في كل يوم كان يحمل حلمه فوق دراجته النارية، يجوب الشوارع بابتسامة تعبّر عن شاب عرف مبكرًا معنى المسئولية، ولم يكن “خالد علي” مجرد مندوب توصيل، بل كان سندًا لأسرة فقدت عائلها منذ أن كان طفلًا في الصف الخامس الابتدائي.
قرر خالد أن يكون هو الأب والأخ، فاشتغل في كل ما يستطيع حتى لا تحتاج أمه ولا شقيقته الصغيرة لأحد، وذلك بعد وفاة والده الذي لحق به بعد سنوات قليلة.
ففي إحدى الليالي، وبينما كان يؤدي عمله المعتاد لتوصيل طلب دواء إلى أحد المنازل، كان يسلك شارع كسري بحي الزهور، عندما باغتته سيارة تسير عكس الاتجاه بسرعة جنونية، لتصطدم بدراجته بقوة وتطيح به أرضًا.
نُقل خالد إلى مستشفى الزهور في حالة حرجة، ثم إلى مستشفى السلام التابعة للهيئة العامة للرعاية الصحية، حيث خضع لعملية جراحية دقيقة استمرت 6 ساعات لإنقاذه من نزيف حاد في المخ وكدمات بالرئة، وظل في غيبوبة تامة 17 يومًا، تصارع أنفاسه بين الحياة والموت، حتى غلبه التعب وودّع الدنيا في صمت، تاركًا وراءه أمًا مكلومة وشقيقة فقدت السند الوحيد.
تقول والدته "عبير" بصوت مبحوح من البكاء: "ابني كان كل حياتي.. مات وهو بيسعى على رزقه..تعب كتير علشان يوفرلنا حياة كريمة..كان سندي بعد وفاة أبوه، اشتغل وهو طفل علشان يحمينا، وفي الآخر راح ضحية إنسان مستهتر ماشي عكس الاتجاه..نفسي آخد حقه، هو نور عيني اللي راح".
أما "أحمد" ابن خال خالد، وصديقه المقرب، فيحكي بصوت مخنوق: "كنت بكلمه وقت الحادث.. قال لي استناني مش هتأخر، وفجأة سمعت صوت خبطة جامدة والموبايل وقع، وجريت على الصوت لقيته مرمي على الأرض، وفضل يعاني أيام طويلة، وأنا بشوفه بيضعف قدامي كل يوم" .
وودّعت بورسعيد، "خالد" في جنازة مهيبة انطلقت من مسجد الكبير المتعال، وسط دموع أصدقائه وجيرانه الذين لم يصدقوا رحيله المفاجئ.
وأمرت النيابة العامة بحبس سائق السيارة الملاكي على ذمة التحقيقات، بعد أن تبيّن أنه كان يقود بسرعة جنونية عكس الاتجاه، مما تسبب في الحادث المروع.
تقول والدة خالد في نهاية حديثها: "مش عاوزة غير القصاص.. عاوزة أشوف العدالة، علشان كل أم متتوجعش زيي.. ابني راح وهو بيكافح بالحلال، لازم حقه يرجع".

والدة خالد شاب الدليفرى