خالد صلاح

أحمد هلال

"الأستاذ "...الذي " أحب أيامه"

الإثنين، 18 يناير 2021 10:06 ص

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
"أنا حبيت أيامي عشان اشتغلت مع نجوم كبار وعشت زمن جميل".. كانت تلك آخر كلمات الراحل وحيد حامد فوق المسرح أثناء تكريمه في مهرجان القاهرة السينمائي ديسمبر2020.. ووحيد بلا مبالغة هو السيناريست الأهم في تاريخ السينما والدراما المصرية، كاتب امتلك قلبا أخضر بكرا، لم تعرف "طيور الظلام" طريقها إليه. فسيناريوهات أفلامه وشخصياته السينمائية وحواراته وجمله الفارقة أكليشيهات منقوشة في عقل وذاكرة المشاهد العربي، فمعظم أبطاله شخصيات عادية أغلبهم من الطبقة المتوسطة تشعر أنك تعرفهم جميعا عن قرب، وأقل وصف إنه جواهرجي امتلأت خزنته بأفكار من ذهب وألماس تبشر كلها بحب الناس والوطن و الحلم بالعدالة الاجتماعية، وتلفت الانتباه إلى المهمشين والعاديين الذين يسقطون في النهاية من ذاكرة التاريخ.. لقد صاغ أفكارا نبيلة عاشت طويلا وستظل حية.
 
ولعل من أشهر الجمل التي نطقت بها شخصياته على الشاشة واستقرت في الأذهان كطلقات رصاص نافذة: "شفت بطاقته لا... شفت فلوسه "من فيلم سوق المتعة، " الفيلم ده قصة ولا مناظر" من فيلم المنسي، كما لا ننسى "في أوروبا والدول المتقدمة" من الإرهاب والكباب، "واحنا صغيرين قوي يا سيد" من فيلم اضحك الصورة تطلع حلوة وكذلك "أحنا في زمن المسخ " فيلم عمارة يعقوبيان وغيرها الكثير من التعبيرات التي صارت مادة متداولة على ألسنة الناس يتندرون بها في تعاملاتهم اليومية  
 
قدم "الأستاذ"  أكثر من تيمة في أفلامه ومنها مثلا تيمة نقف أمامها في هذا المقال وهي شخصية المدرس  وقد تناولها في فيلمين بحبكتين سينمائيتين مختلفتين بينهما قاسم مشترك وهو صراع ومأساة أبناء الطبقة المتوسطة في القاهرة ،الأول أستاذ فرجاني  جسدها الرائع نور الشريف في (آخر الرجال المحترمين1984 ) وهو نموذج للمعلم المثالي التربوي صاحب المبادئ الذي يعيش بمفرده في الريف بهدوء وبساطة يهوى القراءة ولديه سلام داخلي كبير، حتى يكلف بالإشراف على رحلة مدرسية إلى القاهرة وفي زيارة لحديقة الحيوان تختطف تلميذة  له وهنا يصدم بمجتمع القاهرة المتوحش المشبع بالجريمة ميت الضمير، حيث يسلك فرجاني الطرق الشرعية للبحث عن الطفلة حتى وصل إلى وزير الداخلية لكن مدير مكتب الوزير يتهمه بالجنون، فيجبر على البحث بنفسه في شوارع الخلفية ليكتشف وجه المدينة القبيح في السرقة والتجارة بالأطفال. وفي النهاية يعثر على الطفلة بعد رحلة عذاب فيجلس على سلالم برج القاهرة ويحَدث نفسه ويقول "برضه الإنسان هو أصل الحضارة، الخير هو الأصل فيه والشر هو اللي دخيل عليه.. زمان قالوا في الأمثال اللي بيخاف من الديب بيطلعله، واديك لقيت نفسك في قلب الزحمة لكن الزحمة جوه منها كتير قوي يا فرجاني دنيا تانية جديدة عليك، الحياة مش أبيض وأسود بس، ده فيها لون تاني اللون الرمادي، اصلك مكنتش عامل حسابه خالص، لازم تعيد حساباتك يا فرجاني"
 
 وهي شخصية تنتمي لزمن نفتقده فكم نحتاج الآن في مدارسنا وحياتنا لآلاف المعلمين من أمثال أستاذ فرجاني.
 
أما الشخصية الثانية فهي هاني مدرس التاريخ ، بطولة عادل أمام في فيلم (الإنسان يعيش مرة واحدة1981) شخصية درامية بامتياز لأنه طيب ورقيق لكنه مهمل وشبه فاشل يهوى القمار ويسهر للفجر؛ ينام في الفصل أثناء الدرس؛ فهو ابن المدينة بكل صخبها وجنونها، الذي نقل  إلى السلوم جزاء إهماله وهناك يلتقي بالدكتورة أمل التي جاءت هاربة من أزمتها النفسية إثر تعرضها لصدمة موت حبيبها وهناك أيضا يتعرف إلى غفير المدرسة "عم بكري" الهارب من ثأر قديم في إحدى بلدات الصعيد  وقد ظل يفر من بلد الى بلد حتى وصل الحدود في السلوم وقد أكسبه التنقل والهروب الدائمين نوعا من الحكمة وشيئا من الندم على أيامه الضائعة ، يقع هاني في حب أمل منذ اللقاء الأول تقريبا وتتعمق علاقتهما بلقاءات تكررت على شاطئ البحر بدأت صدفة لتؤكد على رغبتهما المشتركة في التمسك بالحياة.. وعلى الشاطئ تدور بينهما حوارات كثيرة تكشف شخصية كل منهما للآخر تدريجيا لتبدأ شخصية هاني في التغير بعد أن عثر على نفسه وسط هدوء وشوشة البحر وأحاديث الموج وفي أحد الحوارات بينهما وأثناء سيرهما معا يقول هاني "عارفة القيامة هتقوم  أمتى؟ يوم ما الحب يموت" وفي نهاية الفيلم يتفقان على الزواج والسفر الى القاهرة ويصطحبان عم بكري معهم. 
 
 والقاسم المشترك بين الفيلمين أو ما يمكن تسميته المغزى ( moral ) واحد  يتمثل في إصرار وحيد حامد على لفت الانتباه إلى توحش المدينة وتعقيداتها ومعاناة الإنسان فيها في مقابل تلميحه الى ضرورة الفرار الى  المناطق البعيدة في الصحراء أو المدن الساحلية  ليبدأ الانسان فيها من جديد لما توفره من طبيعة هادئة ونقاء يرد الانسان الى صفائه النفسي ..وقد صدق وحيد حامد حين قال لجمهوره لحظة التكريم "أنا كنت شديد الإخلاص للكلمة اللي بكتبها ،ومفيش كلمة كتبتها إلا وأنا حاطت في ذهني الناس اللي عايش وسطهم وده أترد ليا في الآخر" ومن هنا ستظل أعمال المبدع الكبير في قلب الشارع ووسط الناس الذين كتب لهم وعاش بينهم

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء


لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة