الفيلم بين سطوره خلسة تارة، وتارة أخرى بشكل واضح ومباشر، ولعلها تظهر في الأغنية الدعائية للفيلم، "كلكوا فله"، وتتجلى في سؤال: "وأما كل الناس ضحية أُمال مين عمل الجريمة؟ .. كله سالك والمهالك اللي عيشنها دي فيلم سيما"، فالجميع يكذب ويخدع ويخون ويزور، كل حسب مصلحته وهواه ورغباته في الخفاء، ثم يظهرون عكس ذلك، لتتراجع الفضيلة خطوات إلى الوراء، وتسحب معها معانٍ أصيلة كصلة الدم، والرحمة، والعدل، وحينما تسقط الأقنعة، ويتجلى القُبح، يتهمون بعضهم البعض بهذه الرزائل، فالتناقض هنا واضح بين عائلة "أبو الفضل"، التي لا يمتلك أيا منهم الفضيلة، ومع ذلك فهم "السادة أفاضل"، دون أن يكون بينهم سيد فاضل واحد، حتى يأتي في النهاية التدبير الإلهي، ليس في صورة الحل، لكنه في صورة العقاب.

مُخرج استثنائي


امتلك كريم الشناوى في أول أفلامه الكوميدية، مهارة جيدة فى توظيف أدواته الإخراجية، لكن يظل الديكور واحدا من أبطال العمل، فأغلب الأحداث تدور داخل منزل "صلاح أبو الفضل"، وتأكيدا على فلسفة العمل، امتلأت جدران المنزل بالآيات القرآنية، و"البراويز" الدينية، التي تتنافى تماما، مع أخلاقيات سُكانه، حتى المنزل نفسه يرتدى أقنعة مُزيفة، تخفي حقيقة أهله.

وخلاف الديكور، يُحسب لكريم الشناوى، هذه القدرة الاستثنائية، على إدارة أكثر من 10 أبطال، بخلاف الأدوار الأخرى، بحيث لا تطغى شخصية على غيرها، إلا في سياقها داخل الأحداث، والأهم من ذلك، هي تلك الاختيارات الجيدة لكل دور، وهنا لابد من الإشارة إلى كل من الفنان الكبير أشرف عبد الباقى، الذى يمتلك من الذكاء ما يمكنه من اختيار أدواره الفنية بعناية شديدة في الأونة الأخيرة، لا يهم مساحة الدور أو ترتيبها، بقدر ما يهم تأثيرها، لا سيما مع اللمسات السحرية التي يضفيها على اختياراته، والاسم الثانى فهو ميشيل ميلاد بشاي، الذى يتألق بشخصية الشاب الساذج المُغيب بتأثير المُخدرات، وما ينبع من هذه التركيبة من مواقف كوميدية مؤثرة، والاسم الثالث دينا يحيى الوجه الجديد، التي تقدم شخصية "فتاة ليل بعكاز"، وهي شخصية تمتعت بخفة ظل كبيرة مُناسبة للأحداث.

ورغم الإجادة، إلا أن ثمة خطوط درامية، كانت تحتاج إلى مزيد من العناية، كالنهاية التي آلت إليها شخصية "الجوهري"، ونهاية شخصية "مبروك" المبروك وخطه الدرامي، والخط الدرامي لـ "ناهد" دنيا ماهر، التى تعتبر الحلقة الأضعف في عائلة أبو الفضل، رغم امكانيتها الكوميدية الجيدة، فضلا عن زيادة جرعة المفارقات التي ربما تكون زادت عن الحد، لكن يمكن أن نقول في اطار آمن.

في النهاية، يستحق فيلم "السادة الأفاضل"، لا أن ينجح فحسب، بل أن نقف عنده كثيرا بمزيد من التأمل والتفكير في مضمونه، وقيمته كفيلم كوميدي استطاع أن يمرر ما ليس كوميديا.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب