الفن قدرى الجميل علمنى الصبر والأمل ووهبنى رؤية إنسانية للحياة
حين عزف نزار بالكلمات ولحن الموجى بالأحاسيس كنت أرسم النغمة الثالثة بالألوان
كان يوسف إدريس يؤمن بأن الفن التشكيلى مرآة الأدب وأن اللوحة يمكن أن تحكى رواية كاملة
بابتسامته الطيبة استقبلنا الفنان التشكيلى الكبير أحمد شيحا فى مرسمه الخاص، وسط أدواته ولوحاته التى تنطق بالألوان والحياة، تحدث بهدوئه المعروف عن رحلته الطويلة مع الفن، وعن رؤيته العميقة للعلاقة بين اللوحة والإنسان، مؤكدًا أن الفن بالنسبة إليه ليس مجرد مهنة، بل رسالة تحمل حب الوطن والإنسانية، كان الحديث مليئًا بالطاقة وحنين الماضى، ذلك الحنين المتجسد فى علاقاته الإنسانية برموز الفن والأدب مثل نزار قبانى وعبد الحليم حافظ ويوسف إدريس، لوحاته على الجدران تبدو كأنها نغمات لمقطوعة موسيقية تُسمع بالعين قبل الأذن؛ معظمها يستلهم عمق الحضارة المصرية وروحها الخالدة، فتشعر أن كل لون يحمل حكاية من زمن بعيد تمتزج فيها الأصالة بالحداثة، فإلى نص الحوار..
فى البداية إذا كان الفن قدرًا… فهل تستمتع بهذا القدر؟
بالطبع، أنا ممتن لهذا القدر غاية الامتنان؛ فهو من أعظم النعم التى حباها الله للإنسان، أى الحكمة، والحكمة تقود إلى الصبر، والصبر يعلم الأمل، والأمل بدوره إحدى الغايات السامية فى سبيل تحقيق الأحلام، ومن ثم فإننى سعيد بهذا القدر.
أحمد شيحا مع بسنت جميل
طوال مشوارك الفنى من الشخص الذى ترك بصمته الحقيقية فى تشكيل رؤيتك الفنية؟
فى الحقيقة لم يكن هناك شخص بعينه أثر فى بشكل مباشر؛ كانت القصص والروايات التى أقرؤها هى المؤثر الأبرز، من خلال دخولى إلى ما كنت أسميه "صحارة الكتب" تعرفت إلى عالم جديد مدهش، كنت أغوص بين الرفوف المليئة بالكتب، أعيش بين صفحاتها، وأتجول فى عوالمها، فأجد نفسى منغمسًا فى سطور تحكى عن الحضارة المصرية والتاريخ البصري. كانت تلك القصص من أهم المؤثرات فى حياتي.
برأيك هل يمكن للفنان أن يستمر فى الإبداع دون ملهم أم أن الإلهام عنصر أساسى لا غنى عنه؟
كانت هناك شخصيات مؤثرة تركت بصمات عميقة فى مسيرتى الفنية والإنسانية، أولهم أستاذى فى الصغر "كاسبر أنتون دونيكان"، فنان أرمنى الأصل كان مقيمًا فى الإسكندرية، يتمتع بقدرة استثنائية على تحويل صوته إلى سيمفونية كاملة، كان، بعد أن ينهى عزفه الصوتي، يجلس ليحكى لى "الرواية" التى عزفها، وكأنها أداء لفرقة موسيقية. تعلمت منه دروسًا لا تنسى، ليس فى الفن فقط بل فى الحس الإنسانى العميق. وعندما غادر مصر، ترك لأهلى جميع متعلقاته من فرش وسكاكين رسم وأدواته الخاصة، وقال لهم: "عندما يعود أحمد، أعطوه هذه الأشياء". كانت لفتة إنسانية راقية لا تمحى من الذاكرة.
أما الشخصية الثانية فكانت أستاذى سمير السبع الذى عاش طويلًا فى الولايات المتحدة، كان يأتى خصيصًا لحضور معارضي، إنسان راقي وملهم إلى أبعد الحدود، يبدى إعجابًا كبيرًا بالأعمال التى قدمتها هناك. انقطع التواصل مع الوقت، لكننى أذكره بكل خير وأدعو له بالصحة وطول العمر. أدركت من تجربتى أن الإلهام الحقيقى لا يأتى من لحظة عابرة، بل من تراكمات الطفولة والعناصر الجوهرية التى تشكل وجدان الفنان.
أحمد شيحا يرسم
لوحاتك تحمل الطابع المصرى القديم.. ما سر ارتباطك بالتراث؟
التراث المصرى هويتي، قضيت أربع سنوات فى الولايات المتحدة، وخلالها حصلت على جوائز وتكريمات عديدة؛ حتى إن دان كويل، نائب الرئيس الأمريكى آنذاك، كرمنى نيابة عن مجلس الشيوخ، كانوا يرغبون فى أن أكون مستشارًا مساعدًا للرئيس ضمن خمسة أشخاص، لكننى اعتذرت وقررت العودة إلى مصر. كان ذلك أسعد قرار اتخذته فى حياتي. أرى أن روح الحضارة المصرية القديمة تمنح العمل الفنى جوهره؛ حتى إن لم يظهر ذلك مباشرة فى الشكل، يبقى الجوهر مصريًا تمامًا.
الفنان أحمد شيحا في مرسمه
وصفت أعمالك بأنها نوتة تشكيلية.. ماذا تقصد؟
"النوتة التشكيلية" أشبه بالنوتة الموسيقية، لكن بدلًا من النغمات تُكتب بالألوان والخطوط. معظم أعمالى "نوتة تشكيلية مصرية" لا تشابه بين عناصرها، لكن هناك فراغات محسوبة وجمل بصرية تحمل روح التراث المصري. كل لوحة ترتدى "ثوبًا جديدًا" من الابتكار، وتظل مشبعة بالتراث المصرى القديم. هذا هو الأهم عندي.
الفنان أحمد شيحا
نود التعرف إلى علاقتك بنجوم الفن والموسيقى والشعر مثل نزار قبانى وعبد الحليم حافظ ومحمد الموجي؟
هؤلاء من أقرب الناس إلى قلبي. أتذكر حين زار الأستاذ كمال الملاخ بيروت ورأى أعمالى فى مكتب نزار قباني، فأرسل إلى دعوة للإفطار معه ومع الملاخ فى أحد الفنادق الساعة الثامنة صباحًا، جلسنا من الثامنة إلى العاشرة، كان الملاخ يريد الاطمئنان إلى مكانتى بين الفنانين هناك، ثم طلب منى العودة إلى مصر قبل حرب أكتوبر 1973 بقليل، فى القاهرة كنت فى ستوديو 46 بالإذاعة مع محمد الموجى وعبد الحليم حافظ، كان عبد الحليم يغنى مقطعًا من "لفى البلاد يا صبية"، وكان هناك نقاش حول النصر فقال: "لا خلاص، إحنا انتصرنا تمامًا"، كنت صامتًا، فسألني: "إنت ما بتتكلمش ليه؟" فأجبته: "أنا بس أسمع"، كنت أحمل كتاب "أحلى قصائدي" لنزار قباني، وفتحت على "قارئة الفنجان" وسألته رأيه. قال: "يااه، أنا عارفها!" ومن هنا بدأت القصة، سلّمت على محمد الموجي، فقال لي: "اقعد، عايز أقولك حاجة"، وفتح حقيبته وأخرج ورقة وقرأ: "جلست والخوف بعينيها تتأمل فنجانى المقلوب"، انفجرت فرحًا؛ فهى القصيدة التى اخترتها لنزار، قال: "دى هتديها له عشان يتفق مع حليم على الألحان"، من هنا نشأت العلاقة بينهم وولدت أغنيتان خالدتان: "قارئة الفنجان" و"رسالة من تحت الماء". استمرت علاقتى بعبد الحليم سنوات، وكان بيننا تواصل روحى وإنسانى كبير. أعد نفسى محظوظًا لأنى عشت زمنهم ومعهم.
جوائز
وماذا عن علاقتك بالكاتب الكبير يوسف إدريس؟
قصة طويلة. كنا جيرانًا فى العجمي، وبيننا نقاشات حامية عن الفن والثقافة حتى تشاجرنا يومًا. قلت له: "إنتوا فاكرين نفسكم، الكتّاب، فاهمين الفن التشكيلى كويس؟" فقرر إدريس أن يقدم معرضى ويكتب عنه. افتتح المعرض فى أتيليه القاهرة، وكان يومًا كبيرًا حضره يوسف إدريس وكمال الملاخ ومختار العطار وحسين بيكار وغيرهم. كتب كلمة جميلة عنى وما زلت أحتفظ بها، وهى من أعز ما أملك. يوم وفاته كان مشهدًا مؤلمًا؛ مشيت فى جنازته، ورأيت الشرقية كلها ترتدى السواد وتودعه بمحبة كبيرة. هزنى الموقف ولا أنساه.
هل من كواليس أخرى مع فنانين؟
بالطبع. كانت فترة ذهبية مليئة بالقيم والفن الحقيقي. علاقتى بمحمد الموجى كانت مدهشة؛ كان يأتى إلى بيروت خصيصًا لمتابعة معارضي. كنا نسهر مع مجموعة كبيرة من المطربين والفنانين، وكانت صباح لطيفة وكريمة دائمًا. أتذكر ليلة زفاف ابنة الموجى على الشاعر غضبان؛ قال لي: "تعال نزفها". كانت ليلة من أجمل ما عشت. كان الموجى صديقًا وفيًا وإنسانًا نادرًا بحق.
وبالعودة إلى نزار قباني سمعنا أنه امتلك عددًا من لوحاتك.. ما هي؟
نعم، امتلك لوحة "رسالة من تحت الماء"، إضافة إلى لوحتين صغيرتين وضعهما على أغلفة كتبه. كان نزار عبقريًا حقًا؛ حين يكتب شعرًا تشعر أن الحروف تنبثق من بين أصابعه. كان إنسانًا حساسًا وصبورًا رغم مآسيه. عندما توفى شعرت كأن الأرض توقفت. رحم الله شخصًا لا يتكرر.
مرسم الفنان أحمد شيحا
إذا وجهت رسالة لهؤلاء الرموز نزار قباني، عبد الحليم حافظ، الموجي، يوسف إدريس، كمال الملاخ… ماذا تقول؟
أنتم باقون بيننا، تملأون أرواحنا سعادة، وتعيشون فى وجداننا. أعمالكم خالدة، وكلماتكم وألحانكم ستظل منارة تهدى الأجيال.
أخيرًا.. ما رؤيتك للفن التشكيلى فى مصر الآن؟ وما نصيحتك للشباب؟
أتابع الحركة التشكيلية المصرية وأرى ازدهارًا كبيرًا بفضل عدد هائل من الفنانين المجتهدين. يسعى الشباب إلى تقديم أعمال مبتكرة بعيدًا عن التقليد الأوروبي، وهذا يسعدني. كلما اقترب الفنان من الروح المصرية وحضارتنا العريقة كانت إضافته أعمق وأكثر قيمة.
منزل أحمد شيحا